إبراهيم عوض.. نجمّ ساطع في سماء الأدب والفكر!

24/08/2022 07:03


أ.د حلمي محمد القاعود

يمثل د. إبراهيم عوض، الأستاذ بكلية الآداب جامعة عين شمس نمطاً متميزاً، ومختلفاً عن كثير من الأساتذة والمثقفين، فهو وفيّ لعقيدته الإسلامية منافح عنها بما يستطيع، وهو دارس متعمق للثقافة العربية والغربية في آن، فقد درس في الأزهر وجامعة القاهرة، وتصدر زملاءه بالتفوق والأولوية، وواصل دراسته في إنجلترا وتعرف على أدبها وآداب الغرب بعامة، في لغاتها الأصلية، حيث يجيد الإنجليزية والفرنسية بطلاقة. ثم هو بعد ذلك إنسان يتخلق بأخلاق الإسلام في التسامح والتواضع وحسن العشرة، والتعاطف مع الضعفاء والفقراء والمحتاجين، ثم إنه بعد ذلك وقبله لا يكف عن القراءة والكتابة ومتابعة ما يجري حوله من قضايا الفكر والثقافة الأدب، والمعرفة عموما، فامتلك وعيا ناضجا بالتراث، ومستجدات الحياة في تفاصيلها المختلفة.

مثله لا ترحب به الحياة الثقافية الهشة الفاسدة التي تحكم حياتنا العربية المعاصرة، ولذا كان التعتيم عليه جزاء تفوقه ونضجه ومعتقده، فلا يهتم به الإعلام، ولا تدعوه الثقافة الرسمية، ولا تنشر له شيئًا من كتبه التي قاربت الخمسين بعد المائة، وهي كتب أصيلة يعد كثير منها مرجعاً في بابه، فضلاً عن رفض متصدّري المشهد الثقافي لأسلوبه النقدي الذي يصارح ولا يخافت، ويقول الحقيقة التي لا يقبلها أشباه الأدباء وأنصاف الموهوبين، وكتّاب الحظيرة، وأدباء السبّوبة، لأنه يكشف هزالهم وخواءهم، ويدحض أفكارهم النيئة، ويوضح تهافتهم الفكري والفني، ومما يزيد حنق القوم أنه يقول رأيه أحياناً في إطار من السخرية أو الفكاهة، مما يفقدهم صوابهم، حيث تعودوا على المديح ودقّ الطبول في مجال الدعاية لإنتاجهم الكتابي الرديء!

لم يعدم عوض محبيه في مشارق الأرض ومغاربها، فجاء أحدهم من الأردن الشقيق، وهو أ. محمد عوض هلال الشرعة، ليقدّم عنه كتاباً محبّاً يتناوله بالود والتقدير، في كتاب يقرب من مائتي صفحة سماه «على ضفاف النيل: رحلة في عالم إبراهيم عوض الأدبي والفكري»، وصدر عن مكتبة الشيخ أحمد بالعباسية- القاهرة، (1443هـ/ 2022م)، فاستحق الشرعة الشكر والثناء على جهده وحبه معاً.

والكتاب يتكون من مقدمة وخاتمة بينهما عشرة فصول، هي: بطاقة شخصية، ود. إبراهيم عوض بين القراءة والكتابة، وجهوده في الترجمة، وعالم القصص والروايات في دراساته، وشخصيات في فكره، والردود والانتقادات، والمستشرقون وأهل الفن، وما كتب عنه، ومتفرقات، وجولة في مؤلفاته.

يشير المؤلف المحب إلى أنه لم يلتق بالدكتور إبراهيم عوض وجهاً لوجه (التقي به أخيراً بعد صدور الكتاب)، ولكنه أحبه من نتاجه، وعرف أنه عالم لا يشقّ له غبار، ولا يزكيه على الله، وهو يتكلم معه باستمرار عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي أتاحت للناس فرصة التعارف والتفاهم والتحاور بيسر وسهولة، ويورد الشرعة تسمية د. جابر قميحة رحمه الله لإبراهيم عوض بحائط "الصد الإسلامي"، ويختصر وصفه بالرجل الطيب من مصر، ويورد في سياق ترجمته مواقف عن فهمه المضيء للقرآن الكريم والسُّنة النبوية الشريفة، ويشير إلى أنه بقي متمسكاً بدينه مدافعاً عنه مع أنه خالط المستشرقين، وعاش في بلد شبه متحلل، وفيه من الإغراءات ما فيه، كما بقي متمسكاً بلغته ولم يتجه نحو العامية أو الرطانة.

يتحدث الكتاب عن قراءات د. عوض ومطالعاته التي لا تتوقف لدرجة أنه –على سبيل المثال- قلّب مكتبة جامعة قطر بقسميها العربي والأجنبي بحثاً عن كتاب يفيده بشيء عن محمد أسد، وهل هو كاتب "الطريق إلى مكة" أو غيره، ويرصد الكتاب عدداً هائلاً من الكتب والموسوعات والمصادر والمراجع التي طالعها د. عوض، واستغرقت

صفحات ليست بالقليلة.

ويشير إلى أنه في مجال الكتابة يستنفد جهده فيما يؤلف ويستفرغ الوسع، وخاصة في الردود، إذ قد يكون الباحث خاطئاً أو لا يأتي بالموضوع من أطرافه كافة.

وقد ترجم عدداً كبيراً من الأعمال الأجنبية التي تتعلق موضوعاتها بالإسلام، خدمة للدين الحنيف، ودفاعاً عنه أمام من يستثمرون الشبهات في تشويه الإسلام بغير فهم أو عن سوء قصد، ومن خلال الترجمة يصحح ترجمات أخرى غير دقيقة، وينتقدها بوعي، حيث يقدم البديل الدقيق، كما فعل مع بعض الترجمات لجاك بيرك في ترجمة "معاني القرآن الكريم"، ومحمد مندور في ترجمته رواية "مدام بوفاري" لجوستاف فلوبير، أيضاً يشيد بترجمات جيدة كما فعل مع محمد حسين هيكل في تعريبه لمقالات بعض المستشرقين.

أما جهوده في مجال نقد القصص والروايات فهي كثيرة، وقد تناول عدداً ضخماً من القصص والروايات سواء في دراسات الأكاديمية أو مؤلفاته العامة التي تعتمد على الإنصاف وأسس النقد العلمي، ويعد من القلائل الذين جهروا برأيهم في الأعمال الأدبية والفكرية، المتواضعة أو الرديئة، التي تلح عليها الآلة الإعلامية وتروج لها ولأصحابها، مثل أعمال: جمال الغيطاني، ويوسف القعيد، وبهاء طاهر، ويوسف زيدان، وسلوى بكر، وإبراهيم الكوني، والطاهر وطار، وعبدالرحمن منيف، وعبده خال، وعلاء الدين الأسواني.

حفلت مؤلفات د. عوض بمئات الأسماء للمشاهير والمستشرقين، حيث ناقش أفكارهم ورؤاهم وإنتاجهم الفكري والأدبي والثقافي بصفة عامة، مناقشة علمية جادة استغرقت وقتاً وجهداً وتحليلاً وتمحيصاً، فرفع عن الأمة النائمة واجب الدفاع عن عقيدتها وثقافتها ولغتها وتراثها.

لقد امتلكت النخبة المتصدرة للمشهد الثقافي وخاصة في العقود الأخيرة وسائط التعبير والهيمنة على الحياة الفكرية وفرض رؤيتها وتصوراتها، دون أن يتاح لغيرها فرصة الرد أو الحوار! بيد أن د. عوض وسط النوم العميق والغياب العملي لمن يمثلون ثقافة الأمة، استطاع أن يواجه خصوم الإسلام واللغة والحرية بقدر طاقته، وتحمل طبع كتبه على حسابه الشخصي، بعد أن غلقت الأبواب، واقتصر النشر والتعبير للنخبة التي تولي وجهها قِبل الغرب وثقافته، وليس علمه ومبتكراته.

تحمل مؤلفات د. عوض تنوّعاً ملحوظاً تكشف عنه عناوينها، وتمنيت أن أسجلها جميعاً هنا، وأكتفي بذكر بعضها:

الترجمة من الإنجليزية: منهج جديد 1984، المستشرقون والقرآن 1984، فصول من النقد القصصي 1985، في الشعر الأندلسي: تحليل وتذوق 1987، سورة النجم: دراسة أسلوبية بلاغية مضمونية 1994، جمال الدين الأفغاني: مراسلات ووثائق لم تنشر من قبل 1996، محمد حسين هيكل أديباً وناقداً ومفكراً إسلامياً 1998، دائرة المعارف الإسلامية الاستشراقية: أضاليل وأباطيل 1998، اليسار الإسلامي وتطاولاته المفضوحة على الله والرسول والصحابة 2000، ترجمة جاك بيرك للقرآن الكريم بين المادحين والقادحين 2000، ست روايات مصرية مثيرة للجدل 2011، موسم الهجوم على الإسلام والمسلمين مع قسمة الغرماء ليوسف القعيد وتيس عزازيل في مكة للأب يوتا 2012، تاريخ الأدب العربي: العصر العباسي 2017، النقد الثقافي في كتابات نقادنا القدماء مع دراسة عن نسق الفحل عند د. الغذامي 2020، دراسات في الأدب المصري الحديث2021..

إن د. إبراهيم عوض نموذج للكاتب والباحث والمفكر المسلم الواعي الناضج، الذي يبذل جهده ووقته وماله دفاعاً عن قيم الأمة المضيئة، ولم يثنه فساد الواقع الثقافي عن الإصرار والمثابرة والمصابرة في توصيل كلمته التي يؤمن بها إلى الجمهور، علّ الله يهيئ لهذه الأمة من المفكرين والكتَّاب والأدباء من يأخذ بيدها إلى الفهم الصحيح والوعي السليم لصناعة المستقبل الطيب بإذن الله تعالى.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق