الكاتب الصحفي سليم عزوز ..يكتب: محمد الأمين.. وتصفية الحزب الإماراتي المصري!

11/01/2022 04:10


سليم عزوز

 

ماذا هناك؟!..

 

فبعيداً عن التكييف القانوني لقضية إمبراطور الإعلام محمد الأمين، وبعيداً عن نهايات القضية بالإدانة، أو البراءة المتوقعة - من وجهة نظري في نهاية المطاف - فإن واقعة القبض عليه وحبسه بتهمة الاتجار بالبشر، والعمل على اغتياله معنوياً، أمر لا يمكن النظر إليه باعتباره قانونياً خالصاً بعيداً عن السياسة وأهل الحكم!

 

عندما اطلعت على القانون المصري الخاص بالاتجار بالبشر رقم 64 لسنة 2010، راعني اتساع الجريمة لتشمل أموراً متفاوتة، وبين جريمة بيع البشر بهدف الاستخدام أو الاسترقاق أو السخرة، واستئصال الأعضاء والأنسجة البشرية، وبين استخدامهم في التسول والمواد الإباحية، وأعمال الدعارة أو الاستخدام الجنسي الخاص إذا كان هذا عن طريق الاختطاف أو الاحتيال أو استغلال السلطة أو استغلال الضعف والحاجة أو تلقي مبالغ مالية!

 

وبحسب المنسوب للمتهم، وفق بيان النيابة، أنه استغل دار أيتام أنشأها في الإيقاع بقاصرات أو محاولة الإيقاع بهن، أو مراودة قاصرات عن أنفسهن. وقد قرأت لأحد الأشخاص قوله إنه من أبلغ النيابة العامة بهذه القضية، بعد تقدمه ببلاغ عن الضحايا لوزارة التضامن الاجتماعي الرقيبة على هذه الدور، قبل شهرين، فلم تحرك ساكناً!

ويستطيع أي محام متمكن في مهنته أن يبطل هذه الاتهامات بالإجراءات القانونية العادية، وعندما رأيت فريد الديب، هو محامي المتهم، وما عُرف عنه من خبرة قانونية ومهارة في المرافعات أيقنت أنه إن لم يتمكن من الحصول على البراءة في محكمة أول درجة، فسوف يتحصل عليها لموكله في نهاية المطاف، لكن سيكون المراد قد تحقق، سواء بالبراءة أو بدونها، وهذا يقودنا إلى الإجابة على السؤال الذي بدأنا به هذه السطور: ماذا هناك؟!

 

الهبوط بـ"الباراشوت":

 

إن محمد الأمين ليس واحداً من آحاد الناس، فالرجل هبط بـ"الباراشوت" على الفضاء الإعلامي والسياسي المصري، بعد ثورة يناير مباشرة، ليصبح وهو القادم من المجهول ملء السمع والبصر، بعد تأسيسه لترسانة إعلامية، وأكثر من شبكة تلفزيونية أبرزها "سي بي سي"، وصحيفة يومية هي "الوطن". وقد ظللت طوال الفترة التي سبقت الانقلاب العسكري أطالب بضرورة الكشف عن حقيقة الرجل وتمويله، لا سيما في المرحلة التي قادت فيها قنواته وصحيفته صفوف المواجهة والتشهير بحكم الرئيس محمد مرسي، لكني كنت كمن يؤذن في واد غير ذي زرع!

 

وقد كان القانون يسمح بالوقوف على هذا التمويل، لأنه ليس معقولاً أن يكون رأس مال هذه المحطات التلفزيونية والصحيفة اليومية (وكان يدفع أعلى أجور في المجال) من مدخراته بعد خمسة عشر عاماً من العمل في الكويت. ومما قلته إنه لو كان معاراً لوظيفة أمير خلال هذه الفترة الوجيزة فلن يمكنه توفير كل هذه الأموال التي ينفقها بسخاء، حيث كان شرط رئيس تحرير "الوطن" مجدي الجلاد أن يتقاضى راتبه بالدولار، وقدر لنفسه ما وافق عليه محمد الأمين، ثلاثين ألف دولار راتباً شهرياً!

 

ولم يكن الأمر بحاجة سوى لتفعيل القانون، دون أن يضطر الشيخ حازم أبو إسماعيل لحصار مدينة الإنتاج الإعلامي، وهو الموقف الذي أثار الاستهجان والإدانة، ودفع الرئيس محمد مرسي أن يطلب منه فك الحصار!

 

لقد كانت الثورة المضادة ودوائرها الإقليمية أكثر وعياً بأهمية الإعلام من فصائل الثورة، ولعلي رويت من قبل أنني استقبلت في مكتبي كرئيس تحرير لجريدة "الأحرار"؛ رجل أعمال غير معروف لي، لأن نشاطه خارج مصر، وإن كان معروفاً لزميل هو الذي أخبرني بأنه يرغب في هذا اللقاء. وكشف الرجل عن خطتهم لشراء صحف قديمة وحديثة، وبأي سعر، وعندما أخبرته أن من الأفضل لهم إصدار صحف جديدة فلن تكون هناك مشكلة في الترخيص القانوني، لأن المؤسسات القديمة محملة بالأعباء والديون ومحملة بصحفيين، قال إنهم مشغولون أيضاً بشراء التاريخ، وليست عندهم مشكلة في هذه الأعباء!

 

عندما سألته: من أنتم؟ قال إننا أنصار الفريق أحمد شفيق، وإذا فاز في الانتخابات الرئاسية فيهمنا أن تكون حوله مؤسسات إعلامية تدافع عنه وتقدمه للناس، فإذا لم يوفق قامت هذه المؤسسات بدور المعارضة. وكان هذا قبل الانتخابات الرئاسية بأكثر من عام، فهل كانوا فقط مجرد أنصار للفريق شفيق؟!

 

الذي حدث بعد الانقلاب العسكري، من وضع السلطة يدها على كل المؤسسات الإعلامية بيعاً وشراء، وتنفيذ هذه الخطة بحذافيرها، يؤكد أنها كانت خطة موضوعة بشكل عام، بمعزل عن الفريق شفيق، إلا إذا كان السيسي هو من قام بالسطو عليها كما قام بالسطو على الخطة الاقتصادية لمجموعة جمال مبارك!

 

الأذرع الإماراتية

 

ومهما يكن، فقد شهدت المرحلة المبكرة تأسيس إعلام جديد، كان من بينه قنوات سي بي سي وجريدة الوطن، لصاحب الشبكة وصاحب الصحيفة محمد الأمين، وثبت مع الأيام أنه لم يكن أكثر من واجهة لدولة الإمارات، والتي كانت - في الحقيقة - واعية لأهمية الإعلام، وضرورة أن يكون لها أذرعها الإعلامية في مصر، ولم تبدأ التنفيذ بعد ثورة يناير، ولكنها بدأت هذا في عهد مبارك من خلال قنوات "الحياة"، وكالعادة دفعت بأحد الأشخاص المصريين ليكون في الصورة. وكانت الفكرة تدور حول قناة تلفزيونية تنافس الجزيرة، وهكذا فشلت الإمارات في منافسة القناة القطرية في مدينتها الإعلامية فقررت المنافسة في مصر!

 

لقد كان هذا الشخص هو السيد البدوي شحاتة (رئيس حزب الوفد فيما بعد)، وقد نقلت وقتئذ تساؤل أحد الزملاء الذين يعملون في مجال الاقتصاد: ومن أين لسيد البدوي بالأموال التي ينفقها على إطلاق قناة تلفزيونية كبيرة، وهو ليس اسماً لامعاً في مجال البيزنس؟ وقد بدأ حياته صيدلياً يملك صيدليتين في مسقط رأسه بمحافظة الغربية، وقد أغلقهما بعد امتلاكه لشركة أدوية، تبين أنه لم يكن صاحبها أو شريكا فيها ولكنه مجرد واجهة إماراتية أيضاً!

 

وكان نظام مبارك قد ترهل، فلم يعرف من وراء السيد البدوي، والذي كانت تربطه علاقة قوية برئيس جهاز مباحث أمن الدولة، والذي قيل إنه كان شريكاً له، فمن يرفع التقارير التي تخص هذه الملكية، لا سيما عندما انتبه صفوت الشريف بعد حصول القناة على الموافقة المبدئية؟ لم يظهر رئيس الجهاز في الصورة، وإنما أوكل لاثنين من الصحفيين للقيام بالواسطة لدى صفوت

الشريف، الذي كان قد انتقل من وزارة الإعلام لرئاسة مجلس الشورى، والذي أوقف الترخيص بإنشاء "الحياة"، ليس لأنه أدرك أن الإمارات هي المالك الحقيقي، ولكن لأنه كان صاحب نظرية أن نشرة الأخبار عمل من أعمال السيادة لا يقوم به إلا التلفزيون الرسمي المملوك للدولة، وفي رفضه لفكرة "الحياة" الإخبارية، قال إن الدولة هي من تقرر منافسة الجزيرة أو عدم منافستها!

 

الصحفي الوسيط كان مقرباً من صفوت الشريف الذي كان يستملحه، ورقاه في كل موقع بعد توليه رئاسة مجلس الشورى ورئاسة المجلس الأعلى للصحافة، وقد استعان هذا الصحفي برئيسه في أحد مواقع العمل الثلاثة التي كان يعمل بها. وقد قبل صفوت الشريف الوساطة على أساس الموافقة على قناة منوعات، وضمن الصحفيان الالتحاق بالعمل بالقناة في مواقع عليا ثمناً لذلك، لكن بقيام الانقلاب، وإذ صار أهل الحكم الجدد والإماراتيون كالسمن على العسل، تكشفت العلاقة، وربما كشفها هذا الصحفي الذي ضمن ثلاثة مواقع في الصدارة الآن؛ يكفي واحد منها ليقبل يده عليه وجهاً وظهراً!

 

وبهذا العلم، بادر أهل الحكم فوضعوا أيديهم على القناة الإماراتية، لتكون من أولى القنوات التي اشترتها الشركة الأمنية المالكة للفضائيات، ليتم إنهاء وجود السيد البدوي تماماً!

 

فالعلاقة القوية بين السيسي والإمارات لم تمنع من أن يخشى بوائق هذه القنوات، واندفع يمنع الإمارات من أن تكون لها أذرع إعلامية، بل استغل هذه الرغبة المحمومة لديها في تمويل الإعلام، إلا أن يكون هو المتمول الوحيد. فقنوات دي إم سي هي تمويل إماراتي، واللافت أنه كان قد بشر بقناة إخبارية على أعلى مستوى، ضمن هذه الباقة، فلما حصل على تمويلها وبدأ العمل في تأسيسها لمدة عام لإثبات الجدية، أوقف الفكرة ولم يُعد الأموال، ولم يتبق للإمارات سوى قناة "تن"، وهي قناة كانت مخصصة في الأساس لمواجهة الأتراك، بجانب صحيفة يومية!

 

سياق ضربة الأمين:

 

وإذ بدأ بالاستحواذ على "الحياة" مع أنها مملوكة للإمارات، فقد استحوذ على القنوات المملوكة على الورق لمحمد الأمين، كما استحوذ على صحيفة "الوطن"، ولا يمكن قراءة هذه الضربة التي تلقاها "الأمين" إلا في هذا السياق!

 

فالمذكور هو أحد ركائز الحزب الإماراتي المصري، وهو قريب من دوائر الحكم، ومتغلغل في الأجهزة بهذا الانتماء، وهو ما يخيف السيسي، لا سيما وأنه يدرك خطورة هذا الحزب وما فعله في الثورة وفي الرئيس محمد مرسي، وهو دائماً يأخذ في أموره بالأحوط، وإذ تبدو العلاقة بينه وبين أبو ظبي ليست في أحسن حالاتها، فلا بد من أن يتوجس خيفة من هذا الحزب ونفوذه، وإذ بدأت عملية ضربه بما جرى للسيد البدوي، في ظل شهر العسل، فإن ما حدث بعد ذلك لأحد سدنة هذا الحزب وهو حسن راتب، جاء بعد انتهاء هذا الشهر!

 

لقد بدأ السيسي في الاقتراب من قطر، غير مكترث بالموقف من الإمارات، التي سبقته في التقارب مع تركيا رغم تعثر المصالحة المصرية التركية. ولدى الإمارات حساسية من أي وجود للاستثمار القطري في مصر، ولو بأقل مستوى، ومنذ الرئيس محمد مرسي وهي تقول في رسائلها إن مصر هي المجال الحيوي للاستثمار الإماراتي ولا يجوز إدخال قطر على هذا الخط!

 

والذي زاد فغطى، أن الإمارات دفعت الكثير ولم تتلق المقابل نظير ذلك، أو ما تراه مقابلاً، وربما رأت التعويض المناسب في الآثار المصرية، لكن تم طرد السفير الإماراتي من القاهرة، تحيط به شبهات التهريب، كما تم القبض على حسن راتب، صاحب قناة "المحور"، التي قالت الشركة الأمنية إنها اشترتها بينما هو في الإمارات، وتم القبض عليه لحظة عودته إلى الإمارات، التي صارت قبلة لنجوم الصحافة والكرة والفن المصريين، والتي استقبلت بعد الثورة ثلاثة آلاف ضابط مصري مثلوا قوة في عملية الانقلاب، وقد كتبت من قبل أن محمد بن زايد له في النخبة المصرية أكثر مما للسيسي فيها!

 

إن السيسي يناور مع الإمارات عندما شرع في التقارب مع قطر، وعندما قرر أن يكون جزءاً من اتفاق العلا، غير مكترث بالموقف من البحرين وأبو ظبي الحليفين في الحصار، تماماً كما ناور مع أوباما بزيارة موسكو وسط تهليل من اليسار المصري بأن الزعيم يتجه شرقاً، ومثل هذه المناورات قد تهز الثقة، وتحدث شرخاً في العلاقات التي لا توجد رغبة لدى طرفيها في إنهائها أبداً، صحيح أن الإمارات لم تعد تتسم بالسخاء القديم، لكن نفوذها في مصر مقلق لمن مارس الخيانة!

 

البديل:

 

إن الحقيقة التي يدركها السيسي أنه لم يكن خياراً استراتيجياً للسعودية أو أبو ظبي، فكلا الدولتين كان يعنيهما القضاء على الثورة بغض النظر عمن يحكم، وإنهاء حكم الإخوان وليكن البديل ما يكون. وكانت السعودية ترشح سامي عنان، في حين ترشح أبو ظبي أحمد شفيق، لكن السيسي غامر وفرض نفسه، وأعلن ترشحه، بعد التصريح الإماراتي بأنهم يفضلون أن يستمر الفريق السيسي وزيراً للدفاع لحماية الأمن القومي العربي!

 

وقد فقدت الإمارات بديلها بعدما اضطرت لحمل الفريق شفيق للقاهرة قسراً، كعربون محبة من ناحية، ولأنها فقدت السيطرة عليه، لأنها لم تعرف مفاتيح شخصيته كشخص شديد الاعتزاز بنفسه بغض النظر عن رأيك فيه، وظنوا أنه سيكون تحت الوصاية، وأنه ليس أكثر من "وافد" كفالته على مستثمر يمكنه التحكم فيه!

 

إن سنّة الانقلابات العسكرية أنها تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله، وها نحن لا نرى أحداً من شركاء الانقلاب العسكري في الصورة. والقائمة تبدأ من الرجل الثاني في الجيش، والرجل الأول في وزارة الداخلية، مروراً بأحمد الزند، رئيس نادي القضاة قبل توليه وزارة العدل، وليس انتهاء بتوفيق عكاشة الذي كان بالمناسبة في طريقه للإمارات عندما تم القبض عليه في المطار، واللافت هنا أنه أخلي سبيله، فإذا كان هناك حكم ضده فلماذا لم ينفذ؟ وإذا لم يكن فلماذا لم يترك للمغادرة للإمارات؟!

 

بيد أن ما جرى لمحمد الأمين ليس اتباعاً لهذه السنة، فالقبض عليه بهذه الاتهامات المدمرة هي في سياق آخر تماماً.. إنه سياق تصفية الحزب الإماراتي في القاهرة!

 

 

*المصدر: عربي



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق