الدكتور محمد المهدي...يكتب: حالة أميبية أم تثبيت عند الموقف المراهق ؟

12/01/2022 02:58


د. محمد المهدي

عبارة تقولها بفخر كثير من الفتيات والنساء , وتحتفي وتنتشي بها جماعات ال Feminist , وتشجع كثيرا على شيوعها , فهل ياترى هي حالة من النضج والإستقلال والقوة لدى الفتاة أو المرأة أم أنها أقرب إلى الموقف الإنعزالي أو الإنسحابي الرافض بعناد وتصلب لوجود آخر تكتمل به أو تتكامل معه أو اليائس من هذا الوجود ؟ .

وللإجابة عن هذا السؤال (بعيدا عن الإرهاب الفكري لمجموعات الإنعزال أو الإنسحاب أو الرفض أو الكراهية للجنس الآخر من الفيمينست والزعيمات وغيرهن) نلجأ إلى علمين مهمين جدا في حياتنا وهما علم البيولوجي (الأحياء) وعلم النفس ثم نختم بالرأي الديني في الموضوع . ففي علم البيولوجي (والذي تكرهه كثير من الفتيات المستقلات المستقويات) تعلمنا أن الأميبا كائن أحادي الخلية يتكاثر بالإنقسام الذاتي (الإنشطار) ولا يحتاج للتزاوج , وهذا الموقف الأميبي يعتبر حالة بدائية من الوجود الحي , وقد تطور مع تطور الأحياء ووصل هذا التطور في النبات والحيوان والإنسان إلى وجود مكون ذكري ومكون أنثوي يتزاوجان ويتكاثران ويعيشان حياة طبيعية ثرية مليئة بالتنوع في الأشكال والألوان والحالات . فإذا جاءت اليوم فتاة  لتقول أنا كائن قوي ومستقل بذاته ولا يحتاج لآخر , فإنها تتماهى تماما مع الحالة الأميبية البدائية في الوجود الحيوي , ومع هذا تعتقد ( جهلا أو غرورا أو إيحاءا أو استلابا فكريا )أنها تتماشى مع متطلبات الحداثة والعصرية . ومن اللافت للنظر أن كثير من الفتيات المستقويات المستقلات كنّ يكرهن مادة الأحياء عموما ويكرهن بوجه خاص درس التكاثر في الكائنات وبالذات في الحيوان والإنسان ويعتبرن هذه العملية سلوكا حيوانيا مقززا , وهي لا ترى في الكائن الذكوري سوى حيوان بدائي ليس له هم إلا الطمع في اصطياد أنثى يتلهى بها ثم يرميها على قارعة الطريق , ويترتب على هذا الموقف المتقزز المرتاب الخائف عملية نفور وهرب أو انسحاب من التلاقي بآخر أو الإكتمال به أو التكامل معه بشكل متطور وراق , ثم تجد في الحالة الأميبية أحادية الوجود والجنس ملاذا آمنا لها وتعلن ذلك بفخر وابتهاج وتجد من يهلل لها من بنات جنسها اللائي عانين في تعاملهن مع نماذج ذكورية غير سوية أو مضطربة فعممن الحكم على كل الذكور , وكلمة الذكور هنا مقصودة , فهن يقمن بجنسنة الرجال إلى ذكور فقط ولا يرين الرجل ككائن إنساني جدير بالتكامل أو التعايش معه . ولتكتمل هذه الحالة الأميبية وتستقر تقوم مجموعات ال Feminist    بشيطنة الرجال , كل الرجال , وتشويههم في وعي الفتاة المستقوية المستقلة حتى لا تقترب منهم تزاوجا أو تكاثرا على اعتبار أن هذه أنشطة بدائية حيوانية مسكونة بالتقزز والإشمئزاز والإستغلال من لدن هذه الكائنات الذكورية الشيطانية , ويترتب على ذك أن تعيش ال Strong Independent Woman    وحيدة بقية عمرها , وهي تتباهى وتفخر بذلك . وقد يساهم سلوك بعض الرجال أو كثير منهم في دفع الفتاة أو المرأة بوجه عام إلى تفضيل هذه الحالة الأميبية (أحادية الوجود) حين تآكلت معاني الرجولة وتضعضعت القدرة على تحمل المسئولية والإحتواء وزادت مظاهر النذالة والإعتمادية والإستغلال والخيانة , مما جعل الكثير من الفتيات لا يرين في الرجل العصري أية ميزة تدفعهن للإقتران به . وقد تجد المرأة نفسها وحيدة وسط مجتمع لايأبه بها فتضطر للإعتماد على نفسها في كل شئ لكي تعيش وتستمتع بحياتها وتحمي نفسها , وهذا وضع لا تلام عليه إلا إذا أصرت عليه رغم تغير الظروف وظهور شريك مناسب للحياة .

فإذا انتقلنا إلى علم النفس , وهذا علم تحبه الفتيات والنساء , فإننا نجد أن الموقف الطفولي الإعتمادي يتلخص في عبارة : " أنا أحتاجك دائما " , والموقف المراهق المتمرد يتلخص في عبارة : " أنا لا أحتاجك " , أما الموقف الراشد الناضج فيتلخص في عبارة : " كل منا يحتاج الآخر " . وإذا عدنا إلى ال Strong Independent Woman   فإننا نجدها تتماهى مع موقف المراهق المتمرد الذي يقول " أنا لا أحتاج أحدا " , وقد يكون هذا نوع من التثبيت عن مرحلة المراهقة أو النكوص إليها . والمراهق حين يقول ذلك فإنه يكون دفاعا نفسيا ضد محاولة الأبوين إلغاء إرادته وخياراته , وهو مازال قريب عهد من الطفولة ولديه قلق وجودي من حالة الإلغاء والإحتواء الوالدي , لذلك يبالغ في إعلان القوة والإستقلال وربما التمرد ليحمي ذاته النامية . والمفترض طبقا لعلم النفس التطوري أن يتطور هذا الموقف المراهق بعد عدة سنوات حين يدخل الشخص في مرحلة الرشد ويطمئن على هويته فيتحول إلى : "كل منا يحتاج الآخر" , وهذا التطور في فلسفة وجود الكائن الراشد يسمح له بالدخول في المرحلة التي وصفها عالم النفس إريك إريكسون ب "الحميمية مقابل العزلة " , أي أن الشخص حين يغادر المراهقة ويدخل في مرحلة الشباب يصبح لديه ميل للإقتران بآخر , وهو ما يترجم بالحب والزواج والإنجاب , وهذا هو الموقف الإيجابي في التطور والنمو الإنساني طبقا لإريكسون , أما

إذا اختار الشخص (رجلا كان أو امرأة) أن ينعزل ويعيش وحيدا فإن هذا توجه يعتبره إريكسون سلبيا انسحابيا ويعطل التطور في بقية المراحل .

والفتاة المستقوية المستقلة نوعان : نوع كاذب , وهي المستقوية المستقلة بإمكانات أسرتها فهي بالتالي لا تحتاج لرجل آخر في حياتها فقد وفر لها أبوها أو أخوها كل احتياجاتها بشكل مطلق , وهي عادة تكون شديدة الإرتباط بأسرتها وتجد فيها الحب والعطاء غير المشروط , لذلك لا تأمن أن تتوجه نحو الإرتباط بآخر زواجيا لأن ذلك يحمل تهديدا بحب مشروط لا تأمنه وتهديدا بتحمل مسئوليات زوج وأولاد وهي بطبيعتها تكره المسئوليات وتتهرب منها وتسعد بوجودها في كنف الأسرة الآمن الملبي لكل احتياجاتها بلا شروط ولا مسئوليات , وتسعد بوجودها المستقل في غرفتها أو على سريرها في أحضان "دباديبها" و "موبيلاتها" و"آي بادها" و "لآب توبها" و"ملابسها" و"شوزاتها" و"بارفاناتها" و"اكسسواراتها" , وتخرج من وقت لآخر لتقابل صاحباتها في النادي أو الكافيه . أما النوع الآخر فهي المستقوية المستقلة الحقيقية , وهي فتاة نجحت دراسيا بشكل جيد وربما حصلت على الماجستير أو الدكتوراه , وحصلت على دورات متميزة في مجال تخصصها , ونجحت مهنيا في عملها , وربما نجحت أيضا اجتماعيا من خلال علاقات اجتماعية مميزة , وهي متألقة ونشيطة وناجحة ومتحققة , ولذلك تشعر أنها مستغنية وكاملة ولا تحتاج لآخر في حياتها تكتمل به أو تتكامل معه . وهي شديدة الإعتزاز بنفسها وبرأيها ولا تسمح لأحد بالتدخل في حياتها , وشخصيتها القوية تجعلها مهابة بين النساء والرجال , وهذه الصورة تجعل من الصعب عليها دخول تجربة الزواج على الرغم من وجود صداقات ذكورية عديدة في حياتها ولكنها لا تسمح بأكثر من الصداقة , وهي ترسم حدودا لعلاقاتها بالآخرين وتكون حساسة جدا لأي شئ يتعلق باستقلالها ونجاحها وتألقها وتميزها , وربما تعيش حالة من الزهو النرجسي بكل ما حققته من نجاحات .

هذه النماذج المستقوية المستغنية الكاملة المستقلة لا تحتمل فكرة الإحتياج لآخر , والزواج لا يناسب هذه التركيبة , فالزواج فلسفته "الإقتران بين شخصين من جنسين مختلفين لدى كل منهما فائض يحتاجه الآخر" , والزواج كلاقة تكامل واكتمال مع آخر , وعلاقة تكافلية تعاونية مليئة بمعاني السكن والمودة والرحمة والأخذ والعطاء المتبادل , وهي علاقة تناغم بين كائنين ربما ينتميان لثقافات مختلفة أو خلفيات اجتماعية متباينة أو متقاربة . والعيش الوحيد أقرب للعزف السولو , أما الزواج والأسرة فهو أقرب إلى الأوركسترا .

وربما يفهم البعض خطأ أننا ننكر على البعض (نساءا كانوا أم رجالا) أن يختاروا العيش بمفردهم , فهذا اختيار حر ربما يناسب بعض الناس ويرتاحون إليه ويجدون معنى لحياتهم في أشياء أخرى عظيمة وثرية , وهناك الكثيرون من عظماء وعظيمات التاريخ الإنساني لم يتزوجوا وعاشوا حياة حافلة بالمعنى والإنجاز والعطاء , ولكننا هنا نناقش فكرة الدعوة للإستقواء والإنعزال والإنسحاب واعتبار كل ذلك ميزة , لأن هذا جعل الكثيرات من الفتيات يعزفن عن الزواج أو يهربن منه أو يهبنه , ونفس الوضع بالنسبة للشباب الذكور , وإن كانوا لا يعلنون مثل الفتيات استقوائهم واستغنائهم واستقلالهم بعيدا عن المرأة ذلك الكائن الذي تشيطن أيضا في وعيهم فأصبح مرادفا للكذب والخداع والخيانة والإستغلال والنكد والتفاهة , وكانت النتيجة النهائية هي وجود أعداد كبيرة من الشباب بلا زواج , وأعداد أكبر من الفتيات بلا زواج , وربما يقول قائل : " وما الضرر في ذلك ؟ " , والحقيقة أن هناك الكثير من المشكلات النفسية والإجتماعية والأخلاقية نتجت عن هذا الوضع المنافي للفطرة الإنسانية وللتطور البيولوجي والنفسي يضيق المقام هنا عن ذكرها ولكننا نوجزها في محاولات تلبية الإحتياجات البيولوجية والنفسية بشكل مشوه خارج مؤسسة الزواج وما ينتج عن ذلك من تشوهات اجتماعية وأخلاقية وتدهور في الوجود الإنساني .

وقد انتبه الكثيرون من علماء النفس في الغرب لخطورة انتشار مفهوم ال Strong Independent woman  خاصة إذا كان يحمل بريقا لدى الفتاة العصرية أو يتم الترويج له على أنه الصيغة الأفضل للحياة , لأن هذا المفهوم يرسخ لحالة من الإغتراب الأحادي والعزلة . وفي نفس الوقت ليس مطلوبا أن تكون الفتاة ضعيفة أو اعتمادية أو متعلقة في رقبة رجل طول الوقت , ولهذا نقترح بديلا صحيا سويا قد نسميه المرأة " الفعّالة " , أو " المرأة الناجحة " أو " المرأة الإيجابية " , وهذه التسميات تحمل معاني القوة والإستقلال والإيجابية والفعالية للمرأة , وهي صفات مطلوبة خاصة في الظروف العصرية الصعبة , ولكنها لا تنفي المرونة والتفاعل مع الآخر , والأخذ والعطاء بلا حساسية , وليس فيها الندية والعداء للجنس الآخر أو التوجس والهرب من أي آخر , أو إدمان الوحدة .

وأخيرا نجد أن الموقف الإستقوائي الإستقلالي الهروبي الإنسحابي الإنعزالي لدى المرأة أو الرجل لا يتفق مع الآية الكريمة في قوله تعالى : " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة " .



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق