تونس تطلب شهادة دولية للاقتراض مصحوبة بسلفة مالية من صندوق النقد

29/05/2022 07:05

بقلم/ إبراهيم نوار

ثلاث دول عربية، هي مصر وتونس ولبنان، تصطف واحدة وراء الأخرى أمام باب صندوق النقد الدولي طلبا للمساعدة؛ مصر وقد فتح لها الصندوق أبوابه، وتسير المفاوضات معها بسلاسة، ولبنان الذي يشهد نزاعا محليا عميقا يعطل فتح الباب رسميا، بينما تونس ما تزال علي بعد مسافة تتجاوز الشهرين من الدخول الي باب الصندوق. ومع أن المحادثات بين الطرفين، تونس والصندوق، بدأت "افتراضيا" منذ فبراير الماضي، ثم "حضوريا" في الشهر التالي، فإن الغرض منها كان أن تعرض حكومة التكنوقراط برنامجا للإصلاح يتوافق مع فلسفة الصندوق، الذي كان من ناحيته معنيا باستطلاع قدرة الحكومة على تنفيذ التزاماتها في حال الاتفاق على قرض. تونس تريد قرضا بقيمة 4 مليارات دولار، وهو مبلغ يقل عن حجم الفجوة التمويلية التي تواجهها موازنة 2022. لكن الحكومة تأمل في أن تستكمل تغطية الفجوة من مصادر أخرى حكومية وخاصة وقد حصلت فعلا في الأيام الأخيرة على موافقة بقرض من الاتحاد الأوروبي بقيمة 300 مليون يورو، وفي الاسبوع السابق وافق البنك الدولي على تقديم قرض بقيمة 400 مليون دولار لتمويل شبكة الحماية الاجتماعية. فماذا عرضت الحكومة؟ وماذا طلب الصندوق؟ ولماذا لم تتقدم الدول العربية الغنية بتقديم إغاثة مالية عاجلة لإنقاذ تونس من استمرار تدهور وضعها المالي؟ وكيف تؤثر عملية طلب المساعدة من الصندوق على "حوار الجمهورية التونسية الجديدة"؟

 برنامج الحكومة للاصلاح

لم تقدم الحكومة لصندوق النقد الدولي برنامجا للإصلاح بمعنى الكلمة، ولكنها قدمت أفكارا عامة، وكانت التفاصيل التي عرضتها غير مكتملة، وتحتاج إلى الكثير من المراجعة الفنية.

وقد تضمنت الأفكار التي طرحتها الحكومة إجراءات غير محددة بخصوص الدعم والأجور والضرائب، لكن معظم المناقشات تركز على عرض التحديات التي تواجهها تونس، سواء فيما يتعلق بخدمة الديون المستحقة عليها، أو علاج العجز المالي للحكومة، وضمان الاستقرار الاجتماعي بتوفير السلع الأساسية بأسعار في متناول أيدي الفقراء والفئات غير القادرة ومتوسطي الدخل. كما عرضت الحكومة على خبراء الصندوق الإجراءات التي تتخذها فعلا لتقليل أضرار التداعيات الاقتصادية للحرب الاوكرانية، ومنها زيادة أسعار السلع الغذائية في السوق المحلي بغرض تقليل العجز المالي، وهي الإجراءات التي تهدف إلى تحقيق زيادة تراكمية في الأسعار بنسبة 30 في المئة خلال السنة المالية الحالية.

ولا تملك الحكومة حتى الآن خطة واضحة لمحاربة التضخم وتقليل البطالة. وعلى الرغم من أن البنك المركزي اضطر إلى زيادة أسعار الفائدة، فإن هذا الإجراء كان موجها في الأساس لحماية قيمة الدينار التونسي ولن يسهم في كبح التضخم.

وقد أدى دخول الاتحاد التونسي للشغل على الخط في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي إلى إضعاف موقف الحكومة، وهو ما يلتقي في مشابهة شكلية مع اقحام جمعية المصارف اللبنانية نفسها في المفاوضات بين لبنان والصندوق، مع اختلاف جوهر الهدف من التدخل. ففي تونس يهدف تدخل اتحاد الشغل إلى حماية مصالح العاملين والموظفين. في حين أن تدخل جمعية المصارف اللبنانية يهدف إلى حماية مصالح المصارف وشبكات تجارة الصيرفة التي تخضع جميعها لنفوذ الجماعات السياسية والميليشيات المسلحة. ومن شأن هذا التدخل، سواء في تونس أو في لبنان أن يطيل وقت المفاوضات مع الصندوق.

طلبات الصندوق

 

طبقا للمراجعة الأخيرة لتقديرات النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يحدد صندوق النقد الدولي ثلاث أولويات للسياسة الاقتصادية، هي أولا احتواء خطر التضخم، وثانيا تحقيق الأمن الغذائي، وثالثا تحقيق الاستقرار الاقتصادي بالتنسيق بين السياسات النقدية والمالية والتجارية. وفي هذه المراجعة يقدر الصندوق معدل النمو في تونس للعام الحالي بنحو 2.2 في المئة منخفضا من 3.1 في المئة  في العام الماضي، مع نظرة مستقبلية غامضة للعام المقبل. كما يقدر الصندوق ان ارتفاع أسعار الغذاء سيكلف الدول المستوردة زيادة العجز في حساباتها الخارجية بما يعادل 1 في المئة من إنتاجها المحلي الإجمالي فوق ما هو عليه حاليا. كما يقدر الصندوق متوسط أسعار النفط في العام الحالي في حدود 107 دولارات للبرميل بزيادة 38 دولارا عن العام الماضي. هذا التقدير يتجاوز سعر النفط المقدر في موازنة تونس للعام الحالي بقيمة 75 دولارا للبرميل.

هذا يعني من الناحية العملية أن تونس في حال استمرار حوارها مع الصندوق بشأن القرض الذي تريده، يجب أن تعيد النظر في افتراضات الميزانية. وهو ما من شأنه أن يسفر عن تسجيل المزيد من الضغوط على كل من الحساب الجاري للمعاملات الخارجية، وعلى الفجوة التمويلية، بسبب ارتفاع قيمة واردات الغذاء والطاقة. ويقدر البنك المركزي التونسي عجز الحساب الجاري في الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي بنسبة (-) 2.7 في المئة من إجمالي الناتج المحلي مقابل 1.7 في المئة فقط بنهاية العام الماضي. لكن هذا العجز سيواصل الزيادة في الأشهر المقبلة نظرا للحاجة إلى تغطية فروق ارتفاع الأسعار بين ما هو وارد في الموازنة وأسعار السوق الفعلية.

الأزمة التي قد تواجهها تونس في الأجل القصير هي أن العجز عن توفير موارد كافية لتمويل احتياجات الاستيراد من المواد الغذائية والنفط ومشتقاته، سيؤدي إلى اختناقات حادة في السوق والمزيد من ارتفاع الأسعار. تونس تحتفظ حاليا باحتياطي عملات أجنبية بقيمة 7.7 مليار دولار فقط، وهو ما يغطي نحو أربعة أشهر من الواردات. هذا المعدل لتغطية الواردات يقع في المنطقة الحرجة جدا ويضعف موقف تونس في الأسواق الخارجية، كما يرفع تكلفة الحصول على تسهيلات قصيرة الأجل لتمويل التجارة. يضاف إلى ذلك أن تونس تحتاج إلى سداد فوائد الديون المستحقة عليها التي تبلغ نحو 1.1 مليار دولار في شهر مايو.

ويشير تقرير خبراء صندوق النقد الدولي الصادر في نهاية المباحثات مع الحكومة في الأسبوع الاخير من شهر مارس الماضي إلى النقاط التالية:

أولا: تشجيع الحكومة على وضع برنامج محدد لتقليل أضرار الحرب الاوكرانية في الأجل القصير، مع ضرورة أن يضمن ذلك البرنامج تحقيق معدل نمو مستدام، وتوفير درجة كافية من الحماية الاجتماعية خصوصا للفئات الضعيفة، وإتاحة هامش أوسع للسياسة المالية لكي تتصرف بقدر أكبر من المرونة في إدارة المالية العامة للدولة.

ثانيا: ضرورة تخفيض العجز المالي في الموازنة، وذلك من خلال إجراءات محددة للإصلاح الضريبي (زيادة الضرائب) وضغط فاتورة الأجور في القطاع العام والحكومة، من خلال تخفيض أعداد العاملين ونسبة الأجور من الناتج المحلي، وإعادة النظر في دعم السلع الغذائية والطاقة (البترول والغاز والكهرباء) تحت شعار "إعادة توجيه الدعم للمستحقين" وهو شعار عام يستخدمه الصندوق في كل وصفات الإصلاح لكل الدول النامية المتعثرة، بمنطق "مقاس واحد يناسب الجميع"، وإعادة هيكلة المؤسسات الاقتصادية التابعة للدولة، وهو إجراء يحمل في جوهره دعوة إلى تبني سياسة الخصخصة وتسريح العمال. 

ثالثا: يعتبر الصندوق أن الإجراءات السابقة "وجوبية"، يمكن التفاوض فقط حول تفاصيلها مع حكومة مستقرة قادرة على تنفيذها، وليس مع حكومة انتقالية أو سلطة تفتقر إلى الشرعية. كما يعتبر أن البرنامج الذي يطرحه للإصلاح الاقتصادي في تونس هو الأساس لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، وزيادة كفاءة المشروعات المملوكة للدولة، وتحسين بيئة تأسيس وإدارة الأعمال للقطاع الخاص التونسي والأجنبي.

ملامح تدهور الوضع الاقتصادي

الوضع الاقتصادي في تونس لا يبعث على السرور مقارنة بالعام الماضي. وتظهر المؤشرات الرسمية عن البطالة (18.5 في المئة)، والتضخم (8 في المئة  تقريبا)، والعجز في الميزانية (9.3 مليار دينار)، والعجز التجاري (4.3 مليار دولار) تدهورا مستمرا منذ بداية العام الحالي حتى الآن. وتقدر الحكومة الفجوة التمويلية بما يقرب من 20 مليار دينار (6.8 مليار دولار)، في حين أنها تطلب من صندوق النقد قرضا بقيمة 4 مليارات دولار فقط. هذا يعني انها ستظل في حاجة إلى اقتراض ما يقرب من 3 مليارات دولار من الخارج. ونظرا لأن تقديرات الحكومة لفجوة التمويل تقوم على افتراضات غير عملية، فإن الحاجة إلى إعادة تقدير الفجوة التمويلية سيرفع حجم التمويل المطلوب إلى 8 مليارات دولار على الأقل، على أن يتم تغطية نصفها بواسطة قرض الصندوق والنصف الاخر بواسطة قروض وتسهيلات من دول ومؤسسات تمويل أسواق الأوراق المالية (سندات باليورو او الدولار) إضافة إلى الاقتراض المحلي من البنوك. وتقدر مؤسسة "فيتش" للتصنيف الائتماني أن زيادة الدين العام واستمرار تدهور عجز الميزانية والضغط بشدة على التصنيف الائتماني لتونس الذي يعادل حاليا "CCC" لا يضمن لتونس الحصول بسهولة على تمويل بتكلفة معقولة من أسواق المال العالمية.

ونستطيع أن نستنتج ما يلي:

 

أولا: لن تتمكن تونس من الحصول على قرض الصندوق بدون دعم الولايات المتحدة. وقد صرح وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن بلا مواربة بأن بلاده تشعر بالقلق إزاء الإجراءات غير الديمقراطية التي اتخذها الرئيس سعيد. لكن موقفها النهائي ما يزال يعتريه الغموض بشأن مسألة إعادة المؤسسات التي أطاح بها الرئيس، بعد أن حصل على تأييد الأجهزة الأمنية في الدولة، مقابل أموال دفعها طرف ثالث على الأرجح.

ثانيا: من الناحية الفنية لن يوافق مجلس مديري صندوق النقد على تقديم قرض للحكومة ضعيفة. وقياسا على الحالة اللبنانية، فإنه من المرجح ألا تجري أي مفاوضات جادة بين تونس والصندوق حتى ظهور نتائج الاستفتاء على مشروع الدستور الجديد الذي لم يكتب بعد انتظارا لما سيتمخض عنه ما يسمى " الحوار الوطني" الذي اختار الرئيس التونسي أطرافه، قَبِل من قَبَل ورفض من رفض. ولذلك فإننا نستبعد حدوث اي تحرك جدي حتى أوائل أغسطس القادم على أقل تقدير.

ثالثا: ونظرا لتفاقم الوضع الاقتصادي داخل تونس، تراجع الدينار، وارتفاع التضخم والبطالة، ونقص السلع الغذائية، وزيادة العجز المالي والتجاري، فإن المناخ الحالي ربما يتطلب أن تبادر الدول العربية النفطية، التي أصبحت الملاذ الآمن للإنقاذ، بتقديم حزمة مساعدات عاجلة إلى تونس تكون مشروطة باصلاحات سياسية، لمنع انهيار الاوضاع بشكل عام.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق