هل ضرب سيف الدولة المتنبى بالدواة ورأيى فى ذلك؟

29/11/2021 01:48


د. إبراهيم عوض

أحب أن أقف قليلا عند حادثة الدواة التى يقال إن سيف الدولة قد رماه بها  عندما ضاق بادعاءاته وافتخاره الشديد بنفسه فى ميميتـه المشهورة التى أولها :

واحـر قلبـاه ممن قلبـه شبم    =        ومن بجسمى وحالى عنده سقم

فان الرواية التى وردت فيها هذه الحادثة لا تدخل لى فى عقل. وهذه هى الرواية أسوقها بتمامها أولا قبل أن أبين رأيى فيها: "قال أبو فراس لسيف الدولة: إن هذا المتشدق (يقصد المتنبى) كثير الادلال عليك، وأنت تعطيه فى كل سنة ثلاثة آلاف دينار عن ثلاث قصائد. ويمكن أن تفرق مائتى دينار على عشرين شاعرا يأتون بما هو خير من شعره. فتأثر سيف الدولة من هذا الكلام وعمل فيه. وكان المتنبى غائبا، وبلغته القصة، فدخـل على سيف الدولة وأنشده:

ألا ما لسيف الدولة اليوم غاضبا؟   =   فداه الورى أمضى السيوف مضاربا

فاطرق سيف الدولة ولم ينظر إليه كعادته، فخرج من عنده متغيـرا، وحضر أبو فراس وجماعة من الشعراء فبالغوا فى الوقيعة فى حق المتنبى، وانقطع المتنبى يعمل فى القصيدة الميمية التى أولها:

واحر قلباء ممن قلبـه شبم

فأنشدها، وجعل يتظلم فيها من التقصير فى حقه، فهم جماعة بقتله بحضرة سيف الدولة مما وجدوا من شدة ادلاله واعراض سيف الدولة عنه. فلما وصل فى إنشاده قوله:

يا أعدل الناس إلا فى معاملتى =     فيك الخصام وأنت الخصم والحكم

أعيذها نظـرات منك صادقة=     أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم

 علم أبو فراس أنه يعنيه، فقال ومن أنت يا دعى كندة حتى تأخذ أعراض أهل الأمير فى مجلسه؟ فاستمر المتنبى فى إنشاده ولم يرد عليه إلى أن قال:

أنا الذى نظـر الأعمى إلى أدبى  = وأسمعت کلماتى من به صمم

فزاد ذلك غيظا فى أبى فراس. فلما وصل إلى قوله:

الخيـل والليل والبيداء تعرفنى    =      والطعن والضرب والقرطاس والقـلم

قال أبو فراس: وما أبقيت للأمير إذا وصفت نفسك بالشجاعة والفصاحة والرياسة والسماحة؟ أتمدح نفسك وتأخذ جوائز الأمير؟ فقال المتنبى:

وما انتفاع أخى الدنيـا بنـاظره  =         إذا استوت عنـده الأنوار والظلم

فغضب سيف الدولة من كثرة مناقشته فى هذه القصيدة وكثرة دعاويه فيها، وضربه بالدواة التى بين يديه. فقال المتنبى فى الحال:

إن كان سركـمو ما قال حاسدنا =        فما لجـرح إذا أرضاكمـو ألم

فأعجب سيف الدولة هذا البيت ورضى عنه فى الحال، وأدناه إليه وقبل رأسه وأجازه بألف دينار، ثم أردفه بألف دينار أخرى، فقال المتنبى:

 جاءت دنانيـــــــرك مختومة =    عاجلـة ألفـا عـلى ألف

 أشبهها فعلك فى فيلق    =   قبلته صفا على صف"[1] 

على أن هناك تفاصيل أخرى لهذه الحادثة وردت فى رواية (الصبح المنبى) (رغم نقله عن نفس المصدر الذى نقل عنه ابن عساكر، وهو كتاب "المآخذ الكندية من المعانى الطائية"). وهذه التفاصيل تتلخص فى أن المتنبى كان كلما أنشد بيتا من أول قوله:

يا أعدل الناس إلا فى معاملتى  =    فيك الخصـام وأنت الخصم والحكم

 اعترضه أبو فراس، وقال له: لقد أخذت هذا البيت وسرقته من فلان أو مسخت قول فلان، ثم يورد بيت فلان هذا، وقد يورد معه بينا آخر يشبهه لشاعر ثان[2]. وأسارع فأقول أولا إن هذه التفاصيل التى أوردها البديعى فى "الصبح المنبى" غير معقوله أو مفهـومة، إذ كيف يجرؤ أبـو فراس، مهما كانت قرابته لسيف الدولة، أن يقاطع المتنبى فى كل بيت ينشده وجو المجلس يسوده كل هذا التوتر وسيف الدولة صامت؟ ولا شك

أن الفضول كان متسلطا على الأمير ليعرف ما سيقوله المتنبى فى قصيدته هذه الغربية العجيبة، فكيف سكت على أبى فراس، الذى كان يقطع إنشاد القصيدة إثر كل بيت ليدل بسعة علمه بالشعر ويسخف فن الشاعر، وهو بهذا القطع يفسد عليه تشوقه وفضوله علاوة على أن الوقت ليس وقت موازنات شعرية وادلال بالعلم بالشعر؟ ثم من أين لأبى فراس بهذه الذاكرة الكمبيوترية، التى ما أن تسمع البيت من قصيدة المتنبى حتى تتذكر فى الحال، من غير تفكير ودون أدنى عناء وبرغم الجو المشحون بالتوتر والغضب، البيت الذى سرقه المتنبى (على حسب كلامه) وأحيانا بيتـا ثانيا مشابها والشـاعرين اللذين قالا البيتين؟ كذلك فمن الغـريب أن يسكت المتنبى على هذه المقاطعات والاتهامات فلا يدفع عن نفسه تهمة السرقة.

ولنرجع الآن إلى القصة كما أوردها ابن عساکر. وإنى لأتساءل: ماذا كان سيف الدولة يفعل بالدواة فى مجلس شعر كهذا لا كتابة فيـه ولا توقيع وإنما انشاد واستماع؟ ثم أننا لم نسمع أن سيف الدولة قد أهانه قبلها أو بعدها، فكيف يقدم على اهانته له على هذا النحو بقذف الدواة فى وجهه وادمائه؟ بل كيف بقى الشاعر بعدها خمس سنوات وهو الذى لم يتحمل سكوته على لكم ابن خالويه له بمفتاح (أو همه بذلك) رغم أن ذلك كان ردا على عبارة عنيفة قاسية وجهها إليه؟ ثم هل يعقل أن يستطيع المتنبى ارتجال البيت التالى:

إن كان سركمو ما قال حاسدنا  =   فما لجـرح إذا أرضاكمـو ألم

إثر المفاجأة المذهلة مفاجأة قذف سيف الدولة إياه بالدواء؟ بل هل يعقل أن ينزل من سماء كبره وافتخاره المتفجر بنفسه فجأة إلى هذا التذلل الضارع؟ ولو سلمنا جدلا بهذا فكيف استمر ينشد الأبيات الباقية من القصيدة وهى مثـل الماضية مشحونة بالكبر والتعنيف والتهديد والإنذار؟ إن الذين يشنعون على المتنبى بهذه القصة يفهمون "الجرح" المذكور فى البيت على أنه جرح وجهه بسبب الدواة، فلم لم تذكر الرواية أن سيف الدولة، حين استرضى الشاعر أثر سماعه منه هذا البيت، قد أمر بماء وقطعة قماش لإزالة الدم من على وجهه وملابسه؟ كذلك أين الحبر الذى كان فى الدواة فلم نسمع أنه لطخ وجه الشاعر وملابسه؟ أم تراها كانت فارغة؟ فماذا كانت تفعل هناك إذن؟ ومن جهة أخرى كيف يقوم سيف الدولة فيقبل رأس الشاعر على أثر البيت السابق فيستمر هذا فى انشاد القصيدة كما أعدها قبلا وكلها كما قلت إنذار وتهديد وتعنيف؟ على أن القصة تمضى فتتحدث عن السامرائى أحد كتبة سيف الدولة، الذى عرض عليه بعد أن فرع المتنبى من انشاده وخرج أن يلحقه فيأتيه برأسه[3]  والسؤال الآن هو: إذا كان سيف الدولة قد قبل رأس الشاعر واسترضاء ولم يسمع كلام ابن عمـه فيه بل أعطاه ألفا ثم ألفا، فكيف جرؤ هذا السامرائى أن يعرض عليـه مثل هذا العرض؟ بل كيف دبر أبو العشائر محاولة الاغتيال التى كاد الشاعر أن يضيع فيها؟ من هنا فإنى أرى أن "الجرح" المذكور فى هذا البيت أنما هو الجرح المعنوى لا  جرح الدواة. وحتى لو تجاهلنا كل هذا وصدقنا هذه الرواية التى لا تصدق، ألا يكفى المتنبى أن الأمير نفسه، برغم هذه القصيدة العنيفة المنذرة المتوعدة التى وضع فيها الشاعر نفسه فوق الناس جميعا بما فيهم سيف الدولة ذاته، قد نهض وقبل رأس الشاعر وطيب خاطره وأعطاه ألفى دينار؟

__________________

1- ابن عساكر نقلا عن شاكر/ السفر الثانى/ ص 322-324.

2- انظر فى هذه التفاصيل "الصبح المنبى"/ ص 89-91.

3- انظر العكبرى/ ج1/ ص 45، و هــ1. و ص 46.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق