الأكاديمي والناقد الأدبي إبراهيم عوض..يكتب: عرض ومناقشة لـ"السلطان الحائر" لتوفيق الحكيم

30/06/2022 07:12


د. إبراهيم عوض

توفيق الحكيم كاتب خصب الإنتاج متنوّعُه، فقد كتب تسع روايات أشهرها "عودة الروح" و "يوميات نائب فى الأرياف" و "عُصفور من الشرق" و "الرباط المقدس". كما اشترك مع د. طه حسين فى تأليف رواية "القصر المسحور" سنة ١٩٣٦م. وله عمل أدبى يجمع بين الرواية فى بعض فصوله والمسرحية فى فصـوله الأخـرى، وهو "بنك القلق"، الذى نـَحَتَ له اسم "مَسْرِوايَة" (من كلمتى "مسرحية" و "رواية"). كذلك فله عدد غير قليل من القصص القصيرة، وكمّ هائل من المقالات جُمِع فى كُتُب مثـل "تحت شمـس الفكر" و "فن الأدب" و "مـن الـبرج العاجىّ" و "رحلـة بيـن عصـريـن"  و "ثورة الشباب"  و "تأملات فى السياسة" و "التعادليـة" و "عودة الوعى" و "ملامح داخلية" و "الأحاديث الأربعـة" (وهى الأحاديث التى يخاطب فيها ربه وأثارت عليه ثائرة بعض علماء الدين). وقد ترجم لنفسه فى كتابين من أهم كتب السيرة الذاتية وأكثرها إمتاعاً وفائدة هما "زهـرة العمـر" (وهو مجموعة من الرسائل كان قد كتبها بالفرنسية إلى صديقه أندريه أحد أبطال "عصفور من الشرق" ثم ترجمهـا ونشـرهـا فى هذا الكتاب)، و  "سجن العمر" (الذى يتناول مراحل الطفولة والصبا والشباب، على عكس "زهرة العمر"  الخاص بالفترة التى تلت عودته من فرنسا).

أما المسرحـيـات فللحكيم منها العشرات: منها الطويل والقصير، ومنها الفصيح والعامى، ومنها الذهنى والتاريخى والواقعى والرمزى والعبثى. وقد مُثِّل عدد كبير من هذه المسرحيات، بل إن بعضها تُرْجِم ومُثِّل على مسارح فرنسا، وإن لم تقتصر الترجمة على هذا البعض ولا على الفرنسية، فقد تُرْجِم للحكيم مسرحيات أخرى إلى الروسية والإنجليزية والإيطالية والإسبانية. كما تُرْجِمَتْ بعض رواياته إلى هذه اللغات وغيرها. ومن مسرحياته "أهل الكهف" و "شهر زاد" و "الملك أوديب" و "بيجماليون" و "سليمان الحكيـم" و "رحلة الغـد" و "مصيــر صـرصـار" و "الصفقة" و "الورطة" و "يا طالع الشجرة".

وبالنسبة لمسرحية "السلطان الحائر" فقد مُثِّلَتَ على المسرح القومى سنة ١٩٦٢م من إخراج فتوح نشاطى وتمثيل محمد الدفراوى (فى دور السلطان) وفاخر محمد فاخر (فى دور القاضى) وأحمد الجزيرى (فى دور الجلاد) ومحمد السبع (فى دور المتهم المحكوم عليه بالقتل) وعبد المنعم إبراهيم (فى دور المؤذن) وسميحة أيوب (فى دور الغانية).

وهذه المسرحية تقوم على أن أحد سلاطين المماليك قد نسى سيِّدُه، الذى كان هو أيضاً سلطانا، أن يعتقه قبل موته، فلما تولى هو بدوره السلطنة تذكر الناسُ ذلك الأمرَ وثارت مشكلة، إذ إن الرقيق لا تصح ولايته شرعاً. وصمم القاضى على أن يعرض السلطان فى مزاد ويوضع المال الذى سيباع به فى بيت مـال المسلمين ثم يُعْتَق بعد ذلك. وحينئذ، وحينئذ فقط، يمكن أن يتولى أمور السلطنة. وقد رسا المزاد على غـانـيـة أصرت على أن يقضى السلطان فى بيتها ليلة قبل أن تعتقه عند سماع أذان الفجر. وقد تبين السلطان فى تلك الليلة كم هى سيدة رقيقة وعطوفة وأنها ليست بالسوء الذى يشاع عنها. وكان هناك شخص قد صدر عليه حكم بالقتل لما كان يشيعه بين الناس من أن السلطان عبد رقيق ومِنْ ثَمَّ لا يجوز شرعاً أن يتـولى  أمور المسلمين، ولكنهم أَخْلَوْا سبيله عندما وصل الأمر إلى مسامع السلطان وتحقق من أن ما يقال عنه صحيح. وقد صمم القاضى، كما قلنا، على بيعه ثم إعتاقه أولا.

ويريد الحكيم من مسرحيته تلك أن يصور الصراع بين القوة والقانون: فقد كان بمستطاع السلطان أن يرفض مسألة البيع والمزاد ويخرس الألسنة بحدّ السيف ولكنه عندئذ كان سَيَسُنّ لغيره من المتطلعين إلى الحكم سُنّة القـفـز إلى كرسى السلطنة بنفس الوسيلة التى يمكن أن يكون هو أول ضحاياها. كما كان أمامه أيضا أن يخضع لمقتضيات القانون ويُصِيخ إلى صوت العقل والحكمة ضاربا بذلك المثلَ لكل من يأتى بعده أن ينحازوا إلى المبدإ والقانون ضد السيف والقوة الغشوم. والحكيم ينص على ذلك نصّاً فى مقدمة مسرحيته التى كتبها سنة 1959م أيام أن كان يمثل الجمهورية العربية المتحدة لدى منظمة اليونسكو بباريس.

ولهذه المسرحية أصل تاریخی؛ فشخصية القاضى تومى إلى العز بن عبد السلام وهو رجل من رجال القرنين السادس والسابع الهجريين عاصر الدولة الأيوبية وبعضا من سلاطين المماليك البحرية، ولم تكن تأخذه فى الحق لومة لائم أو خوف من تهديد أو طمع فى مال أو منصب. وقد ثبت عنده أن أمراء الدولة المملوكية كانوا رقيقا لم يُعْتَقوا فأصرَّ على أنه لا يصح لهم بيع أو شراء أو زواج، شأنهم فى ذلك شأن الرقيق المملوك. وبذلك تعطلت مصالحهم ولم يجدوا مناصاً من أن ينزلوا على حكمه ببيعهم فى مزاد علنى لصالح بيت المال ثم عِتْقهم بعد ذلك بطريق شرعی.

وأول شىء نجعله موضع ملاحظتنا فى هذه المسـرحـيـة أن الحكيم فى الإشارات المسرحية التى وضعها فى بدايتـهـا قـد اكتفى، وهو يحدد المكان الذى تجرى فيه أحداث العمل، بالقول بأنه "ساحة بالمدينة فى عصر المماليك" (ص/ ١١). ومعلوم أن العصر المملوكى قد استغرق عدة قرون كانت لسلاطين المماليك خلالها دولتان. فكان ينبغى على المؤلف أن يحدّد العامَ الذى دارت فيه وقائع المسرحية واسمَ المدينة التى حدثت فيها لا أن يترك الأمر هكذا غُفْلا. بل إنه ما من أحد من أبطال المسرحية قد سُمِّى باسمه، وإنما اكْتُفِىَ بتحديد عمله فقط: فهذا قاضٍ، وهذا جلاد، وهذه غانية... إلخ.

ثم ندخل بعد ذلك فى قلب المسرحية ذاتها. ويلفت انتباهنا بقـوةٍ خلوُّ بال المحكوم عليه بالإعدام، بل لا إخالنى مخطئا إذا قلت إنه كان مرحاً أيضاً لدرجـة القـدرة على مبادلة جلّاده القفشات، ذلك الجلاد الذى كان ينتظر أذان الفجر بفروغ صبر حتى يطيح برقبته وينصرف إلى داره ليحظى بقسط من النوم:

"المحكوم عليه: لا تنزعج. أغلقتُ فمی.

الجلاد: هذا خير ما تفعل. أن تغلق فمك وأن تتركنى أهنا بنومى. إنه من مصلحتك أن أستمتع بنوم هادئ هنىء.

المحكوم عليه: من مصلحتی؟

الجلاد: بالتأكيد من مصلحتك أن أكون فى راحة تامة وصحة جيدة جسما ونفسا، لأنى حين أكون متعبا ضيق الصدر متوتر الأعصاب فإن يدى تصاب بالرعشة، وعندما تصاب بالرعشة فإنى أؤدى عملى أداء سيئا.

المحكوم عليه: وما شأنى بعملك؟

الجلاد: يا أحمق! عملی متصل برقبتك. إن سوء الأداء معناه أن رقبتك لن تُقْطَع قطعا حسنا، لأن القطع الحسن يحتاج إلى يد ثابتة ونفس هادئة حتى يطاح الرأس بضربة واحدة لا تدع لك وقتا للإحساس بالألم. فهمت الآن؟

المحكوم عليه: حقا، هذا صحيح.

الجلاد: أرأيت واقتنعت؟ إنه من اللازم لك أن تهىء لى الراحة وأن تُدْخِل على قلبى البهجة وأن ترفع من روحى المعنوية.

المحكوم عليه: روحك المعنوية؟ أنت؟

الجلاد: بالطبع. لو كنت أنا فى مكانك...

المحكوم عليه: اللهم اسمع منه! ليتك كنت فى مكانى.

الجلاد: ماذا تقول؟

المحكوم عليه: استمر. ماذا كنت تفعل لو نلت الشرف والغبطة بأن تكون فى مكانى؟"  (ص/ ١٣ - ١٤).

وعندما يطلب منه الجلاد أن يشترى له قدحاً من النبيذ من الحانة القريبة يرد عليه قائلاً:

"عندى فكرة أظرف وألطف. فلنصعد معا أنا وأنت إلى تلك الجميلة . إنى أعرفها. فإذا صرنا إليها قضينا عندها ليلة رائعة لن تُحْسَب من العمر. ليلة تملأ قلبك بالبهجة والمرح وترفع روحك المعنوية. ما قولك؟" (ص/ ١٥).

ويستمر الحوار بينه وبين الجلاد على هذا النحو وكأنه ليس محكوما عليه ينتظر الإعدام بعد ساعة أو أقل بل شخصا جالسا فى خمّارة يطارح السكارى من أمثاله النكات والقفشات. ولا أظن من الجائز تسويغ هذا بأن المؤلف إنما يكتب ملهاة، لأن القضية التى تعالجها المسرحية لا تحتمل ذلك. بل إن الأمر سوف ينقلب بعد قليل جدّاً صِرْفاً لا هزل فيه، فضلاً عن أن كون العمل المسرحى ملهاوياً لا يسوّغ تجاهل الطبيعة البشرية وما يجيش فيها من مشاعر مرعبة فى مثل هذا الموقف العصيب، موقف من ينتظر أن يُعْدَم عندما يؤذن الفجر الذى يوشك أن يبزغ.

لا نكران أن الحكيم بارع براعة عظيمة فى إدارة دفة الحوار، لكن مما يؤسف له أن تراق هذه البراعة هدرا على مثل هذا الكلام الذى يفتقر إلى الفن الصحيح والذى لا يتسق مع سائر أحداث المسرحية وجوّها العام حتى ليشعر الناقد أنه مـُجْتَلَب ومقحم على العمل إقـحـامـا. وِمثْلُه الحوارُ بين المؤذن والجلاد (ص/٨٤ - ٨٥)، فهو مجرد تضييع وقت لا يؤدى إلى طائل ولا يطور شيئا فى المسرحية. وما دمنا بصدد الحوار الذى بين المحكوم عليه وجلاده فینبغی أن نفترص هذه الفرصة لنشير بإعجاب إلى نجاح المؤلف فى التشويق لمعرفة الجُرْم الذى ارتكبه ذلك المسكين فاستحق أن يـُحْكَم عليه بقطع رقبته بالسيف، إذ كلَّما أوما فى حديثه مع الجلاد إلى الذنب الذى جرَّ عليه ذلك البلاء قهره هذا على السكوت فيضطر إلى أن يقطع كلامه مبتلعا بقية الجملة. وقد تكرر هذا الأمر أكثر من مرة (ص/ ۱۲ – ۱۳، ۲۰، ٣٥). ومن الطبيعى أن يحرص أولو الأمر على كتمان السبب الذى حقَّ على ذلك الرجل من أجله الحكم بالإعدام، إذ كان نحاساً ويعرف مِنْ ثَمَّ حقيقة أمر السلطان وأنه لا يزال عبـداً رقـيـقاً لم يحصل على حريته، فأفلتت من فمه بعض الإشارات والعبارات. لكـن الإنسـان يتساءل: مادامت السلطات حريصة على كتمان هذا الأمر، وهو أمر طبيعى لأنه يسىء إلى السلطان ويهدد مركزه، فلماذا لم تقتله فى الخفاء حتى يموت السر معه بدلا من إعدامه فى مكان عام على مرأى ومسمع من الناس مما من شأنه أن يثير فضولهم ويدفعهم للبحث والتقصى عن جريمته ويعرفوا مِنْ ثَمَّ حقيقة أمر سلطانهم؟ أو على الأقل لماذا لم تسجنه وتُخْفِهِ بذلك عن الأنظار والأسماع وتُرِحْ نفسها؟

ثم لماذا تعيين أذان الفجر بالذات لتنفيذ حكم الإعدام فيه؟ (ص/ ١٢). إن المفروض، إذا كان لا بد من ذلك (وقد قلنا إنه مناقض للمنطق الذى تفكر به السلطات)، أن يكون بعـد صلاة الفجر لا عند الأذان، حتى يكون الناس قـد فـرغـوا من صلاتهم فيشهدوا إعدامه ليكون عبرة لمن يعتبر. لكن السؤال يعود ويطل برأسه صائحا: ما السبب الذى جعلهم يُبْقُون عليه حتى أذان الفجر ولا يقتلونه عقب إصدار الحكم عليـه؟

كذلك فليس من المعقول أن يفكر الجلاد فى الشراب فى مثل تلك الحالة التى كانت تقتضيه التيقظ التام حتى لا يفلت منه المحكوم عليه أو يأتى من يهمهم أمره فيفكوا وثاقه ويهربوا به. بيد أننا نفاجأ به يصرّ على الشرب إلى حد السكر والعربدة والغناء فى جوف الليل وإقلاق النائمين والدخول فى جدال وسباب مع من أيقظه منهم غناؤه المزعج. ثم إن الأغنية التى أخذ يترنم بها هى آخر ما يخطر على البال أن يغنيها مثل ذلك الجلاد السكران. ذلك أنها أغنية شجية حالمة تتحدث عن الزهور وقصر عمرها:

"يا زهرة عمرها ليلة

عليك السلام من المعجبين!

إذا أذّن الفجر غدا تُقْطَفين

ويسقط عنك رداء الندى

 وفى سلّة من حطب ترقدين

 وتخفت حولك ألحانى

ويبرق فى الجو نصل الردى

مضيئا فى يد البستانى

يا زهرة عمرها ليلة

عليك السلام، عليك السلام!) (ص/ ۲۹)

وفوق ذلك فهى غريبة عن شعر

العصر المملوكى تماماً، ومن ثم لا تناسب الجو التاريخى الذى خلعه الحكيم على مسرحيته. ودعنا من انكسار الوزن فى بعض المواضع منها. أما الحوار الطويل المتصنع الذى دار عندئذ بين الجـلاد والمسكين المحكوم عليـه بالإعدام فـهـو يذكرنا بالمغنّى القديم الذى ظل طول الليل يقـول لمستمعيه: "أنا زعلان" فيردون عليه: "زعلان ليه؟" فلا يزيد عن أن يعيد قوله: "أنا زعلان"... وهكذا دواليك حتى طلوع الصباح. وقد استغرق هذا من الصفحات تسعاً كاملات (ص/ 21-29).

ومن المفاجآت الممتعة فى المسرحية الطريقةُ التى يعلم بها القارئ (أو المشاهد)، ودون أن يكون متوقَّعا لذلك على الإطلاق، أن الشخص الذى رسا عليه المزاد فى عملية بيع السلطان ليس إلا غانية المدينة. وقد استغرق هذا من الصفحات ثمانى أخرى کاملات (ص/ ٩٤ - ١٠٢) ملأها الكاتب بالحوار الرشيق فى بعض الأحيان والمفتعل فى بعض الأحيان الأخرى بين النخاس الذى كان يتولى المزاد ثم القاضى وبين الشارى الذى اتضح رويدا رويدا أنه ليس الشارى الحقيقى بل مجرد وكيل عنه. وهى بوجه عام مفاجأة بارعة.

غير أنه يوجد فى المسرحية بعض الأشياء التى لا يقبلها عقل ولا منطق: فمثلاً عندما يصل الوزير إلى الموضع الذى شُدَّ فيه المحكوم عليه إلى عمود نسمعه يستنكر أن الجلاد لم ينفِّذ فيه حكم الإعدام بَعْدُ رغم أن الفجر قد أذن وصلّاه هو مع السلطان كما قال منذ وقت. ثم يأخذ فى التقصى لمعرفة السبب فى ذلك، لنفاجأ بعد قليل به هو نفسه يقول إن السلطان فى طريقه إلى المكان للتحقيق فى ظُلَامة المحكوم عليه التى رفعها إليه يطلب فيها سماع أقواله قبل إعدامه. فكيف يستنكر الوزير عدم تنفيذ حكم الإعدام فى الوقت الذى يقول فيه إن السلطان قادم من فوره لبحث أمر الرجل؟ أمن المعقول أن يسهو الحكيم إلى هذا الحدّ ويقع فى مثل ذلك التناقض الغريب فى صفحتين اثنتين من القطع الصغير ليس إلا (ص/ ٤٢ - ٤٤)؟ إن هذا لعجيب من مؤلِّف فى قامة الأستاذ الحكيم!

كذلك من الغريب أن يقول القاضى عن السلطان إنه، لكونه عبدا، ليس رجلاً ولا إنساناً بل مجرد شىء ومتاع (ص/ ٦٢). والمفروض أنه برأيه هذا يمثل حكم الإسلام على العبيد. فهل هذا هو حكم الإسلام حقا؟ بكل تأكيد كلَّا!

وغريب أيضاً أن يصر القاضى على أن يباع السلطان فى مزاد علنى ثم يُعْتَق بعد ذلك حتى يكون صالحا لتولى الحكم، مع أنه هو نفسه يقول للسلطان: "إنك لتذكر ولا ريب أنى منذ اللحظة الأولى كنتُ أول من بادر إلى مبايعتك والمناداة بك سلطانا آمرا على بلادنا" (ص/ ٦٢). فأى تناقض هذا؟

إلا أن المسألة لا تقف عند هذا الحدّ، فإن القاضى الذى رأيناه يصمّم بكل قواه، ودون أن يعبأ بغضب السلطان ووزيره أو تهديدهما، على بيع السلطان حتى يصلح لتولى السلطة، هو هو نفسه الذى سيعمل بكل قواه أيضا على التحايل على الشرع من كل وجه کی يتم عتق السلطان سريعاً: فهو يشترط أولا على الشارى أن يوقع حجة العتق (وبـلا مـقـابل) عند توقيعه حجة الشراء، مع أن مثل هذا الشرط باطل فى الفقه الإسلامى. وهو ثانيا يأمر أن يُنَادَى لصلاة الفجر قبل موعدها بزمن طويل کى يوهم الغانية التى اشترت السلطان أن الفجر قد أذَّن فتعتقه وتطلق سراحه بمقتضى شرطها كما مرَّ بيانه. وكان دافعه فى ذلك هو الخوف من السلطان. وسؤالنا هو: كيف يخاف القاضى السلطان كل ذلك الخوف فى مثل هذه المسألة الهينة على حين لم يَخَفْهُ فى مسألة بيعه فى المزاد، وهى فضيحة الفضائح بل مصيبة المصائب التى لم يكن يجرؤ أى إنسان على الوقوف بشأنهـا فى وجه السلاطين بالغاً ما بلغ مركزه فى الدولة أو مكانته عندهم؟

وفضلا عن ذلك فإن المسرحية قد اختزلت المجتمع الإسلامى زمن وقوع أحداثها فى عاهرة وخمّار وإسكاف ونخّاس ومؤذن لا قداسة عنده للمسجد ولا للأذان حتى إنه ليؤذن للصلاة فى غير وقـتـهـا أو لا يؤذن لهـا أصـلاً متى ما طُلِب منه ذلك. وهذه اللامبالاة نشهدها أيضاً عند أبطال المسرحية وعند جموع المشاهدين المحتشدين فى الميدان، الذين نفاجأ بأنهم جميعاً يشربون الخمر. إن هذه صورة جدُّ كاذبةٍ لطوائف المجتمع الإسلامى فى ذلك الحين. ولكى يزيد الطين بِلّة نجد المؤذن (وهذه غلطة الحكيم فى الحقيقة) يُسْقِط من أذانه الشـهـادتين والتكبـيـر الأخير (ص/159). ولا أدرى كيف يقع مـؤلف مسرحى فى هذه الغلطـة البلقاء! ومما يثير العجب أيضاً لما فيه من تناقض غير مفهوم أن الغانية إنما اشترطت أن بيت السلطان عندها تلك الليلة لکی تسمع منه قصته، إذ لا بد أن لديه "ذخيرة من القصص الرائعة الممتعة" على حد قولها، مما دفعه إلى أن يقول لها إنه إذن سيقوم بما كانت تقوم به شهرزاد، فترد عليه بدورها بأنها هى أيضا ستكون "شهريار الهائل المخيف" (ص/ ١٣٤). ولكن الذى حدث أنها هى التى أخذت تقص عليه تاريخ حياتها (ص/ 136 وما بعدها).

وفى أثناء الحوار الذى دار بينهما نسمعها تقول له قبيل تهيُّئها للرقص أمامه: "سترى الآن كيف أعالج قلقك وشكك" (ص/ ١٣٥)، مع أنه لم يكن قلقا ولا شـاكّاً بل كان واثقاً بها كل الثقة ومطمئنا إليها وإلى أنها ستنفذ ما وعدته به من إطلاق سراحه عند الفجر حتى إنه رفض اقتراح القاضى أن تُقْسِم لهم على ذلك (ص/ ۱۲۳). وفى هذا الحوار أيضاً نسمعه يقول لها: "تعلمين أن لغة النساء تدقّ علىّ وتغمض فى كثير من الأحيان" (ص/ ١٤٦). ولست أفهم كيف توقَّع أنها تعلم عنه هذا، وهى التى لم تره أو تسمعه أو يَكُنْ لها به أية صلة قبل ذلك.

على أن هذا رغم كل شىء يهون إلى جانب عيب المسرحية الأكبر المتمثل فى أن الأساس الذى تقوم عليه، وهو الصراع داخل نفس السلطان بين السيف والقانون، لا يستغرق إلا لحظات قصارا سرعان ما يختار السلطان القانون بعدها وفى عزم (ص/ ٧٤ - ٧٥)، مع أن مثل ذلك الأمر لا يمكن أن يحسم بهذه البساطة، وعلى هذا الوجه من السرعة، وبالذات فى تلك العهود. وحتى عندما تتعقد الأمور ويجد السلطان أن اختياره لم يَحُلّ المشكلة بل زادها تشابكاً ووصل به إلى طريق مسدود، فإنه لا يفكر فى التراجع بل ولا يصيخ السمع إلى اقتراح الوزير عليـه بالنكوص على الأعقاب (ص/ ١١٤)، حتى لقد لاحظت الغانية نفسها هذا واستغربته (ص/ ۱۱۷). وهى بهذا أصدق حكما وأرهف حسّاً من المؤلف الذى خلقها. أليس ذلك غريبا؟

 إلا أن هناك صراعاً آخر غير الصراع الأساسى فى المسرحية كان الحكيم بارعا فى إدارته وتصويره أيما براعة، وهو الصراع الذى قام فى نفس الغانية بين رغبتها فى تملك السلطان وما يراد لها من التخلى عنه بعد شرائه ودفع كل أموالها فيه:

" الوزير: هل تجرؤين على شراء مولانا؟

الغانية: ولم لا؟ ألست مواطنة ومعى نقود؟ فلم لا يكون لى عين الحق الذى للآخرين؟

القاضى: نعم، لك هذا الحق. إن القانون يسرى على الجميع، على أنه يجب عليك أيضا أن تكونى على علم بشروط هذا البيع.

الغانية: هذا طبيعى. إنى أعلم أنه بيع.

.....................................

الوزير: إذن وقّعى هذه الحجة.

الغانية: ماذا جاء فى هذه الحجة؟

الوزير: العتق.

الغانية: ماذا يعنى هذا؟

الوزير: ألا تعرفين ما هو معنى العتق؟

الغانية: أمعناه أن أتخلى عما فى يدى؟

الوزير: نعم.

الغانية: أتخلى عن المتاع الذى اشتريته فى المزاد؟

القاضى: حقا أيتها المرأة. لقد وقَّعْتِ عقد بيع، ولكنه عقدٌ مشروط.

الغانية: يعنى؟

القاضى: يعنى أنه بيع معلَّق على شرط.

الغانية: أى شرط؟

القاضى: العتق، وإلا فالبيع نفسه يصبح باطلاً.

الغانية: تعنى أيها القاضى أنه لكى يكون البيع صحيحا يجب أن أوقّع العتق؟

القاضى: نعم.

القاضى: تعنى كذلك أنه يجب أن أوقّع العتق حتى يصبح الشراء نافـذا؟

القاضى: تماما.

الغانية: لكن يا مولاى القاضى، ما هو الشراء؟ أليس هو امتلاك شىء فى نظير ثمن؟

القاضى: هو هذا.

الغـانيـة: وما هو العتق؟ أليس هو عكس الامتلاك؟ إنه التخلى عن الامتلاك!

القاضى: نعم.

الغـانيـة: إذن، أيها القاضى، أنت تجعل العنق شرطا للامتلاك. أى أنه لكى يكون امتلاك الشىء المبيع صحيحاً يجب على المشترى أن يتخلى عن هذا الشىء.

القاضى: ماذا؟ ماذا؟

الغانية: بعبارة أخرى: لكى تمتلك شيئا يجب أن تتخلى عنه.

القاضى: وكيف تقولين: لكى تملك يجب أن تتخلى؟

الغانية: أو إذا شئت: لكى تملك يجب ألا تملك.

القاضى: ما هذا الكلام؟

الغانية: هذا هو شرطك. لكى أشترى يجب أن أعتق! لكى أملك يجب ألا أملك! أترى هذا معقولا؟

السلطان: معها حق. لا عقل ولا منطق يقبل هذا!" (ص/ ۱۰۳- ١٠٦). وعلى هذا النحو من الحوار الرائع الممتع الذى يذكرنا بالحوار فى "جمهورية أفلاطون" تمضى الصفحات بعد ذلك لمسافة غير قصيرة.

ومن الموضوعات التى مسّتها المسرحية أن كثيرا من الحكام ليس لديهم الوقت الكافى للحب والنساء على عكس ما يتخيل الدهماء، إذ هم مشغولون بل مهمومون بالمعارك الحربية والشؤون السياسية (ص/ ١٤٤ - 145).

ومن هذه الموضوعات أيضا موضوع "المومس الفاضلة"، إذ إن الجميع تقريبا فى المسرحية يكذبون ويخاتلون، حتى القاضى نفسه رمز الحق والعدالة، أما الغانية فقد ضحّت بمالها لهدف وطنى نبيل كما جاء فى المسرحية، وصَدَقَتْ فى وعدها وكانت عند ثقة السلطان بها، بل رفضت أن تسترد من مال السلطان الخاص ما دفعته فى عتقه (ص/ 165- 166). ولقد سمّاها السلطان نفسه "السيدة الفاضلة" (ص/ 167).

ومن هذه الموضوعات كذلك "الحيل الفقهية" التى برع فيها بعض الفقهاء القدماء ووردت عنهم القصص فى ذلك، فالقاضى مثلاً يأمر المؤذن بأن يؤذن لصلاة الفجر قبل وقته بزمن طویل کی تعجّل الغانية بعتق السلطان وإطلاق سراحه من بيتها، وتكتشف هى أنه قد خدعها فتحاجّه بهذا، ولكنه يرد عليها بأن نَصّ الشرط هو سماع أذان الفجر لا طلوع الفجر نفسه، وما دامت قد سمعت الأذان فلا بد أن تنفذ الشرط حتى لو كان أذانا مزيفاً! وربما أراد الكاتب أن يبيّن أن مثل هذه الحيل تنتهى عادة إلى طريق مسدود مما يَضْطَرّ أصحابَها إلى مخالفة الشريعة، التى كانوا قد أجهدوا أنفسهم فى التمسك بحرفيتها. ألم يجبر القاضى الغانية على أن توافق على عتق السلطان قبل أن تمتلكه؟

على أننى قبل أن أطوى هذا الفصل أحب أن أنبه إلى أنه قد وردت على السنة أبطال المسرحية بعض المصطلحات والمفاهيم التى لم تكن معروفة قبل العصر الحديث بمعانيها التى أرادها لها المؤلف، مثـل "المحكمـة" و "القانون" و "الشعب" و"الوطن" و "المواطن" و "الهدف الوطنى" و "الغاية القومية" و "الأغلبية" و "الرأى العام"، وكذلك قول السلطان للغانية إنه "رهن إشارة الدولة فى كل لحظة" (ص/ 116) وإنه مملوك لها ولغيرها من أبناء الشعب كله (ص/١١٩). إن هذه المصطلحات والمفاهيم من شأنها أن تفسد الجوّ التاريخى الذى أضفاه المؤلف على عمـله، فكان ينبغى عليه أن يستبدل بها أخرى تنسجم مع تلك الفترة التى دارت فيها أحداث المسرحية.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق