«الزهرة والجنزير» لمحمد سلماوى.. ضد المنطق واللغة والأدب والفن!

13/08/2022 07:23

بقلم أ.د. إبراهيم عوض

ظهـرت مسرحية «الزهرة والجنزير» فى سلسلة «المسرح العربى»، التى تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1996م. وهى تقع فى نحو ثمانين صفحة، ومـوضـوعـهـا الإرهـاب الذى يرتدى ثـوب الدین.

وخلاصتها أنَّ شابا اسمه محمد ويبلغ من العمر خمسة وعشرين عاماً يتخفى فى زى المحجبات ويصحب امرأة أرملة فى الخمسين من عمرها، اسمها زهرة، إلى بيتها بوصفه إحدى زميلات ابنتها الكبرى أيام الكلية، تلك الابنة الموجودة الآن مع زوجها فى السعودية. وفى البيت تفاجأ زهرة عندما تخلع المحجبة ملابسها أنها أمام شابٍ ملتحٍ يخبرها أنه قد أتى البيت ليؤدى مهمة ناطَتْها به جماعة دينية يريد الانضمام إليها، ألا وهى اتخاذها وسائر أفراد أسـرتـهـا رهائن لمفـاداة أحـد أفراد هذه الجماعة الموجودة فى السجن بهم.

ثم يتضح بعد ذلك أن هذه الجماعة ليست إلا عصابة من المجرمين لا علاقة لها بالدين استغلّتْ حماسة محمد وجهله وأوهمته أنه بتنفيذ ما كلفته به إنما يؤدى مهمة دينية يتقرب بها إلى الله سبحانه. ومع ذلك يستمر محمد فى وهمه الأول لا يريد الاقتناع بما انكشف من أمر تلك العصابة وينتهى الأمر باقتحام قوات الشرطة الشقّةَ، التى كانت تحاصرها طوال الأيام الأربعة التى كان محمد يحتجز أثناءها زهرة وأسرتها، وسقوطه قتيلا من جراء الرصاص الذى أطلقته الشرطة عليه.

وأول شىء ثار فى ذهنى وأثار عجبى واستغرابى هو كيف استطاع محمد أن يفهم زهرة عندما قابلها فى الحافلة التى كانت تستقلها فى طريق عودتها من عملها إلى المنزل أنه كان زميلة دراسة لابنتها الموجودة فى السعودية؟ إنه لأمر غير منطقى تماماً، وذلك لأكثر من سبب: فهو رجل، فكيف استطاع أن يوهم زهرة بأنه فتاة؟ بل كيف عرف أنَّ لها ابنة تخرجت من الجامعة منذ وقت قريب وهو الذى اتضح بعد ذلك أنه لم يكن يعرف شيئا عن زهرة: لا اسمها ولا اسم زوجها ولا وظيفتها... إلخ؟ (ص/ ۱۹- ۲۰). وكيف اطمأنت زهرة إلى فتاة منقبة قابلتها عَرَضاً فى الحافلة فأخذتها للتوّ معها إلى البيت؟ بل لــِمَ اصطحبتها أصلاً إلى المنزل ما دامت ابنتها التى كانت زميلة سابقة لهذه الفتاة غير موجودة فى البيت ولا فى القاهرة بل ولا فى مصر كلها؟ ليس ذلك فحسب فإن الفتاة المحجَّبة بعد أن وصلت هى وزهرة إلى المنزل لم تكن تجيب أو تعلّق بشىء على الملاحظات والأسئلة المتلاحقة التى كانت توجهها إليها، مما أثار دهشة زهرة وتعجبها. وهو ما يدل على أن هذه الفتاة كانت معتصمة أيضاً بالصمت فى الحافلة طوال الطريق، إذ ليس من المعقول أن تتكلم فى الحافلة حيث يحيط بهما جموع الركاب وتسكت فى المنزل ولم يكن معهما أحد. ومن هنا نجد أنفسنا أمام السؤال الذى ابتدأنا به هذه السلسلة من التساؤلات المحيرة: كيف إذن استطاع محمد أن يُفْهِم زهرة عندما قابلها عَرَضا فى الحافلة التى كانت تستقلها فى طريق عـودتـهـا من المنزل أنه كـان زمـيلة دراسة لابنتها الموجودة فى السعودية مع زوجها؟ كيف تخلت زهرة عن غريزة المرأة فلم تستطع أن تشعر أن الشخـص المرافـق لها إنما هو رجل لا امرأة ؟ إن هذه النقطة هى أساس المسرحية، وبانهيارها ينهار العمل كله. وقد كان يكفى ما قلناه كى نحكم عليه بأنه عمل فاسد متهافت لا يصلح، بيد أن هناك عيوباً أخرى كثيرة، وكلها قاتل: فمثلاً تَذْكُر المسرحية أن محمدا كان يُخَبّئ فى ملابس المحجبات التى كان يرتديها عدداً من الجنازير استخدم أحدها فى تقييد زهرة وربَطْها بكرسى من كراسى البيت، فكیف يا تری اتسعت ملابس التخفى التى كـان يرتديهـا لهـذه الجنازير كلهـا؟ وكيف لم تصلصل طوال الطريق؟ بل كيف لم تصلصل عندما خلع هذه الملابس وألقاها بعصبية على الأرض (ص/ 20، 40).

كذلك ففى الوقت الذى كان فيه محمد حريصاً على ألا يجيب على أى سؤال توجهه إليه زهرة عن الجماعة التى كلَّفَتْه باحتجازها هى وأفراد أسرتها والهدف من وراء ذلك بحجة أن هذا من أسرار الجماعة التى لا يجوز الخوض فيها أو إفشاؤها، نجده أولاً يكشف وجهه عندما خلع ملابس المحجبات، وقد كان يستطيع أن يَبْقَى على الأقل بالنقـاب إن لم يكن بالملابس كلهـا لـكيـلا يكشف وجـهـه لزهرة، حتى إذا ما اضطُرَّ للهرب لم تستطع أن تتعرف عليه. ونجده ثانيا يذكر لها اسمه واسم الشخص الذى كان يوجهه من خلال الهاتف. بل هذا الشخص عندما اتصل هاتفيا بمحمد وردّت عليه زهرة ذكر لها اسم محمد كاملاً وطلب منها أن تناديه، مع أنه كان يكفى تماماً أن يقول لها: "أعطينى الشاب الذى كان يكلمنى من عندكم قبل قليل". ونجد محمدا ثالثاً يشرح لزهرة طريقة الانضمام إلى الجماعة. وكل هذا دونما أدنى داع، وبخاصة أنه قد تكرر وصمه لها هى وأفراد أسرتها بل والمجتمع كله بالكفر والإلحاد. فلماذا إذن يُطْلِع هؤلاء الأعداء على تلك الأسرار؟ ثم هل من المعقول أن يبقى محمد طوال أيام احتجازه للأسرة أكثر من ثلاثة أيام بلياليها لا ينام أو حتى يغفو أو يرنّق فى عينه الوَسَن؟ بل هل من المعـقـول أنه لم يَحْتَجْ إلى أن يقضى حاجته كل هذا الوقت؟ إن مثل هذا الشخص لا يمكن أن يكون بشرا، بل لا بد أن يكون من طائفـة السـوبـرمـان! إن الطبيعى تماماً أن يهزم النوم محمداً بعد أربع وعشرين ساعة مثلا، وعندئذ كان بمستطاع أفراد الأسرة أن يجرّدوه من المسدس الذى كان يهددهم ويخضعهم به. ولكن المؤلف لم يُعَنِّ نفسه بمثل هذه الأشياء التى لا بد أنه قد رآها تافهة لا تستحق أن يفكر فيها أو يلتفت إليها. بل إنه عندما عقد النوم أخيرا أجفان محمد فى اليوم الرابع وهو جالس على الكرسى فى بهو المنزل لم يفكر واحد من الأسرة، وفيهم شاب فى عمر محمد، فى انتزاعه منه، بل كانوا حريصين جميعاً تمام الحرص على راحته وعدم إقلاقه، إلى أن قام من نومه براحته فشهر فيهم مسدسه كرة أخرى وهددهم بإطلاقه عليهم إن صدرت منهم أية حركة (ص/ 68-70). بالله أليس هؤلاء الناس معاتيه يستحقون ما يجرى عليهم؟ لقد كنا نقرأ أن الجندى من جنود التتار الذين اكتسحوا بغداد فى القرن السابع الهجرى كان يأتى إلى مجموعة المسلمين فيقول لهم: انتظروا حتى أذهب فآتى بسيفى لأقتلكم، وإياكم أن تتحركوا. ثم يذهب ويغيب ما شاء الله له أن يغيب، ثم يعود ومعه سيفه فيجدهم فى انتظاره فى المكان الذى تركهم فيه فيقتلهم كما أخبرهم. كنا نقرأ هذا ونقول إنه من مبالغات الرواة، ولكن ها هو ذا المؤلف قد بذّ أولئك الرواة فى تلك الأخيلة السخيفة البلهاء. إننى لا أصدق ما يقع أمام عينى بل لا أصـدق نفسى وأحسبنى فى كابوس سخيف لا معنى له ولا منطق يسير عليه. ليس ذلك فحسب بل كان محمد طوال مدة الاحتجاز يؤاكل أفراد الأسرة ويدردش معهم ويترك كلاً منهم يتحرك بملء حريته فى الشقة وتذهب الأم إلى المطبخ وتعد الطعام لهم وتأتيهـم به وتأخذ رأيهـم فيـه، وكأنه لا احتجاز ولا مسـدس ولا يحزنون! بل ولا يفكر أحد منهم أن يفتح باب الشقة ويجرى ناجياً بحياته من خطر القتل الذى يحوّم فوق رؤوسهم! والعجيب أنهم مع ذلك كانوا دائمى التذمر من حبسهم فى البيت. وأغرق من ذلك فى الغباء والبلاهة من جانب أفراد أسرة زهرة عندما يرن الهاتف ويتصل بمحمدٍ أميـرهُ مصطفى ليعطيـه التوجيهات الأخيرة الخاصة بقتلهم واحدا بعد واحد للضغط على المسؤولين الشرطة كى يطلقوا سراح زميلهم المسجون تجد أنهم يسمعون ولا يحاولون أو يبالون أن يسمعوا شيئاً يدور من حديث عبر الهاتف يتعلق بمصيرهم مع أنهم كانوا متحلقين حول محمد أو على الأقل لا يبعدون عنه إلا أمتارا معدودة. بل إن ياسمين ابنة زهرة تأتيه عقب ذلك حاملة الفَطُور (ص 74-75)! يا سلام! ثم إنهم يعودون بعد ذلك إلى التعبير عن ضيقهم من احتجاز محمد لهم يا سلام مرة أخرى!

هذا وكأن البلاهة التى رأيناها فى تصرفات أفراد أسرة زهرة لا تكفى إذ نسمع هذه السيدة، فى معمعان حبس محمد وتهديده لهم وحصار الشرطة للبيت والشقة، تقول له حين يخبرها أن موضوع احتجازه إياهم سينتهى فى ذلك اليوم وأنه سيبدأ بعد ذلك حياة جديدة بعد أن ينضم إلى الجماعـة: "ربنا معاك" (ص/ 70)، مع أنها كانت دائمة التبكيت له والتشنيع على ما يفعله من حبس وترويع لهم باسم الدين. وحينمـا تَذْكُر لها ابنتها أنها قضت شطرا من الليل مع محمد يتحدثان فى الوقت الذى كان فيه سائر أفراد الأسرة نائمين وأنها اكتشفت "إنه فى داخله إنسان كويس" ترد عليها قائلة: "أنا عارفة يا بنتى. لكن للأسف موش هو ده اللى ينفعك" (ص/ ٦٨-69). وعبثا يتساءل القارئ والمشاهد: "إحنا فى إيه واللا فى إيه؟". بل هل يُعْقَل أصْلاً أن تفكر فتاة متعلمة فى الزواج من شاب غير متعلم لم تَرَ منه إلا انغلاق الذهن والغباء فى فهم الدين والسلوك الإرهابى وتهديده لحياتها هى وأمها وأخيها وجدّها؟ يعنى: ليس فيه أى شىء مما يجذب الفتاة إلى الفتى.

ومن قبلُ فى بداية المسرحية حين تكتشف الأم أن الفـتـاة المنقبة ليست إلا أحد الإرهابيين، وحين يصوّب إليها هذا الإرهابى المسدس مهددا إياها بأنه سيطلق الرصاص عليها فى الحال إن هى أنت بأية حركة، يكون كل ما تفكر فيه هو أن تبحث عن الزهور البيضاء التى كانت فى صدرها وسقطت منها فى الهرج والمرج الذى عقب خَلْعَ محمد ما كان يرتديه من ملابس المحجبات. ومـرة أخـرى نتساءل "إحنا فى إيه واللا فى أيه؟". وبالمناسبة، فإن الزهور فى المسرحية، كما هو بيّن، ترمز إلى السلام. لكن أين هذا السلام المفروض أنه يسود بيت زهرة إذا كان

ابنها من الشمـامين مدمنى الـهـيـروين والكوكايين ووقحا سافـلا؟ بل إنها تساعده على ذلك، إذ حين أتته النوبة بعد احتجاز محمد لهم أربعة أيام تَضْرَع الأم للشاب الإرهابى أن يتركها تخرج حتى تحضر لابنها شمة كوكايين حتى يعبر النوبة بسلام! وحجتها أنه لا يستطيع أن يكفّ عنه مرة واحدة، وإلّا هلك (ص/ ٨٤ - ٨٥).

ومن المضحك فى المسرحية أيضاً لعدم معقوليته أن محمدا يسد أذنيه حينما يسمع صوت أم كلثوم آتيا من مذياع الجيران عبر الـــمَنْوَر وهى تغنى رائعتها "مصر التى فى خاطری وفى فمی"، قائلاً إن صوت المرأة عورة (ص/ 71). ولا أدرى كيف سدّ أذنيه وفى إحدى يديه اللتين سدّ بهما الأذنين مسدس. كما لا أدرى كيف واتت الجيرانَ نفوسُهم ليفتحوا المذياع فى هذا الجو الذى يحوم فيـه شبح الموت داخل شقة جيرانهم ويحيط رجال الشرطة بها من الخارج. ثم إننى لا أدرى أيضاً للمرة الرابعة كيف يسدّ محمد أذنيه حين سماع صوت أم كلثوم على حين أنه كـان طوال الأيام الأربعـة دائم الحـديث مع زهرة وابنتها، بل وانفرد بهذه الابنة شطرا من الليل يتحادثان ويتناقشان حتى وقعت أو كادت فى غرامه ولـمّحت لأمها برغبتها فى الزواج منه كما أشرنا منذ قليل. ومن التناقضات أيضا فى شخصية محمد أنه فى الوقت الذى يَعْنُف فيه بالسيدة زهرة ويهينها ويحتقرها ويكفّرها هى وأسرتها والمجتمع كله ويشهر فى وجهها المسدس ويهددها بإطلاق الرصاص عليها إن لم تَنْصَعْ لما يريد مـنهـا نـراه عنـدما يناديهـا يقـول لها: "يا هانم" (ص/ ٢٤) أو "يا زهرة هانم" ( ص٤٤) أو "يا ست انت" (ص/ 35) بدلاً من : "يا وليّة" مثلا.

أما العجوز أمين فرغم ما قالته عنه ابنته زهرة من أنه أعمى وثقيل السمع نراه أحيانا يسمع كل شىء ويعلق عليه، وأحيانا أخرى لا يفقه ما يدور حوله أو يسمع شيئا. والعجيب أن تقول عنه إن "عقله كـمـان ابتـدا يخف" (ص / ١٤)، مع أنه يستطيع استرجاع ذكرياته منذ العشرينات والمقارنة بين جهـاده الوطنى فى شبابه وما يفعله محمد أو يأتيه حفيده الشمام مقارنةً تنمّ عن صفاء عقل ومقدرة كبيرة على التحليل (ص/33، 82 إلى آخر المسرحية).

وفضلاً عن ذلك كله فهناك عدة أخطاء فيما يتعلق ببعض الأمور فى السعودية، إذ تقـول زهرة للفتاة المنتقبة (أى الشاب الإرهابى قبل أن تكتشف حقيقته): "تصوری نرجس بتحكى لى أن فى السعودية لما الستات يكونوا فى مكان عام يشربوا من فـوق القـمـاش ده (تقـصـد النقاب) علشان ما يرفـعـوهوش عن وشّهم" (ص / ۱۳) فمن الواضح أن المؤلف إمـا لا يعرف شيئا عن السعودية أو أراد الإساءة إلى النساء السعوديات، إذ إنهن عندما يحتجن إلى تناول الطعام أو الشراب فى حديقة عامة مثلا وهن منقبات فإنهن يرفعن النقاب قليلاً ويتناولن ما يردن تناوله من تحته. كـذلك فات المؤلف أن السعودية لا تعرف المكالمات الهاتفية من "السنترال" حـكايةَ المـدَّة التـى نعـرفـهـا فـى مـصر (ص/ 55)، بل كل ما هنالك أن المتحدث فى الهاتف يظل يتكلم إلى أن يتوقف من تلقاء نفسه، وتتم محاسبته بقدر ما استهلك من زمن فى المكالمة طال ذلك الزمن أو قصر. وهو أمر يقوم به الحاسوب.

وفى المشهد الثالث من الجزء الأول من المسرحية ينقلب الأمر إلى تنكيت بدائى سخيف يقوم به أحمد ابن زهرة من مثل قوله عن نفسه: "الظاهر تّقِّلْت فى العيار شوية. واللا يمكن التذكرة اللى خدّتها النهارده من الواد سندس مضروبة واللا يمكن ده حلم. (يقرص ذراعه ) لا والله ده علم" (ص/ 38) ، أو "اسكت يا جِدّى دا النوع الجديد اللى انا واخده النهارده عامل شغل جامد قوی... تصور تصور یا جِدّی. مش حا تصدق. لو قلت لك اللى انا شايفه موش حا تصدق. قال إيه زى ما يكون واحد إرهابى اقتحم عليكم الشقة. آه والله. إرهابى من بتوع الجـمـاعـات. لابس جلابية من بتاعتهم وماسك فى إيده مسدس..."، أو "با قول لكم فيه واحد إرهايى هنا من إياهم. (محمد) تعال کده معايا علشان الراجل ده (يقصـد جـده الأعمى) يجس المسدس اللى معاك أحسن ما بيشوفش"... إلى آخر هذا الهراء الذى شبعنا منه فى مناظر السكر المفتعلة فى الأفلام المصرية القديمة.

ومن هذا الهَزْل الممجوج قول أحمد بلهجة سودانية (ولست أستطيع أن أفهم سرّ ذِكْر السودان هنا، فليس فى المسرحية من أولها إلى آخرها أى شىء يتصل بالسودان من قريب أو بعيـد): "فاكر يا أوسمان [يقصد: يا عثمان] لما كنا فى أوسوان؟ لا موش فاكر" (ص/ 53). إن "خفة الدم" فى مثل هذا المواقف ينبغى أن تكون محسوبة جيّدا. ومثل ذلك قول أحمد لأخته نرجس عند اتصالها بهم من السعودية: "باقول لك إيه؟ انت لسة لابسة القـصـرية اللى فـوق دمـاغك دى ؟" (ص/ ٥٥). ترى هل يُعْقَل أن يهبط الكلام فى مسرحية إلى هذا المستوى؟

ولست أدرى هل المصادفة وحدها هى المسؤولة عن اختيار الأسماء التالية: "محمد وأحمد ومصطفى" لمن أُطلقت عليهم من شخصيات القصة أو ماذا. ذلك أنها بعض أسماء رسول اللهﷺ وألقابه، فكان ينبغى تنزيهها عن استعمالها فى عمل مسرحى يعالج قضيتى الإرهاب والإدمان لأشخاص مُبْتَلَين بهذين اللونين من الانحـراف: فــــ "أحـمـد" (ابن زهرة) شمّام، و "محمد" و "مصطفی" مجرمان إرهابيـان. لقد كان رسولنا أشـدّ الخلق جـمـيـعاً كـراهـيـة لكل ضـروب المسكرات والمغَيِّبات، فدينه هو الصحو العقلى والنفسى، كما أنه عليه السلام قد حرَّم وجرَّم ترويع الآمنين وإرهابهم ما داموا لم يجترحوا جرماً فى حق أحد. وحتى لو حدث أن خرج بعض الناس على المجتمع وتمرّدوا على السلطة فإن الحكومة والقانون هما المسؤولان عن محاكمتهم وعقابهم لا الأفراد بصفتهم الشخصية. فكيف تضيق الدنيا إذن عن اختيار أسماء أخرى لهؤلاء الأشخاص الثلاثة فى المسرحية غير الأسماء والألقاب الخاصة بالنبى عليه السلام؟ يا حبذا لو غيّر الأستـاذ سلماوى هذه الأسماء فى الطبعة التالية، عـمـلاً على الأقل بالأثر القـائـل: "دع مـا يريبـك إلى ما لا يربيك".

وما دمنا بصدد الحديث عن الإرهاب والإرهابيين فلا بد من القول بأن المسرحية قد عجزت عن تحليل نفسية الإرهابى وتصـويره التصوير المقنع، فقد رأينا له صورة جاهزة جامدة منذ بداية العمل إلى آخره بحيث لم نشهد مثلاً أى صراع البتة بين واجبه نحو التنظيم الذى يسعى إلى الانضمام إليه والأهداف التى كلّفه هذا التنظيم بتنفيذها وبين ما كان ينبغى أن يثور فى نفسه من عواطف طيبة تجاه السيدة زهرة وابنتها، اللتين لم ير منهما إلا كل ترحيب ورقة بل نراه مـصـراً طوال الوقت على عدم الاستماع إليهما واتهام الجميع بالانحلال والكفر. كـمـا تخلو المسرحية من أية مناقشة مثمـرة حـول الـتـمـرد على المجتمع بهذه الصـورة واتخاذ الإرهاب سبيلاً لتغييره بدلاً من الحوار والموعظة الحسنة.

وحتى الحوار يخلو من ذلك التوتر الذى كان لا بد أن يسود الجوّ فى بيت زهرة. إنه حوار عادىّ بل فاتر لا يستطيع أن يشد القارئ أو المشاهد، بل إنه ليهبط فى غير قليل من الأحيان إلى الهزل الممجوج على لسان أحمد كما شاهدنا. وأخيرا فإننى لا أستطيع أن أجد أية صلة بين انحراف أحمد (ابن زهرة) وإشارة جده إلى الفلاحين والخدم فى قوله تعقيبا على ذلك الانحراف: "أعوذ بالله! البلد جرى فيها إيه؟ ما عادش فيه لا قيم ولا مبادئ. ده انا ما كنـتـش اقدر ارفع عينـی فی وش ابويا... دلوقت الأولاد بيـهـجـمـوا على والديهـم وعـايزين يقتلوهم(). إيه اللى حصل فى الدنيا؟ الفلاحين بيفتحّوا فى الأعيان، والشغّالين بيردوا على أصحاب البـيـوت، وما حدّش عارف مكانه خلاص" (ص/ 33). إن المسرحية بهذا الشكل تبدو وكأنها تنحاز إلى طبقة السادة القديمة التى عَفَاها الزمن ضدّ العبيد من فلاحين وخدم، أولئك العبيـد الذين ينبغى فى نظر المسرحية ألا يرفعوا أصواتهم ولا أعينهم فى حضرة أسيادهم. ذلك أنهم مجرد فلاحين حقراء وخدم منحطّين ينبغى أن يلزموا حدودهم لا يتعدَّوْنها. وما هكذا يُحَارَب الإرهاب. بل إن هذه الأفكار من شأنها، على العكس من ذلك، أن تُحْفِز النفوس وتدفعها إلى التـمـرُّد، إذ من ذا الذى يرضى فى هذا العـصـر، عـصـر الحـرية والكرامة، أن يقال له: "أنت عبد حقير، فإياك أن تشرئبّ لك عنق أو يخرج من فمك حسّ. خرسيس أدب سيس"؟ ثم إن هذه ليست القضية التى تتناولها المسرحية، بل هى موضوع دخيل عليها تماما. على أية حال هذه أفكار رجعية أكل عليها الدهر وشرب، ويجب ألا تطل برأسها بعد ذلك.

كذلك كنت أحب لو خلت الإشارات المسـرحـيـة فى هذا العمل من الأخطاء الَّلغوية، مثل: "الـفـتـاة تخلع نقـابهـا بسـرعـة فنجـد شـاب" (وصـحـتـهـا "شـابا"/ ص ١٤)، و "أكياس المشتروات" (بدل "المشتريات"/ ص 23. وقد كتبها المؤلف صحيحة/ ص ٤٢)، و "الجميع قد آووا للفراش" (وصـوابـهـا "أَوَوْا"/ ص 6٠) ، و "محمـد جالس على الكنبـة وقد غالبه النوم. رأسه سقط على كتفه" (بدلا من "غلبه النوم"/ ص 68)، و "تدخل ياسـمـيـن مـرتدية بنطلونا أبيض و "تی شيرت"، ملوّن مكتوب عليه I Love Egypt" (ملونا مكتـوبا عليه.../ نفس الصفحة)، و "محمـد وياسمين ينظران إلى بعضهما البعض وكل منهم فى جانب من المسرح" ( كل منهما/ ص ٨٤).

والآن كل مـا نرجـوه أن يضع المؤلف هذه الملاحظات نُصْبَ عينه عند إعادة طبع مسرحيته إذا اقتنع بها، ونرجو له التوفيق فى أعماله القادمة. وقد كان توفيق الحكيم، وهو من هو فى الكتابة المسـرحـيـة، ضعيف المسـتـوى الفنى فى نتاجه الأول، ثم استحصدت موهبته وقويت مِرّتّه مع الزمن، وذلك بفضل رغبته فى الاتقان والتفوق وعمله على الإفادة مما يكتبه النقاد عنه.

 

 

* أ.د. إبراهيم عوض.. أستاذ النقد الأدبي والحاصل على الدكتوراه من جامعة أكسفورد



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق