أحجية تركيا بين المنظور الصفري وغير الصفري في العلاقة مع سوريا

20/05/2022 04:10

بقلم/ الدكتور وليد عبدالحي

جاء التدخل التركي المباشر في الأزمة السورية خلال عقد كامل تقريبا بعد فترة من التقارب السوري التركي والزيارات المتبادلة بين طرفي العلاقة ،ناهيك عن تبادل تجاري وصل الى حوالي 2.5 مليار دولار ترجح الكفة التركية فيه ،فقد كان حجم الصادرات التركية لسوريا يزيد على 1.7 مليار دولار مقابل صادرات سورية لتركيا بحوالي 800 مليون دولار، يضاف لذلك استثمارات تركية تصل قيمتها عند بدء الازمة الى حوالي 740 مليون دولار، الى جانب الاستفادة التركية من تجارة الترانزيت التركية والتي تتمثل في عبور حوالي 100 الف شاحنة تركية الاراضي السورية متجهة نحو دول الجوار مقابل ما يعادل نصف هذا الرقم في الجانب السوري نحو تركيا.

كل ما سبق شكل مبررا لطرح الاتراك (داود أوغلوا) منهجه الدبلوماسي القائم على تصفير المشاكل مع البيئة الاقليمية، الى جانب التناغم السياسي في موضوع الشرق الاوسط والقضية الفلسطينية.

جاءت الأزمة لتمحو ذلك كله، وتبنت تركيا منظورا استراتيجيا مبطنا وهو إعادة الألق لمجد عثماني في المنطقة، ويبدو ان اردوغان بخاصة مع تنامي التيارات الدينية في المنطقة سواء عبر الانتخابات النيابية او عبر التنظيمات السرية او شبه العلنية والعلنية ، وهو ما غذى نزعة العثمنة لدى اردوغان والذي سايره فيه داود أوغلو الى حد ما، لكنه فارقه وانتقده فيما بعد.

في الفترة الحالية، هناك نقاط "توافق" في التوجهات السورية والتركية "المعلنة"، لكنها لا تدفع الطرف التركي حتى لتبني المنظور غير الصفري (حيث تجتمع المصالح المشتركة والمتناقضة ويتم توسيع المشترك للتضييق على المتناقض)، بل يبدو ان تركيا تمترست في خندق المنظور الصفري(ما يكسبه طرف يخسره الطرف الآخر)، ويكفي التوقف عند المظاهر التالية:

أ‌- تتوافق المصلحة التركية والسورية في منع قيام اي نمط من انماط الكيانية الكردية، سواء في سوريا او العراق او ايران او تركيا ذاتها،وفي الوقت الذي تعاني فيه تركيا من نشاطات حزب العمال الكردي ومن طموحات " قسد السورية" ومن وساوسها بخصوص الدعم الامريكي والاسرائيلي للطموح الكردي ، الا ان هذه النقطة رغم اهميتها لا تشكل موضع " تأمل" وضغط على تركيا للتنسيق مع سوريا والتوافق على خطة تفيد الطرفين، بل ان السياسات التركية في الشمال السوري (التلاعب بالتركيبة السكانية وبعض التصرفات ذات المدلول الرمزي كالتتريك أو غيرها) تعزز النزعة الصفرية على حساب غير الصفرية في العلاقة مع سوريا.

ب‌- بين الحين والآخر تطل علينا وسائل الاعلام التركية عن اعتقال خلايا لداعش او لتنظيمات ارهابية تتشارك فيها مع سوريا في العداء لهذه التنظيمات،ومع ذلك لا يبدو ان ذلك يردم جزءا من الهوة بين البلدين ليتقاربا في مجال إدارة هذا الملف.

ت‌- ان تطور العلاقات التجارية الذي كان سابقا –واشرنا له- كان لمصلحة تركيا في كل جوانبه،فلم لا يُذَّكر ذلك صانع

القرار التركي ليعاود حساباته، بخاصة ان مشروع "العثمنة" او الاسلمة او التديين للمنطقة تم شله ، فلماذا التشبث بالمنظور الصفري مع سوريا تحديدا.

ث‌- استدارت تركيا في كل علاقاتها الدولية بين خانات المنظور غير الصفري الا مع سوريا ، فمن خصام مع روسيا الى حد اسقاط طائرة عسكرية لها، واغلاق مجالها الجوي في وجه الطيران الروسي العابر لسوريا الى مستويات تنسيق معها في العديد من الملفات آخرها التناغم مع روسيا في طرح فكرة عرقلة عضوية فنلندا والسويد في الناتو، والترحيب الروسي بها وسيطا في الحرب الاوكرانية الروسية، ثم اصرار تركيا على الاستمرار في شراء الغاز الروسي ...الخ ، كذلك تتشابك تركيا مع الولايات المتحدة في ملفات عديدة مثل الموقف من القدس وموضوع الجولان والدعم الامريكي للاكراد ...الخ لكنها من زاوية اخرى تنسق معها في ملفات أكثر ليس اقلها سياسات الناتو والتجارة والسلاح ...الخ ، وتتشنج علاقات تركيا مع اسرائيل أحيانا ولكن ذلك لم يزحزح اسرائيل عن مركزها كالشريك التجاري والسياحي الاول لتركيا في المنطقة، بل وان التنسيق الامني بينهما لم يتوقف طبقا لما اعلنه بكل صراحة اردوغان، فلماذا تكون النظرية غير الصفرية مع الكل دون سوريا، انها جانب من جوانب الاحجية.

ج‌- الموقف من الاخوان المسلمين: إذا فسرنا القطيعة السورية التركية انها بسبب " الاخوان المسلمين"، فكيف نفسر أن خصوم الاخوان المسلمين في العالم العربي من انقلابيين او خليجيين يرتحل اردوغان إليهم ضيفا عزيزا ويطلق التصريحات المتفائلة بمستقبل العلاقات معهم، بل ويطوي اردوغان صفحات الانقلاب في مصر وقضية خاشقجي وحروب الاعلام الشرسة التي رافقت كل ذلك، بل ان بعضهم اصبح اما مساندا لسوريا او معيدا للعلاقة معها ..لا بل ان الاخوان المصريين بدأوا يتحسسون الضغوط الناعمة احيانا وربما تتخوشن لاحقا عليهم .

إن براغماتية اردوغان المفرطة تزيد المراقب حيرة في فهم الاحجية حتى قبل فك طلاسمها، فهل ثمة " امرا" سريا جرى التوافق عليه ولا تُطِلُ سوريا عليه؟ وهل لذهب المعز القطري أي دور في ذلك؟ ام ماذا؟

لا اظن أن اردوغان تنقصه المعرفة والخبرة، ولا اظنه مغرم بالمنظور الصفري في العلاقات الدولية ودليل ذلك كل ما سقناه من أمثلة ، ففي الخيارات الاستراتيجية لا ارى فرقا كبيرا بين الخيارات السورية والايرانية، فلماذا لا تنقطع الزيارات المتبادلة بين ايران وتركيا، بل وتتنامى العلاقات التجارية وبطموحات عريضة من الطرفين، فلماذا مع سوريا تسود النظرية الصفرية؟ لا أمتلك تفسيرا أطمئن له ، ولا اقبل التفسير بان اردوغان " عميل" لهذا او ذاك، ولا ارى ان العامل الشخصي له دور يكفي لطمس اعتبارات استراتيجية مهما كان وزن العامل الشخصي تجاه الرئيس السوري..إنها أحجية..أو ربما يتحين الرئيس التركي فرصة ليركب فيها جواد النظرية غير الصفرية متجها صوب دمشق وتصبح درجة الاتساق في سياساته كبيرا....وربما كبيرة.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق