حرب روسيا علي أوكرانيا تفرض على أمريكا تغيير قواعد لعبتها في الشرق الأوسط: السعودية مثالا

20/03/2022 05:14

بقلم/ الدكتور إبراهيم نوار

بينما كان بايدن ينقل المجهود  الاستراتيجي الرئيسي للولايات المتحدة إلى جنوب شرق آسيا لمواجهة صعود الصين، فاجأه فلاديمير بوتين بغزو أوكرانيا، فانقلب بايدن على عقبيه ينشد ود حلفائه القدامى في الشرق الأوسط، الغاضبين من سياسته تجاه إيران، والذين يمسكون بمفاتيح أمن الطاقة في العالم.

الحرب الأوكرانية فرضت على الولايات المتحدة تغيير قواعد لعبتها في الشرق الأوسط. وقد ظهرت ملامح هذا التغيير خلال فترة قصيرة تعد بالاسابيع وليس بالأشهر. أول تلك التغييرات أن العقوبات الأمريكية جعلت العالم أشد احتياجا لنفط إيران؛ فأصبحت واشنطن أكثر استعدادا لرفع العقوبات النفطية عنها، بما يحقق إطلاق النفط الإيراني إلى الأسواق، للإسهام في توفير إمدادات تعوض نقص الإمدادات الروسية. ومع أن رفع إحياء الإتفاق يتعارض مع مصالح السعودية والإمارات، فقد توجهت واشنطن إلى العاصمتين فى محاولة لإقناعهما بإطلاق الإنتاج إلى أقصى طاقة متاحة وتشغيل الطاقات غير المستغلة التي يمكن أن توفر للسوق فورا وبدون الحاجة إلى استثمارات جديدة حوالي 4 ملايين برميل يوميا. ولما فشلت تلك المحاولة باستخدام أطراف إقليمية، ليس من بينها إسرائيل، فإنها لجأت إلى بوريس جونسون، الذي زار الإمارات والسعودية للحصول على وعد بزيادة إنتاج النفط لكنه عاد إلى لندن خالي الوفاض. كذلك عادت الولايات المتحدة تتودد إلى مصر بعد أن كانت قد عاقبتها باقتطاع جزء من المعونة العسكرية، وفتحت الباب لحوار معها بشأن إمدادها بطائرات إف-15، وهي مقاتلات اعتراضية متنوعة المهام  يمكن أن تضيف قدرات هجومية يحتاج إليها سلاح الجو المصري، سواء في حماية مصالح الأمن القومي في جنوب الحدود أو في غربها. ومن الملاحظ أن الحوار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن التغييرات في قواعد اللعبة الأمريكية في الشرق الأوسط يعاني في الوقت الحاضر من حالة من الجفاء، تشترك فيها مع إسرائيل السعودية والإمارات والبحرين. وفي إطار هذا الجفاء فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي يبذل مجهودا دبلوماسيا للوساطة في الحرب الاوكرانية مستقلا عن الولايات المتحدة، يحاول من خلاله المحافظة على مصالح إسرائيل مع روسيا، وتعزيز دور إسرائيل في ميادين القيادة الإقليمية العسكرية وغير العسكرية.

نفط السعودية ودم خاشقجي

الصورة التي رسمناها أعلاه للتغييرات في قواعد اللعبة الأمريكية في الشرق الأوسط بعد حرب أوكرانيا تحتوي في حقيقة الأمر على مجموعة من "العُقد" التي تحتاج إلى حل، وليس عقدة واحدة. وسوف نتناول هنا فقط "العُقدة" السعودية التي تحاول واشنطن أن تجد لها حلا يكون رصيدا للولايات المتحدة في حرب أوكرانيا وليس عبئا عليها. ومع أن السعودية ما تزال تعتبر نفسها حليفا طبيعيا لأمريكا، إلا أنها، نظرا لموقف إدارة بايدن، لا ترى أن علاقة التحالف تسير في الاتجاه السليم، وأنها لا يمكن أن تكون كذلك من طرف واحد فقط، حيث أن واشنطن ما تزال تعطي أولوية للتحقيق في المسؤولية عن ذبح خاشقجي، فوق حاجتها لتحقيق مصالحها في السعودية.

روسيا والنفط والسلاح

من الصعب جدا اقتطاع روسيا من العالم، وإلقائها وراء جبال الثلوج في القطب الشمالي؛ ذلك أن روسيا بموقعها ومواردها لا يمكن اقتطاعها أو الاستغناء عنها، فروسيا ليست بوتين. ولهذا فإن الولايات المتحدة تواجه تحديا كبيرا في استخدام سلاح العقوبات ضد بوتين بما يؤدي لهزيمته عسكريا وسياسيا. أهم الأهداف التي يسعى بايدن إلى تحقيقها هو قطع شرايين الطاقة التي تربط روسيا بأوروبا؛ فهو إذا نجح فإنه يضرب عصفورين بحجر: يحرم روسيا من أهم مصادر تمويل ميزانيتها المدنية والعسكرية، و يبعد  أوروبا عن الارتباط الاستراتيجي بروسيا من خلال الطاقة وغيرها. ومن هنا جاءت ضرورة تغيير السياسة الأمريكية تجاه دول مثل فنزويلا والسعودية وإيران، بالتودد إليها، وتجاهل توصيات مؤتمر المناخ العالمي الأخير cop-26 التي تتركز حول هدف تخفيض الانبعاثات من الوقود الكربوني إلى الصفر، وتشجيع شركات النفط والغاز على التوسع في الاستثمار، وتحفيز البنوك على تقديم المزيد من التمويل اللازم لذلك. وعندما تستخدم الولايات المتحدة سلاح الطاقة ضد روسيا، فإنها لا تنجح إلا إذا كانت السعودية شريكا لها باعتبارها أكبر مصدري النفط في العالم، وتملك طاقة إنتاج غير مستغلة متاحة للتشغيل فورا، وتحتاج إلى استثمارات إضافية قليلة جدا من أجل بناء طاقات إنتاجية جديدة. ببساطة تريد الولايات المتحدة استخدام السعودية كمنصة لتحقيق أهدافها ضد روسيا. المعضلة في تحقيق ذلك هي أنها تتجاهل مصالح السعودية وتريد الحصول على شراكتها مجانا.

المصالح الاقتصادية

تتنوع المصالح الاقتصادية بين الولايات المتحدة والسعودية في مجالات التجارة، بما في ذلك تجارة السلاح والحبوب الغذائية والاستثمار والتكنولوجيا. وقد بلغت واردات الولايات المتحدة من النفط السعودي في نهاية العام الماضي 472 ألف برميل يوميا. وتأتي السعودية في المركز الثالث بنسبة 5 في المئة تقريبا من الواردات الأمريكية بعد

كندا والمكسيك. وتستحوذ كندا وحدها على أكثر من 51 في المئة من السوق، بكمية بلغت في العام نفسه 4.1 مليون برميل يوميا. ولذلك فإن أهمية النفط في التجارة المشتركة بين البلدين ليست كبيرة. ففي العام الماضي بلغ متوسط الصادرات السعودية حوالي 6.22 مليون برميل يوميا، وهو ما يعني أن حصة السوق الأمريكية تعادل 7.5 في المئة تقريبا من الصادرات السعودية. وعلى العكس من ذلك فقد بلغت حصة الصين من صادرات النفط السعودي حسب إحصاءات الجمارك الصينية حوالي 1.75 مليون برميل يوميا بما يعادل 28 في المئة من صادرات السعودية، أي أربعة أضعاف نصيب الولايات المتحدة. وتعتبر السعودية هي المورد الأول للنفط إلى الصين، حيث تستحوذ وحدها على 17 في المئة من الواردات الصينية. و لذلك فإن قوة المصالح النفطية المتبادلة بين السعودية والصين من المرجح أن تترك أثرا على موقف الرياض من الإنضمام إلى العقوبات الأمريكية ضد روسيا. وتحاول الصين، وهي أكبر مستورد للنفط في العالم، منذ عام 2018 تطوير آلية لتسوية مدفوعات النفط باليوان بدلا من الدولار في سوق شنغهاي الدولية للنفط، وذلك تجنبا لمرور أموال النفط عبر النظام النقدي الأمريكي الذي تستخدمه الولايات المتحدة سلاحا سياسيا ضد خصومها. وقد ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال في 15 مارس الحالي أن البلدين يدرسان تسوية مدفوعات النفط بين الصين إلى السعودية باليوان وليس بالدولار. وتدرس الصين التحول إلى اليوان أيضا في تجارتها النفطية (كليا أو جزئيا) مع العراق وعمان و الإمارات. كما أنها خطت خطوات كبيرة على هذا الطريق مع روسيا ثاني أكبر مورديها للنفط بعد السعودية. وليس من المرجح أن تنضم أي دولة عربية نفطية إلى نظام العقوبات الأمريكية ضد روسيا. وربما كانت زيارة وزير الخارجية الإماراتي إلى موسكو في أعقاب الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء البريطاني إلى أبوظبي والرياض لحثهما على زيادة إنتاج النفط والغاز والانضمام للعقوبات وادانة الغزو الروسي لأوكرانيا، لغرض إبلاغ روسيا بالموقف الخليجي الداعي إلى ضمان أمن الطاقة والغذاء وتسوية الأزمة الأوكرانية بالطرق السلمية وليس بالحرب. ومع أن من مصلحة السعودية زيادة طاقات الإنتاج وتوسيع نطاق الاستثمارات القائمة خصوصا مع اتجاه العالم لتخفيض الاعتماد على النفط في منتصف القرن الحالي، فإنه ليس من مصلحة السعودية تسييس مصالحها البترولية.

أما في مجال تجارة الحبوب الغذائية فإن الولايات المتحدة تعتبر من أهم مصدري الذرة للسعودية بنسبة 23 في المئة، في حين تعتمد السعودية بنسبة أكبر على إمدادات القمح والشعير من دول البحر الأسود بما فيها بولندا وأوكرانيا. وتستحوذ دول البحر الأسود والاتحاد الأوروبي على حوالي 80 في المئة من إمدادات الحبوب إلى السعودية. وتسعى الولايات المتحدة إلى زيادة نصيبها من سوق الحبوب السعودية على حساب أوكرانيا في ظروف الحرب الراهنة. وتقدر وزارة الزراعة الأمريكية احتياجات السعودية من القمح في موسم 2021/2022 بحوالي 3 ملايين طن. ومن الملاحظ أن السعودية ضاعفت مشترياتها من القمح الأوكراني، خلال الفترة من يوليو إلى نهاية يناير، بمقدار 11 مرة، إلى 690 ألف طن. لكن اضطراب الإمدادات منذ بداية الحرب سيؤثر سلبا على الشحنات المتعاقد  عليها. وفي مقابل تراجع إمدادات الغذاء من مناطق سهول البحر الأسود،  فإن السعودية لديها الكثير من الخيارات المتاحة التحول إلى موردين آخرين في الهند والأرجنتين والبرازيل للحصول على الإمدادات الكافية.

تجارة السلاح

تعتبر سوق السلاح السعودية هي البقرة الحلوب التي تتغذى منها شركات الصناعات العسكرية الأمريكية. وطبقا لتقديرات معهد "سيبري" لأبحاث السلام، فإن السعودية استوعبت 24 في المئة من صادرات السلاح الأمريكية خلال الفترة من عام 2016 إلى نهاية العام 2020. ويقدر المعهد ان قيمة المبيعات الفعلية الى السعودية خلال تلك الفترة بلغت 37 مليار دولار. ولا تتضمن أرقام المبيعات قيمة خدمات الصيانة والتدريب والاستشارات وغيرها من الخدمات العسكرية التي ترتبط بمبيعات السلاح. وتعتمد السعودية على التسليح الأمريكية بنسبة كبيرة، خصوصا مع استمرار حربها في اليمن. وتشمل ترسانة الأسلحة السعودية طائرات إف-15 وبطاريات صواريخ ثاد وباتريوت، كما تمثل الأسلحة الأمريكية ما يعادل 75 في المئة من ترسانة الأسلحة التقليدية التي تستخدمها القوات السعودية. ومع أن الإمدادات الأمريكية لا تواجه خطرا من منافسين حقيقيين، إلا أن سياسة واشنطن بربط مبيعات الأسلحة والذخيرة بشروط سياسية ربما تتسبب في لجوء ببطء السعودية إلى موردين جدد. ومع استمرار الحرب في اليمن فإن حاجة السعودية إلى وسائل متطورة للدفاع الجوي قد تدفع بها إلى موردين آخرين مثل روسيا وتركيا والصين. ومن ثم فليس من مصلحة السعودية في الوقت الراهن أن تتخذ مواقف تتعارض مع  خياراتها الممكنة في تنويع مصادر السلاح، خصوصا مع زيادة احتمالات تسارع سباق التسلح في المنطقة فور نجاح مفاوضات إعادة العمل بالاتفاق النووي الإيراني.

 

*المصدر: القدس العربي



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق