من ذخائر المكتبة العربية: كتاب "الأمالى" لأبى على القالى

03/06/2022 06:18

بقلم/الدكتور إبراهيم عوض

مؤلف هذا الكتاب هو إسماعيل بن القاسم بن عيذون. وكان أحد جدوده، واسمه سلمان، مولی لعبد الملك بن مروان. وكنيته أبو على، أما لقبه فهو القالى، نسبة إلى قالى قلا، وهى بلدة فى أرمينية كان مؤلفنا فى رفقة ناس منها عند مجيئه إلى بغداد فنُسب إليهم ولصق به ذلك اللقب. وهناك سبب آخر أورده ياقوت الحمـوى أيضا فى "معجم الأدباء"، وذكره كاتب مادة "القالى: Al-kali" فى "دائرة المعارف الإسلامية: Encyclopaedia of Islam" (الطبعه الجديدة التى لا تزال تصدر أعدادها ولم تتم بعد) مفاده أنه قد تسمى بالقالى بغية الانتفاع بالانتساب إلى قالى قلا، باعتبار أنها ثغر إسلامى يرابط بها المرابطون. وكان يلقب أيضا بالبغدادى، نسبة إلى بغداد، التى كانت أول مدينة عراقية حلّ فيها وطال مُقامه بها.

 وفى مولد القالى خلاف، إذ ذكـر بعضهم أنه وُلد فى 280 هجرية، وجعله بعض آخر فى ٢٨٨هـــــ. وكذلك الأمر فى وفاته، التى تراوحت بين ٣٥٦هـــــ و٣٥٨ هــــــ و٣٦٦هـــــ. وكان دخوله بغداد سنة 303هـــ. ومن أساتذته فيها عبد الله بن محمد البغوى، وعبدالله بن أبى داود سليمان بن الأشعث السجستانى (المحدّثان)، وابن درستويه والزجّاج والأخفش الصغير ونفطويه وابن دريد وجحظة البرمكى وابن قتيبة.

وبعد ذلـك انتـقـل القـالى إلى الأندلس بعد أن قلّ ماله. ويبدو أن ذلك كان بدعوة من عبد الرحمن الناصر أو ابنه الأمير الحكم. ولما وصل إلى هناك استُقْبِل استقبالا حافلا من قبل بعض كبار الدولة، وربّما كان فى الوفد الذى استقبله الأمير الحكم نفسه. وعاش القالى فى الأندلس مبجّلا مكرماً سواء فى عهد الناصر أو عهد الحَكَم ابنه الذى خلفه فى الحُكْم. وكان يحاضر بقرطبة فى جامع مدينة "الزهراء"، الذى يسميه دوزى "جامعة قرطبة" ويقول إنه كان واحدة من أشهر الجامعات فى العالم[1].

ولأبى على القالى قصة معروفة أثناء الاحتفال باسـتقبال رسول ملك الروم صاحب القسطنطينية بقرطبة فى خلافة الناصر. إذ طلب الأمير الحكم منه أن يقوم فيخطب، فقام، ولكنه أرتج عليه بعد الحمد والصلاة على النبى، فقدم المنذر بن سعيد خطيب جامع قرطبة وأنقذ الموقف[2]. وربمّا كان سبب ذلك أنه لم يكن يتوقع أن يُطْلَب منه الخطابة فى مثل هذا الموقف الذى كان جديدا عليه، على حين أن المنذر بن سعيد قد تهيأ للأمر إمّا من تلقاء نفسه وإمّا بطلب سابق من الناصر أو الحكم، علاوة على أنه كان خطيبا، والقالى لم يكن كذلك.

وثمة قصة أخرى عن أنه، أثناء مسيره إلى قرطبة فى الركب الذى كان فى استقباله، قد قرأ بیت شعر جاهليا مكســـورا، إذ بدل أنه يقول "أعرافهن" بنون النسوة نطقها "أعرافها" بــــ "ها" التأنيث. وتقول القصة إن أحد المصاحبين له قد استعاده إنشاد البيت مرتين وهو فى كل مرة ينطقه خطأ، مما أحنقه مستغربا أن تستقبله الدولة بكل هذا الاحتفال والتكريم وهو لا يستطيع إقامة وزن بيت. وقد روى المقرى هذه القصة فى "نفح الطيب". وهى إن لم تكن من الأمور المستحيلة فإن عدم رواية المراجع التى تكلمت عن القالى أنه قد وقع فى غلطة مثل هذه سواء فى بغداد أو فى قرطبة طوال ذلك الزمان الطويل الذى قضاء هذا العالم فى تينك المدينتين منشداً للألوف المؤلفة من أبيات الشعر فى مجالسه وأماليه يجعلنا نستبعد وقوعه فى هذا الخطإ أو نعزوه إلى إرهاق السفر وكثرة الأسئلة التى لا بد أنهم كانوا أرهقوه بها طوال الطريق. وقد يكون لسبب أو لآخر، قد سبق أن حفظ البيت المشار إليه فى صغره خطأ ثم ظل عالقا بذاكرته على هذا الخطإ. والإنسان عبد لذاكرته فى كثير من الأحيان تغلبه على عقله ويسبق ما فيها إلى لسانه دون تفكير.

وللقالى، إلى جانب "الأمالى" الذى أهداه إلى الحكم بن الناصر، "الممدود والمقصور"، وكتاب "الإبل"، وكتاب "حُلّى الإنسان والخيل وشياتها"، وكتاب "فَعَلْت وأَفْعَلّت"، و"مقاتل الفرسان"، ومعجم لغوى عنوانه "البارع"، و"تفسير السبع الطوال". وكانت وفاته بقرطبة[3]. 

و "الأمالى" هو فيما يبدو جمع تكسير (على وزن "أفاعل") لـــــ "أمْليّة" (أفعولة)، وهى الشىء الذى يمليه شخص على شخص كى يكتبه أو يلخّصه (مثل "أغانى وأغنية"، وإن قالوا إنه جمع "إملاء" على غير قياس) ، لأن القالى كان يجلس فى المسجد الجامع بقرطبة ويمليه على الحاضرين، وكان ذلك يوم الخميس من كل أسبوع. وفى التراث العربى عدد من المؤلفات من هذا النوع، منها "أمالى اليزيدى"، و "أمالى الشريف المرتضى" و "أمالى ابن الشجرى". وبعض كتب الأمالى لا يذكر فى عنوانها كلمة "الأمالـى" هذه، كـــــ "مجالس ثعلب" و "کتاب الإمتاع والمؤانسة" لأبى حيان التوحيدى. وبالمناسبة، فالمقصود بـــــــ "المجالس" المحاضرات التى يمليها المؤلف فى مجلس، أى فى جلسة واحدة، أو كما نقول فى لغتنا الآن: "فى حصة واحدة".

وتثير طبيعة الكتاب الإملائية هذه عـددا من الأسئلة: فمثلا هل كان أبو على القالى وأمثاله من مؤلفى كتب الأمالى يملون دروسهم بالبطء الذى يمكّن تلاميذهم من كتابة كل كلمة تخرج من أفواههم؟ لكن هذا البطء من شأنه أن يشيع فى الدرس الجمود ويصيب التلاميذ بالملل. أم هل كان الأستاذ ينطلق فى كلامه بالإيقاع العادىّ فيسرع أو تقل سرعته حسب مواتاة ذهنه ولسانه له أو تأبيهما عليه؟ لكن إذا كان الأمر كذلك فكيف استطاع التلاميذ أن يلاحقوه؟ إن هذا يتطلب أن يكون التلاميذ على علمٍ بما نسميه الآن "الكتابـة الاختزالية"، وهو ما لا نعرف أن المسلمين فى تلك العصور كانوا على علم به.

كذلك فإن الأسلوب الذى كتب به کتاب "الأمالى" هو أسلوب جزل، والكلام فى المطلب الواحد مرتب ومحكم، وهو ما لا يتفق مع طبيعة الإملاء العفوى بما فيه من استطرادات وتفككات وتوقفات وتكريرات وجمل اعتراضية وحشوية وما إلى ذلك. فهل كان القالى يصطحب معه إلى الدرس أوراقا معدة من قبل ينظر فيها ويـُمْلى منها كما يفعل بعض أساتذة الجامعة اليوم؟ إن الروايات لا تخبرنا بشىء من هذا. ثم لو كان هذا هو الذى يحدث لما كان ثمة حاجة إلى الإملاء، لأن الكتاب سيكون قد ألّف من قَبْل جلوس الأستاذ إلى تلامذته ولو على عدة مرات. وفضلا عن ذلك فالقالى يصرح فى مقدمة الكتاب بأنه قد أملاء من حفظه.

من هنا فإننا نتساءل: ما مدى نسبة الأسلوب فى كتب "الأمالى" لأصحابها؟ أهو أسلوبهم أم أسلوب التلاميذ الذين كانوا يكتبون (أو يلخّصون) ما يـُملونه؟ أم هل كان التلميذ الكاتب يعرض، بعد انتهاء الأستاذ من إملاء ما عنده، ما كتبه على ذلك الأستاذ ينظر فيه فيقره كما هو أو بعد التعديل والتنقيح؟ يقول د. مصطفى الشكعة: "كان الطلاب فى واقع الأمر يجلسون متحلقين حول أستاذتهم وأمامهم المحابر وبأيديهم الدفاتر يحسنون الاستماع، ويقيدون ما يجرى على لسان أستاذهم الذى يكون فى العادة من كبار العلماء الثقات. فإذا جُمعت هذه الأمالى لكى تصدر فى شكل كتاب كانت إما أن تعرض على الأستاذ نفسه أو يقوم على مراجعتها بعض النابهين من تلامذته الذين يقومون بدورهم بروايتها منسوبةً إليه"[4]. ويبدو لى أن هذا هو الأشبه بأن يكون قد حدث. لكنى وجدت محمود رزق سليم فى كلامه عن "فتح البارى" يقول إن ابن حجر قد أملاه ثم كتبه وحرّره وراجعه وقابله[5]. فما معنى أن ابن حجر قد كتب كتابه ذاك بعد أن كان قد أملاه؟ وما معنى أنه بعد ذلك قد راجعه وقابله؟

كذلك من الأسئلة التى يثيرها كتاب القالى السؤال التالى: أين تبدأ كل أملية؟ وأين تنتهى؟ إن الكتاب مقسم إلى "مطالب" (وقد يكون المطلب موضوعا واحدا، وقد يكون عدة موضوعات). وهذه المطالب تتفاوت طولاً وقصرا: فمطلب لا يستغرق إلا جزءاً من الصفحة، ومطلب آخر قد يغطّى عدة صفحات، ولا يُعقل من ثم أن بعض الأمالى كانت تنتهى بهذه السرعة الشديدة، حتى لو قُلنا إن التلميذ الذى كان يقيدها كان يختصر ما يسمع حتى يستطيع ملاحقه الأستاذ، الذى كان يملى ما يمليه بإيقاع الإلقاء العادى، وأغلب الظن أن الأملية الواحدة أو على الأقل عدداً كبيرا من الأمالى كانت تضمّ فى كثير من الأحيان عدة "مطالب".

 ويلاحظ على أمالى أبى علىّ القالى أنه يقدم لكل منها بسلسلة إسناد. وإننا لنتساءل: هل كان أبو علىّ يحفظ كل سلاسل الإسناد تلك التى وردت فى كتابه؟ أم إنه كان يعدّ أماليه بسلاسل إسنادها فى ذهنه من الكتب مسبقا ثم يأتى إلى المسجد ويمليها على طلابه؟ لقد سبق أن أشرنا إلى قوله إنه أملى الكتاب من حفظه، وإن كان هذا يبدو لنا الآن غريبا.

 ومن الملاحظ كذلك أن الأمالى تتابع دون سؤال أو مقاطعة أو اعتراض مــن المستمعين فهل كان القالى وأمثاله أصحاب الأمالى يمضون فى المحاضرة طول الوقت دون أن يقاطعهم أى من المستمعين باستفسار أو خلاف؟ أم هل كان يحدث تدخل من جانب التلاميذ ولكن دون أن يسجل ذلك الطالب الذى كان يكتب الأمالى؟ أغلب الظن أن الثانية هى الأرجح؛ فإذا كان هذا هو الواقع فعلا فلا شك أنه كان من الأفضل والأكثر إمتاعا وفائدة لو سجّل مقيّد الأمالى ذلك، مع تاريخ كل أملية[6]. إذن لقدم لنا صورة نابضة بالحياة لهذه المجالس علاوة على ما كان فيها من علمٍ غزير.

ومما يلاحظ أيضا أن المطالب يتلو بعضهـا بعضا فى كتاب "الأمالى" دون أن يكون بينها رابط، بل كثيرا ما يضم المطلب الواحد عدداً من الموضوعات لا علاقة لبعضها بالبعض الآخر. فمبحث لغوى يتبعه نص شعرى أو نثرى بليه بعض الأمثال... إلح.

وحتى الأمثال مثلا لا علاقه بينها. ومثل ذلك يقال عن معظم النصوص الشعرية أو النثرية التى يلى بعضها بعضا. إن القالى فى بعض الأحيان قد يورد عدداً من الأشعار فى موضوع واحد، لكن ذلك قليل. والقاعدة عنده هى عدم وجود علاقة بين هذه النصوص: لا من حيث موضوعها أو قائلها أو حتى عصرها أو اتجاهها الفنى.

ومثالاً على ذلك فإننا فى الصفحة الثالثـة عشرة من الجزء الأول من الكتاب نجد  "مطلب خروج عبدالملك بنفسه لقتال مصعب بن الزبير" يتبعه "مطلب تفسير ما جاء من الغريب فى حديث البنات الثلاث اللاتى وصفن ما يحببن من الأزواج"، ويعقب هذا "مطلـب أسماء الزوجة"، ليأتى بعده "مطلب ترتیب أسنان الإبل وأسمائها"، فيليه "مطلب أسماء الرجل يحب محادثة النساء"، ثم "مطلب أسماء الشخص" (أى الجسم)، فــــ "مطلب الكلام على معنى الحافرة"، فــــ "مطلب تفسير ما جاء من الغريب فى وصف الغلام للعنز التى كان ينشدها"، وبعده "مطلب أسماء الألوان وأوصافها"، يَرْدَفْه "مطلب ما جاء من الغريب فى حديث الشاب الجميل العاشق"، ثم "مطلب أوصاف الشىء البالى" فــــ "تفسير ما جاء من الغريب فى وصف الشاب الفرس الذى اشتراه"... إلخ.

أما بالنسبة لاشتمال المطلب الواحد فى غير قليل من الحالات على عدة موضوعات فيمكن التمثيل لذلك بـــــ "مطلب وصف بعض الأعراب للمطر وشرح غريبه"، إذ بعد أن فرع القالى من إيراد النّص الذى فيه وصف المطر وشرح ما فيه من غريب. والاستشهاد على ذلك بالأشعار المختلفة نراه يورد نصا آخر فى وصف المطر أيضا ويشرح غريبه مع الاستشهاد، ثم يسوق كلاماً فى الحكمة، ثم يذكر مثلا عربيا ثم يشرح هذا المثل، ثم يورد مثلاً آخر ثم يشرحه، ثم ثالثا مع شرحه.

ولعله قد أن الأوان لأن نعرف موضوع الكتاب. إن القالى كثيراً ما يورد نصا (من القرآن أو الحديث أو من الشعر أو النثر أو الأمثال أو الحكمة أو القصص) ثم يقوم بشرح ما فيه من ألفاظ غامضة أو غريبة، مع الاستشهاد على ما يقول فى كثير من الأحايين، وهو فى أثناء ذلك قد يتعرض لبعض المسائل اللغوية، كفتح الحاء أو تسكينها فى المصدر "لحن" والفرق بين معنيى الكلمة فى الحالتين، ولماذا دلت كلمة "أجْبَلَ" على معنى احتباس الشعر على صاحبه؟  أو يأتى بألفاظ مترادفة أو متقاربة أو مترابطة.

وفى أحيان أخرى نراه يخصص المطلب كله لأحد المباحث اللغوية، كما هو الأمر فى "مطلب فى الكلمات التى تتعاقب فيها الفاء والثاء"، وهى الكلمات التى ترد فيها الفاء مرة، وتحل محلها الثاء مرة أخرى بنفس المعنى، كــــــ "الدفينة والدثيـنة"، و "فلغ رأسه وثلغهـا" و "الحثالة والحفالة"، و "مطلب ما تتعاقب فيه الميم والباء" ، و "ما تعاقب فيه الدال والتاء" ، و "ما يجىء من الكلمات بالثاء المثلثة والذال المعجمة" كـــــ "النبيثة والنبيذة"، و "حثحـاث وحذحاذ" ، و "ما يكـون بـالدال والطاء"، مثل "مط الحرف ومده" بمعنى واحد ... إلخ. وهذا النوع من المطالب يكثر فى الجزء الثانى من الكتاب.

وفى بعض الحالات يكتفى المؤلف بإيراد نصوص شعرية دون أن يشرحها, أو جملة من أمثال العرب. وقد تكون النصوص الشعرية فى موضوع واحد كالرثاء مثلا. قلتُ إن  ذلك قد يقع فى بعض الحالات. ولكن يُفْهم من كلام المستشرق الإسبانى آنخل جنثالث بالنثيا أن ذلك ديدن الكتاب كله، وهو خطأ. قال: "وهو كتاب متفرقات يعرض طائفة من الأحاديث التى تشير إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وفصولا متفرقة فى العرب ولغتهم وشعرهم وأمثالهم، وأخبارا تاريخيه تتصل ببعض شعرائهم فى عصر الخلافة، وقطعا من النظم والنثر أخذها عن  شيوخه... إلخ"[7].

وفى بعض الحالات الأخرى يخصص القالى المطلب لموضوع واحد كـــــ "وصف أكرم الإبل"، أو "سبب تسمية الأخطل بهذا اللقب"، أو "الكلام على أنواع من القداح"... وهكذا.

وهو كلما أورد شيئا قال: "قال فلان:..."، أو "روى فلان عن فلان عن فلان".

وفى استشهاداته الشعرية نراه فى حالات يسمـّى الشاعر، وفى حالات أخرى لا يفعل. وعندما يسمى الشاعر فقد يزيد على ذلك أن يقول إنه قرأ ذلك الشعر على أستاذه الفلانى، كما هو الحال عندما أورد فى الصفحة الخامسة والسبعين من الجزء الأول بيتا للأعشى شاهداً على إبدال العين فى "أعطى" نونا، فقد قال: "وقرأت على أبى بكر بن دريد فى شعر الأعشى:

حيادك فى الصيف فى نعمـة                             تُصان الجلال وتُنْطَى الشعيرا

كما أنه فى بعض الاستشهادات يشرح ما فيها من ألفاظ صعبة، وفى بعضها الآخر لا يشرح. وفى حالة الشرح فقد تسبقه عبارة "قال أبو على:...".

وقد يسوق القالى عدداً من الأبيات الشعرية مع قصتها من أجل بيت واحد فيه الكلمة المراد الكلام عنها أو الاستشهاد بها.

وقد تكلم القالى فى مقدمته عن طبيعة مواد كتابه فقال: "فأمللتُ هذا الكتاب من حفظى فى الأخمسة بقرطبة وفى المسجد الجامع بالزهراء المباركة، وأودعته فنونا من الأخبار، وضروبا من الأشعار، وأنواعا من الأمثال، وغرائب من اللغات، على أنى لم أذكر فيه بابا من اللغة إلا أشبعته، ولا ضربا من الشعر إلا اخترته، ولا فنا من الخبر إلا انتخلته، ولا نوعا من المعانى والمثل إلا استجدته. ثم لم أخِله من غريب القرآن وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم. على أننى أوردت فيه من الإبدال ما لم يورده أحد، وفسّرتُ فيه من الإتباع مالم يفسّره بشر، ليكون الكتاب الذى استنبطه إحسان الخليفة جامعاً، والديوان الذى ذُكر فيه اسم الإمام كاملا".

 ومن الواضح رنة الإعجاب بالنفس فى هذا الكلام. ولكن ينبغى تفهم نفسية بعض المؤلفين فى مثل هذه الظروف، فهم بوجه عام يحافون أن يغمطهم بعض من يقرأون لهم أو يغفلوا عن تقدير ما يرون أنهم بذلوه من جهد فى تآليفهم، فلذلك يحرصون على إبراز ما يرونه جديدا فى عملهم. والقالى نفسه هو القائل مع هذا عقيب ذلك: "وأسأل الله عصمةً من الزيغ والأشر، وأعوذ به من العُجْب والبَطَر، وأستهديه السبيل الأرشد، والطريق الأقصد".

وهـذا الإعجاب بالنفس ثم الفىء سريعاً إلى المطامنة منه قد يذكرنا إلى حد ما بما قاله ابن مالك فى مقدمة "ألفيته" فى النحو حين صرّح فى أحد أبياتها بأنها "فائقة ألفية ابن معطى" ليعود فى البيت الذى يلى ذلك فيقول:

وهو بسبق حائز تفضيلا                                   مستوجب ثنائى الجميلا

ومثل كلام القالـى عن عمله هنا كلام ابن سيده عن نفسه فى مقدمة كتابه "المحكم"،  وترجمة السخاوى الذاتية فى كتابه "الضوء اللّامع".

 وينبغى كذلك ألا ننسى أن القالى كان يـريـد أن يلفت نظر حكام قرطبة إلى قيمة الكتاب والجهد الذى بذله فيه حتى تأتى المكافأة التى كان ينتظـرها منهم عليه بالضخامة التى يريد. وقد قال هو نفسه قبل ذلك بصريح العبارة: "فخرجت جائداً بنفسى، باذلا لحشاشتى، أجوب متون الفقار، وأخوض لجج البحار، وأركب الفلوات، وأتقحم الغمرات، مؤمّلا أن أوصل العِلْق النفيس إلى من يعرفه، وأنثر المتاع الخطير ببلد من يعظّمه، وأشرّف الشريف باسم من يشرّفه، وأعرض الرفيع على من يشتريه، وأبذل الجليل لمن يجمع ويقتنيه. فمنّ الله عز وجل بالسلامة، وحبا تعالى ذكره بالعافية، حتى حللتُ بِعُصْرة الخُوّاف، وعصمة الـمُضاف، والمحلّ الـمُمْرِع، والربيع الـمُخصِب، فِناء أمير المؤمنين عبدالرحمن بن محمد المبارك الطلعة، الميمون الغرة، الجم الفواضل، الكثير النوافل، الغيث فى الـمَحْل، الثّمال فى الأزل، البدر الطالع، الصبح الساطع، الضوء اللامع، السراج الزاهر، السحاب الماطر، الذى نصر الدين، وأعز المسلمين، وأذل المشركين، وقمع الطغاة، وأباد العصاة، وأطفأ نار النفاق، وأهمد جمر الشقاق، وذلّل من الخَلْق من تجبّر، وسهّل من الأمر ما توعّر، ولمّ الشعث، وأمّن السُبُل، وحقن الدماء. أبقاه الله سالماً فى جسمه، معافى فى بدنه، مسروراً بأيامه، مبتهجا بزمانه، وخصّه بطول المدة، وتتابع النعمة، وأبقى خلافته، وأدام عافيته، وتولى حفظه، ولا أزال عنّا ظلّه. صحبتُ الحيا الــمُحْسِب، والجواد المفضل، الذى إذا وعد وفى، وإذا أوعد عفا، وذا وهب أسنع، وإذا أعطى أقنع، الحَكَم فرأيتُه، أيده الله، أجل الناس بعد أبيه خطرا، وأرفعهم قدرا، وأوسعهم كنفا، وأفضلهم سلفا، وأغزرهم علما، وأعظمهم حلما، يملك غضبه فلا يعجل، ويعطى على العّلات فلا يمل، مع فهم ثاقب، ولبّ راجح، ولسان عضب، وقلب نَدْب، فتابَعَا لدىّ النعمة، وواترا علىّ الإحسان، حتى أبديتُ ما كنتُ له كاتما، ونشرت ما كنتُ له طاويا، وبذلتُ ما كنتُ به شحيحا، فأمللت هذا الكتاب من حفظى فى الأخمسة بقرطبة... إلخ".

وقد يستغرب بعضنا هذا المدح التفخيمى للناصر وابنه والثناء المبالغ فيه على الكتاب، ولكن لا بد من أن نعرف أن مؤلفى ذلك الزّمان لم يكونوا يعتمدون على توزيع كتبهم، إذ لم تكن المطابع بطبيعة الحال قد عُرفت بعد، وإنما كانت عيونهم على خليفة أو أمير أو وزير يشترى نسخة من كتابهم ويجزل لهم فيها العطاء.

 والآن مع هذا النص من "الأمالى"، حتى يأخذ القارىء فكرة واضحة عن الكتاب، وهو من الجزء الأول (ص/۱۰۲-۱۰۳):

"مطلب حديث أوس بن حارثه ونصيحته لابنه مالك وشرح الغريب من ذلك:

وحـدثنا أبو بكر بن دريد قال حدثنى عمى عن أبيه عن هشام بن محمد الكلبى عن عبدالرحمن ابن أبى عَبْس الأنصارى قال: عاش الأوس بن حارثة

دَهْراً وليس له وَلَد إلا مالك، وكان لأخيه الخَزْرَج خمسة: عمرو وعَوْف وجَشَم والحارث وكَعْب. فلما حَضَره الموت قال له قومه: قد كنا نأمرك بالتزوج فى شبابك فلم تَزَوّج حتى حضرك الموت، فقال الأوس: لم يَهْلِك هالك تَرَك مثلَ مالك، وإن كان الخزرج ذا عَدَد، وليس لمالك وَلَد، فَلَعَل الذى اسْتَخْرج العذق من الجَريمة، والنار من الوثيمة، أن يجعل لمالك نَسْلا، ورجالا بُسْلا، يا مالك، الـمَنِيّة ولا الدنيّة، والعتاب قبل العِقاب، والتّجلد لا التّبلد. واعلم أن القَبْر خير مِن الفقر، وشَرّ شاربٍ المشتفّ، وأقبح طاعم المقتفّ، وذهاب البصر، خير من كثير من النظر. ومِن كَرَم الكريم، الدّفاعُ عن الحريم، ومَنْ قَلّ ذُلّ، ومن أمِر فَلّ، وخَيْر الغِنَى القَناعة، وشرّ الفَقْر الضّرَاعة، والدّهر يَوْمان، فَيَوْم لك ويَوْم عليك، فإذا كان لك فلا تَبْطر، وإذا كان عليك فاصْبِر، فكلاهما سَيَنْحَسِر، فإنما تَعُز من ترى، ويَعُزك مَنْ لا تَرَى، ولو كان الموت يُشْتَرَى لَسَلِم منه أهلُ الدنيا، لكن الناس فيه مُسْتَوُون: الشّرِيف الأبلَج، واللّئيم الـمُعلْهَج، والـمَوْتُ الـمُفيت، خير من أن يقال لك: هَبيت، وكيف بالسَلَامة، لمن ليست له إقامة، وشَرّ من الـمُصيبة سُوُء الخَلَف، وكل مجموع إلى تَلَف، حَيّاك إلهُك! قال: فَنَثَر اللهُ من مالكٍ بعدد بنى الخَزْرَج أو نحوهم.

 قال أبو على: قوله: فلعل الذى اسْتَخْرَج العَذق: النخلة نفسها بلغة أهل الحجاز، والعذْق الكباسة. والجَرِيمة: النّوَاة. والوَثِيمة: هى الموثوقة المربوطة، يريد به: قَدْحَ حوافِر الخيل النار من الحجارة. والعرب تقسم بهذا الكلام فتقول: لا والذى أخرج العَذْق من الجَرِيمة، والنار من الوَثيمة، لا فعلت كذا وكذا. ومن أيمانهم: لا والذى شَقَهُنّ خَمْسا من واحدة، يَعْنُون: الأصابع. ويقولون: لا والذى أخرج قائبةً من قُوب، يعنون: فَرْخا من بيضة. ويقولون: لا والذى وَجْهِى زَمَمَ بيِته، أى قَصْدَه وحِذاءه. والبُسْل: الشجعان، واحدهم باسل، والبَسَالة: الشجاعة، قال الفراء: الباسل: الذى حَرّم على قِرْنه الدنو منه لشجاعته، أى لشدته، لأنه لا يُهْمِل قِرْنه ولا يُمْكنه من الدنو منه، أُخِذ من البَسْل وهو الحرام. وقال غيره: الباسل: الكَرِيه الـمَنْظَر، وإنما قيل للأسد: باسل، لكراهة وجهه وقبحه، يقال: ما أبْسَل وَجْه فلان، قال أبو ذؤيب:

فكُنْتُ ذَنُوبَ البئر لَمَا تَبَسّلَتْ                   وسُرْبِلْتُ أكفانى ووُسّدْتُ ساعدى

تَبَسّلَتْ: فَظُع مَنْظَرُها وكَرُهَتْ، وقال شيخنا أبو بكر الأنبارى: قال الأصمعى: الباسل: الـمُرّ، وقد بَسُل الرجل يَبْسُل بَسالةً إذا صار مُرّاً. والـمُشْتَف: الـمُستَقْصى، يقال: اسْتَشَفّ ما فى إنائه واشتفّ إذا شَرِب الشُفَافة، وهى البَقيّة تبقى فى الإناء. والـمُقْتَفّ: الآخذ بعَجَلة، ومنه سمى الَقَفّاف[8]. وأمِر: كَثُر عددُه، يقال: أمِرَ القوم يَأمَرون إذا كثر عددهم، قال لَبيد:

نَعْلُوهُم كُلّما يَنْمِى لهم سَلَف                             بالـمَشرِفىّ ولولا ذاك قد أمِروا

(مطلب الكلام على مادة أمر وتفسير قوله تعالى: "وَإذا أرَدْنَا أنْ نهلك قَرْيَة أمَرْنَا مُترفيها"، وأنشدنا أبو زيد:

أمّ جَوَارِ ضَنْوُها غيرُ أمِر

ضَنْوُها: نَسْلُها. وأمِرَ المالُ وغيره يأمر أمَرَه وأمَرأَ إذا كثر، قال الشاعر:

والإثمُ من شَرّ ما يُصال به                                    والبر كالغَيْثِ نَبْتُه إمِرُ

ويقال فى مَثَل: فى وَجه مالك تَعْرِف أمْرَتَه وأمَرَته، أى نماءه وكثرته، وقال الله تعالى: "وَإذا أرَدْنَا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَة أمَرْنَا مُترفيها" أى كَثّرنا، وقال أبو عبيدة: يقال خَيْرُ المال سِكّة مَأبُورة، أو مُهْرة مأمورة، فالمأمورة: الكثيرة الولد، من أمَرَها الله، أى كَثّرها، وكان ينبغى أن يقال: مُؤمَرة، ولكنه أتِبع مأبورة. والسّكّة: السّطْر من النخل، وقال الأصمعىّ: السّكّة: الحديدة التى يُفْلَح بها الأرَضُون. والمأبورة: الـمُصْلَحة، يقال: أبَرْت النخل آبُرُه أبْراً إذا ألَقتحه وأصلحته. وقد قرىء أمّرنا مُتْرَفِيها، على مثال فَعّلْنا. أخبرنا القالى عن ابن كيسان أنه قد يقال: أمَرَه بمعنى آمَرَه، يكون فيه لغتان: فَعَل وأفْعل. وتَعُزّ: تَغْلِب، ويقال عزّ فلان فلانا: عَزّا. وعَزّ يَعِزّ عِزّا وعِزّة من العِزّ. وعَزّ على أهله عَزّازة، من العِزّ. والـمُعَلْهَج: الـمُتناهِى فى الدّناة واللّؤم، وكان أبو بكر يقول: هو اللئيم فى نفسه وآبائه. والـهَبيت: الأحمق الضعيف، قال طَرَفَة:

الـهَبِيتُ[9]  لا فُؤادَ له                                       والثّبِيتُ ثَبْتُه فَهِمُه

وكان أبو بكر بن الأنبارى يرويه: قِيَمُه".

وممّا مرّ يتبين لنا أن جهد أبى على القالى مع النصوص التى احتواها كتابه هو جهد لغوى فى المقام الأول، ولم أعثر فيه على أى شىء يتصل بالنحو، وقد لاحظ ذلك مبكرا المفكر الأندلسى الكبير ابن حزم، إذ قال: "كتاب نوادر أبى علىّ مُبَارٍ لكتاب "الكامل"، الذى جمعه المبّرد. ولئن كان كتاب أبى العباس أكثر نحواً وخبرا فإن كتاب أبى على أكثر لغة وشعراً"[10]. إلا أنه لا بد من التعقيب بأن الأخبار فى كتاب أبى علىّ غير قليلة أيضا.

ولهـذه الطبيعة اللغوية للكتاب ذكر د. عز الدين إسماعيل أنه "يعد أساسا من كتب اللغة. ذلك أن القالى لا يأتى بالنص المختار من شعر أو خطبة أو مثل إلا بقصد شرح ما بهذا النصّ من ألفاظ غريبة والإشارة إلى اشتقاقها. ولهذا فإن هذا الكتاب لا يغلب عليه الاستطراد الكثير الذى عُرفت به الكتب السابقة. ذلك أن كل محاضرة أو أمليّة تتحدد بكونها محاضرة أو أملية فى اللغة". ومع هذا فلابد من إعادة التنبيه إلى أن القالى فى بعض الحالات يكتفى بإيراد النص دون أن يتبعه بأى شرح أو تعليق. أريد أن أقول إنه فى الغالب لا يكتفى بإيراد مختاراته القرآنية أو الحديثة أو الشعرية والنثرية كما يُفْهَم من كلام المستشرق الإسبانى بالنثيا على ما مرّ التنبيه إليه، ولا هو دائما يتبع هذه المختارات بشروحه اللغوية، كما توحى عبارة د. عز الدين إسماعيل، إذ هناك بعض الحالات التى لا يفعل فيها ذلك.

على أنه إذا كانت طبيعة الكتاب لغوية فإن هذا لا يمنع وجود بعض اللمحات النقدية فيه. فمثلا يورد القالى عن ابن الأنبارى عن أبى الحسن بن البراء عن إبراهيم بن سهيل لجميل بن معمر أحد عشر بيتا تبتدىء بقوله:

خلیلیّ، هل فى نظرة بعد توبـة                              أداوى بها قلبى على فُجـور؟

إلى رُجُح الأكفال هيفٍ خُصورها                           عذاب الثنايا ريقهن طهــور

ولكنه يقول عنها قبل أن يوردها: "وليست هذه الأبيات فى شعر جميل"  فهذا حكم نقدى فى تحقيق نسبة النص إلى صاحبه.

وقد يشير القالى إلى أنه يوجد فى الشعر الذى يورده أكثر من رواية وأن بين هذه الروايات اختلافاً، وإن كان لا يورد إلا رواية واحدة فى حدود انتباهى. وأحيانا يشير إلى بعض هذه الاختلافات.

ومن ذلك أنه بعد روايته، عن أبى بكر الأنبارى عن أبى الحسن بن براء، لإبراهيم بن

المهدى:

إذا كلّمتَنْى بالعيون الفواتِر                             رددت عليها بالدموع البوادِر

فلم يعلم الواشون ما دار بيننا                         وقد قُضِيَتْ حاجاتنا بالضمائـر

 أقاتلتى ظلما بأسـهم لحظهـا                          أما حَكَم يُعْدى على طَرْف حائـر

 فلو كان للعشاق قاضٍ من الهوى                    إذا لقضى بين الفؤاد وناظـرى

يشير إلى ما قاله أبو بكر بن الأنبارى من أن خالدا الكاتب قد سرق هذا المعنى حيث قال:

أعان طَرْفى على جسمى وأحشائى                    بنظرةٍ وقَفتْ جسمی علی دائـى

وكنت غِرّا بما يجنى على بدنى                        لا علم لى أن بعضى بعض أدوائى

فهذا حكم نقدى فى المقابلة بين النصوص المتشابهة تتتبع أخذ اللاحق من السابق.

 ويجد القارىء مثالاً آخر فى ص/ ٢٢٦ من الجزء الأول من الكتاب حيث ذُكِر أن ابن المعتز قد سرق معنى من معانيه من أحمد بن يحيى بن فنن، وأن على بن الجهم قد أخذ معنى شدة اعتنـاق الحبيب لحبيبه بحيث إذا صبت عليهما الخمر لم تجد لها بين جسديهما متسربا، عن بشار.

كما أننا قد نقابل فى الكتاب عبارة مثل هذه: "ومن أحسن ما قيل فى الشعـر قـول بن الرومى..." أو "ومن أحسن ما قيل فى فتور الطرف قول أبى نواس..." 

أو قد يورد القالى اختلافا بين العلماء فى فهم النصوص كمـا حدت فى شرح البيت

التالى للفرزدق:

يُفَلّقْن هامَنْ لم تنله سيوفنا                            بأسيافنا هامَ الملوكِ القماقم

إذ قال أبو العباس أحمد بن يحيى إن "ها" (بعد "يفلقنَ ") للتنبيه،  و "من لم تنله سيوفنا" جملة استفهامية (اعتراضــة)". لكن أحد العلماء عاب هذا التوجيه وقال إن المقصود: "يفلقن هاماً لم تنله سيوفنا"؛ فاعــــتـــــرض عليـه أبو بكر بن الأنبارى بأن العرب لا تذكّر "الهام"، ولو كان الشاعر قد أراد ذلك لقال: "يفلّقن هاماً لم تنلها سيوفنا".

ورغم عدم بروز هذا الجانب فى كتاب "الأمالى" بقوة فإن أحد الباحثين وهو د. مصطفى عليان عبدالرحيم، قد درس القالى فى أماليه بوصفه ناقداً وجعل له مدرسة وخصّص له عدة صفحات فى كتابه عن "تيارات النقد الأدبى فى الأندلس فى القرن الخامس الهجرى" وقد استطاع ذلك الباحث أن يتتبع عدداً لا بأس به من هذه اللمحات النقدية وأبرزها وسلّط الضوء على أهمية القالى من هذه الناحية، متتبعا تأثيره فيمن أتوا بعده وتأثير هؤلاء بدورهم فى نقاد القرن الخامس الهجرى بالأندلس، الذين هم موضوع رسالته.

على أنه لا بد من الإشارة إلى أن هذه الأحكام النقدية التى يشتمل عليها كتاب "الأمالى" ليست كلها للقالى بل بعضها له وبعضها لأساتذته وبعض آخر ليست له ولا لهم وإنما وردت ضمن ما أورده فى كتابه من مرويات منسوبة إلى أحد الخلفاء أو غيره من الممدوحين أو العلماء أو الأدباء. وأهمية "الأمالى" فى هذا أنه قد احتفظ لنا بتلك الأحكام.

 ومـن الجـوانب المهمة أيضا فى كتاب "الأمالى" ما فيه من أخبار وأقاصيص كثيرة: إما مصاحبة للنص الشعرى أو مستقلة بذاتها. وهذه القصص تنتمى إلى العصور المختلفة بدءاً من العصر الجاهلى حتى العصر العباسى، وبعضها أجنبى. وقد استكمل عدد منها العناصر الفنية التى يستلزمها جنس القصة القصيرة من حكاية حدث وتصوير شخصية وحوارٍ وحبكة.

 وقد وقف د. محمد حسن عبدالله عند هذا الجانب فى كتاب القالى، وأشار إلى بعض الأقاصيص المتميزة فيه، مؤكداً أن ما ورد فيه من أخبار وقصص رويت فى صورتها الكاملة يمكن أن يكون عوناً لإعادة النظر فى موقف الأدب العربى القديم من فن القصة[11].

وثمة سؤال هام يتعلق بهذه الأخبار والأقاصيص والمرويات التى يسوقها أبو على القالى فى كتابه، وبخاصة ما كان متصلا منها ببعض الشخصيات التاريخية المشهورة: ما مدى صحتها؟ لنأخذ مثلا حديث الجوارى الخمس اللائى وصفن خيل آبائهن، حيث تأخذ كل واحدة منهن فى وصف فرس أبيها بأسلوب مسجوع قصير الجمل ومقسم تقسيمات متساوية، وبنفس الطريقة التى تتبعها الجوارى الأخريات وبالذات عند بدء الكلام، إذ تقول الأولى مثلاً: "فرس أبى وردة وما وردة؟..."، وتقول الثانية: "فرس أبى اللعّاب. وما اللعّاب؟..."، وتقول الثالثة: "فرس أبى خُذَمة وما خُذَمة؟..." . وهكذا . فهذا كله لا يساعد على تصديق أن هذه الحكاية هى حكاية صحيحة حدثت فعلاً، بل لا بدّ أن تكون قد صُنعت صناعة. وإذا كان الأمر كذلك فمن مؤلفها؟ إن الكتاب لا يجيب على هذا السؤال، بل يورد القصة على أنها شىء قد حصل، وما دور أبى علىّ ومن تلقاها عنهم إلّا مجرد روايتها.

وثمة مثال آخر أهم من هذا المثال، لأن بطلى الحكاية فى هذه المرة هما الرشيد والمأمون. وتتلخّص القصة فى أن إحدى الجوارى كانت تصب الماء على يد هارون الرشيد، وإذا بالمأمون الجالس خلفه يرسل إليها قبلةً فى الهواء مما شغلها عن الصّب وأغضب الرشيد، الذى هددها بالقتل إن لم تصدقه القول، فأخبرته بما وقع من ابنه الغلام. فما كان من الأب، وقد رأى جزع ابنه وخجله، إلّا أن وهبها له آمراً إياه أن يدخل بها إلى قبة كانت هناك ويقضى منها وطره. وبعد أن خرج طلب منه أن يسمعه الشعر الذى قاله فى ذلك. وهى قصة بينـة الصـناعة تـناسب أحداثها أن تخرج فى ثوب فلم من أفلام الإثارة الجنسية.

وقد كان المفروض أن ينبه القالى إلى ذلك، كما كان ينبغى عليه أن يلتفت إلى ما فى الأبيات التى رواها فى "مطلب خطبة عتبة بمصر..." لمطرود بن كعب الخزاعى فى رثاء عبد المطلب جدّ النبى عليه السلام من عدم اتساق تاريخى، إذ تشتمل على مديح للنبى عليه السلام بلقب النبوة وكذلك على مديح علىّ. ومعروف أن عبد المطلب قد مات والنبى طفل جد صغير، فكيف يذكر الشاعر نبوته إذن؟ كما أن عليا لم يكن قد وُلد بعد، فكيف يمدحه الشاعر فى قصيدةٍ المفروضُ أن الشاعر الراثى قد نظمها عند موت جدّه؟

وقد ذكر د. أحمد أمين أن ابن دريد أستاذ القالى كان "لا يتحرج من أن يخترع حديثـا لأعرابى وأعرابية أو حتى قصيدة من القصائد، شأنه شأن الروائيين اليوم، ولكنه يرويها على أنها حقيقة وقعت، وقصده منها التعليم أكثر من أن يكون قصده التاريخ. ولكن أبا على القالى أخذها كما يأخذ الحديث على أنها حقائق تاريخية" .

وإلى جانب ما فى الكتاب من لغة وأخبار وقصص ونقد فإنه ممتلىء بالنصوص الشعرية فى الأغراض المختلفة. بل إنه كثيراً ما يقصر المطلب الواحد على إيراد عدد من النصوص الشعرية فى موضوع واحد أو فى معنى واحد بعينه. وقد سبق أن أوردنا إشارة ابن حزم إلى كثرة الأشعار فى "الأمالى". كما أشار نيكلسون، المستشرق البريطانى، إلى هذا الكتاب كمصدر من مصادر الشعر القديم[12]، وهو فى هذا محق تماما. والكتاب من هذه الناحية يشتمل على آلاف الأبيات من العصور الأدبية المختلفة، ولا تكاد توجد صفحة واحدة منه تخلو من نصوص شعرية.

وقد نبه د. مصطفى الشكعة إلى هذا الجانب فى الكتاب قائلا إنه "غزير المحتوى للنصوص الشعرية فى مختلف الموضوعات ولمختلف الشعراء، ومع عناية وذوق فى اختيار النص وعرضه وشرحه. وقد اهتم بعدد غير قليل من الشعراء، مثل عمر بن أبى ربيعة وجميل بن معمر والسموأل بن عاديا وذى الإصبع العدوانى وكعب بن سعد الغنوى ونُصَيْب وأبى حية النمرى وغيرهم كثيرين من مغمورين ومجهولين. كما أورد بعض المقصورات. و (قد) اهتم أبو على بالرجز، شأن جميع اللغويين، وضمّن كتابه الكثير من أراجيز العرب، وبخاصة الرقصات منها. وهو فى ذلك شبيه بابن طيفور فى "المنثور والمنظوم"[13].

 وقد أثنى غير الدكتور الشكعة من الباحثين على حسن ذوق المؤلف ورهافته فى اختيار النصوص الشعرية وسعة روايته لها، كالدكتور أمجد الطرابلسی[14] والدكتور عزالدين إسماعيل[15].

ولعلّه قد اتضح الآن أهمية كتاب "الأمالى"، الذى يعد كنزا ثميناً فى اللّغة والتفسير والحديث والأخبار والقصص والأشعار، إلى جانب ما فيه من لمحات نقدية كما بيّنا.

وهو بهذا يزوّد قارئه بمتعة ثقافية وفنية متنوعة عظيمة، إلى جانب كونه مصدرا يرجع إليه محققو الكتب القديمة للمقابلة بين النصوص التى وردت فيها وتوجد فى نفس الوقت فيه. وكذلك مؤرخو الأدب واللغة ودارسوهما، حيث يحتوى الكتاب على ثروة هائلةٍ من الأخبار والرويات والأشعار والشروح اللغوية.

وقد عدّ ابن خلدون هذا الكتاب بين أهم أربعة كتب فى الأدب العربى، وهى "أدب الكاتب" لابن قتيبة، و "الكامل" للمبرد، و "البيان والتبيين" للجاحظ، إلى جانب كتاب القالى.

ولأهمية "الأمالى" رأينا له عدة شروح قام بها مؤلفون آخرون، كشرح أبى عبيد البكرى بعنوان "اللآلى فى شرح أمالى القالى"،  وشرح البطليوسى. كما أن الشريشى قد وضع له مختصراً. كذلك ألّف البكرى السابق ذكره كتابا فى "التنبيه على أوهام أبى على القالى فى أماليه"، وإن كان الأستاذ عبدالعزيز الميمنى يقلّل كثيرا من قيمة هذه التنبيهات، التى يرى أنها "بعيدة الصيت قليلة الجدوى"، وقال إن "أكثرها يعود وزرها أو أجرها على أشياخ القالى كابن دريد وغيره، وأبو على منها براء ومن تبعاتها، أو على شيوح أشياخه وربما لا تكون من الوهم فى شىء، وإنما هى رواية أخرى لم تحظ بارتضاء البكرى واختياره فنعى بها عليه وجعلها من مُنْدِياته... إلخ"[16].

الهوامش:

1- R. Dozy, Historie des Musulmans de L' Espagne jusqu'à la conquele de L' Andalusie par les Almoravides, Leyden. 1867. III. P 452

2- لا أزال أذكر ما قرأته فى وصف الموقف فى إحدى رويات جرجى زيدان وأنا صبى صغير. ولعلها روايـة  "عبد الرحمن الناصر".

3- انظر فى ترجمة القالى ياقوت الحموى/ معجم الأدباء/ ط مرجليوث/2/ 3٥١ وما بعدها، والمقرى/ نفح الطيب/ ليدن/1855م/1/240 وما بعدها، والضبى/ بغية الملتمس/ مجريط/ ١٨٨٤م/٢١٧ وما بعدها، وابن خلكان/ وفيات الأعيان/ باريس/ 1839/1/190،  والمقدمة التى كتبها محمد عبد الجواد الأصمعى لكتاب "الأمالى"/ دار الحديث/ بيروت/ ١٤٠٤هـــ ــــــ ١٩٨٤م/ ط2/1/ص (ح - ف)، ودائرة معارف البستانى/ 1/ 621 (مادة "ابن عيذون ")، وجرجی زیدان/ تاريخ آداب اللغة العربية/ مراجعة وتعليق د. شوقی ضیف/ دار الهلال/2/306-307، وكارل بروكلمان/ تاريخ الأدب العربى/ ترجمة د. عبد الحليم النجار/ دار المعارف/ ط4/2/277-278،وآنخل جنثالث بالنثيا/ تاريخ الفكر الأندلسى/ ترجمه د. حسين مؤنس/ مكتبة النهضة المصرية/ط1/172-173، ود. مصطفى الشكعة/ مناهج التأليف عند العلماء العرب - قسم الأدب/دار العلم للملايين/ بيروت/ ١٩٧٤م/ ٣٦١ وما بعدها. و د. عزالدين إسماعيل/ المصادر اللغوية والأدبية فى التراث العربى/ دار النهضة العربية/ بيـــــــروت ١٩٧٦م/ ٢١٥، و EJ Brill's First Encyclopaedia of Islam Encyclopaedia of Islam PP. 419 420 C Editon. Leiden. 1978; A Literary Hisatry of the Arabs Chejne Muslim Spain - Its History and culture. The University of Minnesota: Press, 1974. P. 153.

4- مناهج التأليف عند العلماء العرب – قسم الأدب/ 341.

5- محمود رزق سليم/ عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمى والأدبى/ مكتبة الآداب/ القاهرة/ 3/ 342.

6- فى "الأمالى الشجرية" نجد كل مجلس مؤرخا باليوم والشهر والسنة، مع ذكر موقعه من أيام الأسبوع.

7- تاريخ الفكر الأندلسى/ 173.

8- قوله: ومنه سمى القفاف، وهو كما فى القاموس واللسان: الصيرفى يقفّ الدراهم، أى يسرقها بين أصابعه.

9- ورد هذا البيت فى اللسان فى مادة "ثبت" هكذا:

    فالهبيت لا فؤاد له     والثبيت فَلْبُه قيَمُه

10- انظر مقدمة محمد عبد الجواد الأصمعى لكتاب "الأمالى"/ ۱/ ل. وقد ذكر كلام ابن حزم أيضاً د. مصطفی الشكعة فى كتابه "مناهج التأليف عند العلماء العرب - قسم الأدب"/ ٣٦٣.

11- انظر د. محمد حسن عبدالله/ مقدمة فى النقد الأدبى/ دار البحوث العلمية/ الكويت/ طـ1/ 1395هـــــ ـــــ 1975م/ 486-490.

12- A literary Hisotry of the Arabs/ 131.

13- د. مصطفى الشكعة/ مناهج التأليف عند العلماء العرب - قسم الأدب/ ٣٦٤-٣٦٥.

14- انظر كتابه "نظرة تاريخية فى حركة التأليف عند العرب فى اللغة والأدب"/ دار مكتبة الفتح/ دمشق/ ط5/ 1319هــــ ـــــ 1971م/ 170.

15- انظر كتابه "المصادر الأدبية واللغوية فى التراث العربى"/۲۲۰.

16- انظر مقدمة عبد العزيز الميمنى لـــ "سمط اللآلى"/ دار الحديث/ بيروت/ ط2/ 1404هـــ ــــ 1984م/ س.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق