الخبير الأقتصادي إبراهيم نواره..يكتب: اليوروكلير وما أدراك ما اليوروكلير!

19/11/2021 02:15


د. إبراهيم نواره

الدنيا مقلوبة على موضوع اسمه "اليوروكلير" كل من هب ودب مرعوب من اليوروكلير ..زعيط ومعيط ونطاط الحيط واللي له واللي ما لوش في الموضوع بيتكلم في اليوروكلير ..رسايل ع الخاص ورسايل ع العام بتسأل يعني ايه اليوروكلير..

يا اخوانا الموضوع موش مستاهل، اليورو كلير ده بنك زي أي بنك. بس ده بنك استثماري موش بنك تجاري. كمان ده بنك جملة موش بنك قطاعي. ده سوق جملة لديون الحكومات والشركات، الكبيرة طبعا، وكل واحد بمقامه. وحكاية ان مصر تبيع ديونها عند السادة يوروكلير دي حاجة حلوة موش وحشة.

وعلشان أكد لك على كلامي ده يكفي حضرتك انك تعرف ان البنك ده عمل تسويات بقيمة 897 تريليون يورو السنة اللي فاتت، وأن القسايم المالية للزباين الموجودة في إدارة الحفظ  لحد اخر يونيو اللي فات قيمتها 35.2 تريليون يورو. ده معناه ان احنا حتى لو حطينا كل ديون الحكومة عنده هتكون مجرد نقطة في بحر. طبعا ضخامة قيمة المحفظة معناها ثقة الزباين.

هل يعني لازم نحط الديون بتاعتنا عند الناس الأغراب دي؟

يا سيدي كل واحد وله صنعته. النجار نجار وبياع الموبيليا بياع موبيليا. والصياد صياد وتاجر السمك تاجر..

حضرتك تخيل كده راجل فلاح بيزرع خضار أو فاكهة، واسأل نفسك ايه اللي أحسن له، ينزل هو بنفسه السوق يشتغل سريح علشان يبيع زرعه، وللا يروح الوكالة وهي اللي تبيع الزرع لحسابه؟

طبعا الراجل ده لو اشتغل سريح زراعته ها تبوظ، لأنه في الآخر إما يكون سريح وإما يستمر يفلح أرضه.

لكن المسألة برضه عند اليوروكلير موش بالبساطة دي، لأن اليوروكلير جزء من حاجة اسمها "السوق الثانوية للديون". دي معناها ان الديون بيستمر تداولها في السوق، بعد ما الحكومة تكون أصدرتها وبنوك الإصدار باعتها، وسلمت الحكومة الثمن (بعد الضرائب والعمولات والرسوم الإدارية طبعا).

ميزة اليوركلير هنا انه بيحفظ قسائم البيع عنده، أو بيعمل نظام مشترك مع الحكومة لحفظ قسايم الدين، وبعدين بيطلع منادي ينادي يقول يا جماعة الخير، ياللي عاوز يشتري قسايم. فاللي عاوز يشتري، ييجي يشتري، واللي معاه قسايم دين وعاوز يبيع.. السيد يورو كلير يبيع.

طيب ليه ده مهم؟

ببساطة لأنه بيزود السيولة، لأني لو عندي قسيمة دين، موش لازم استنى لما ييجي وقت استردادها علشان أكيشها لو انا محتاج كاش. ميزة السوق الثانوية للديون إنها بتديني فرصة إني أبيع القسيمة دي، وممكن اعمل ربح، وممكن برضه أتعرض لخسارة، إذا احتجت للسيولة في وقت كان فيه سعر القسيمة في السوق أقل من السعر اللي اشتريت بيه.

كده بنك اليوروكلير يكون عمل خير، وفر سيولة أكثر للدائن والمدين.  خلق للمدين سوق ثانوية، يعني طلب إضافي كبير ممكن يساعده على تقليل سعر الفائدة، ووفر للدائن من خلال السوق دي نفسها فرصة بيع قسايم الدين قبل أجل استحقاقها والحصول على سيولة.

وانا كمان عاوز اقولك ان السندات وأذون الخزانة المصرية لو تم تبادلها من خلال اليوروكلير أو جى بي مورجان هتلاقي زبائن كثير، حتى أكثر من تركيا مع ان أسعار الفائدة على سندات الخزانة عندهم أكبر من عندنا. عندنا سعر الفائدة الأساسي في البنك المركزي 8.25% وعندهم 15% بعد التخفيض اللي أعلنوه ليلة امبارح.  عندهم العائد على سندات الخزانة لمدة سنة بلغ 17.455% بينما عندنا 13.3% . مع كده يا صاحبي الجنيه المصري وصل لأعلى قيمة له منذ 3 سنين،  في حين أن الليرة التركية هبطت قيمتها بنسبة 11% من أول نوفمبر لحد امبارح بالليل.

كمان يا صاحبي لازم اعرفك أن تقديرات بنوك الاستثمار في العالم لأسوأ احتمالات أن مصر ممكن تتعثر في سداد الديون اللي عليها في ميعادها لا تزيد عن نسبة 7% ، يعني في أسوأ الظروف بنسبة 93%  ودي من أفضل نسب الثقة العالمية. علشان كده بنك اليوروكلير وبنك جى بي مورجان عندهم حرص إنهم يضموا السندات المصرية عندهم، لأنهم عارفين ان دي بضاعة نظيفة ولها زبونها. 

كده يبقى عرفنا أن اليوروكلير لا هو عشماوي ولا هو امنا الغولة. بالعكس ممكن نستفيد منه في تخفيض أسعار الفائدة المحلية عندنا. لأن زيادة الطلب على قسايم الدين معناها حاجتين:

الحاجة الأولى، هندخل عملة صعبة مقابل الدين المحلي المصدر بالجنيه. وكده يزيد الطلب على الجنيه. ولما يزيد الطلب يحصل ايه؟ طبعا يزيد سعره. دي أول حاجة كويسة ومفيدة، لأن ده معناه انخفاض قيمة الواردات، واحنا باسم الله ما شاء الله حلوين في الاستيراد (بس اوعى تفتكر ان انا غيرت رأيي في قرار الحكومة بخصوص منع الاستيراد أو تقليله، ده موضوع تاني).

الحاجة الثانية، لما يزيد سعر الجنيه  فالبنك المركزي هيلاقي نفسه في وضع مريح جدا لتخفيض سعر الفائدة بدون ضرر. ومع أن سعر الفائدة لما ينزل في عندنا ناس ها تتضرر، اللي هم عايشين على فوائد الودائع، لكن مفروض أن تخفيض سعر الفائدة ها يشجع على زيادة الاستثمار. طبعا ده موضوع يطول شرحه، لأن للأسف فرص الاستثمار الكويسة في مصر بقت صعبة، وصعبة جدا على أصحاب رؤوس الأموال الصغيرة. المؤكد أن أصحاب الاستثمارات المعتمدة على التمويل من البنوك ها يلاقوا نفسهم في وضع أفضل لأن تكلفة الاستدانة من البنوك ها تبقى أقل لما تنخفض أسعار الفائدة.

حد يقوللي، يعني انت كده يا حاج عاوز تبلعنا البرشامة وتفهمنا أن اليوروكلير موش ممكن يضرنا؟ 

لأ.. ها اقولك طبعا خللي بالك يا صاحبي أنه ممكن يضر، زي أي سلاح، ممكن تقتل بيه عدوك، وممكن تنتحر بيه.

البنك المركزي دلوقت بيصدر أذون خزانة لصالح الحكومة بسعر فائدة وصل في المتوسط إلى 13.3% للأذون استحقاق 364 يوما. و بيصدر برضه أذون خزانة باليورو والدولار.  يوم 9 نوفمبر اللي احنا

فيه، كان سعر الفائدة على الأذون باليورو 1.398% ويوم 16 من الشهر نفسه بلغ سعر الفائدة على أذون خزانة مصدرة بالدولار حوالي 2.99% .

طبعا لو تقارن سعر الفائدة أو العائد هتقول وانت مغمض: بلاها الأذون والسندات اللي بالجنيه المصري، واروح دوغري على الدولار واليورو، أرخص لي أربع خمس مرات. لكن خللي بالك يا صاحبي الحسبة كده تبقى غلط، لأن حضرتك لما تستلف بالجنيه المصري ها تسدد في ميعاد الاستحقاق بنفس العملة، ولما تستلف بالدولار أو باليورو فأنت برضه ملزوم تسدد بنفس العملة. شوال بطاطس بشوال بطاطس، ما ينفعش اخد منك كيلو لحمه وادفعه لك كيلو خيار.. صحيح ده كيلو وده كيلو ع الميزان، لكن تفرق ..وتفرق جامد كمان.

هنا عندنا مشكلة كبيرة. اسألني: هي ايه؟

المشكلة ان حضرتك بقي لك عشرات السنين قدرتك على انك تزود  إيراداتك بالعملة الصعبة محدودة جدا ..جدا ..جدا. ولولا الغلابة اللي شقيانين بره، ومتغربين في بلاد الله خلق الله كان زمان عجز الحساب الجاري بتاعك وصل لحوالي 50 مليار دولار. علشان كده انت بتمد ايدك للناس علشان تستلف. 

جوه بتستلف بالمصري،  وبره بتستلف بالعملة الصعبة.

ولما ييجي ميعاد السداد حضرتك بتلاقي نفسك واقع في حيص بيص ..فإما إن السعودية أو الإمارات تتكرم عليك وتحط لك وديعة، وأما تستلف من بره تاني علشان تسدد للديّانه، أو تعمل الحاجتين مع بعض. وده اللي حصل فعلا الشهر ده. السعودية حطت لك وديعة جديدة 3 مليارات دولار، والبنك المركزي أصدر أذون خزانة لصالح وزارة المالية باليورو (699.5 مليون يورو) وأذون بالدولار(1.66 مليار دولار)، ده غير الأذون اللي بيصدرها بالجنيه المصري بفئات مختلفة مرتين كل أسبوع.

الوضع ده بيسموه في الاقتصاد وضع غير مستدام. ليه غير مستدام؟

لأن حضرتك ببساطة كسرت قاعدتين وخطين حُمر في وقت واحد.

الأول حضرتك اقترضت بالعملة الأجنبية لتمويل انفاق محلي، للأسف معظمه استهلاك، وده غلط.

والثاني لو حضرتك قولت لي إنك بتمول استثمار موش استهلاك ها ارد عليك واقول لك ما ينفعش يا صاحبي انك تستلف فلوس ها تردها بعد سنة أو أقل من سنة علشان تمول مشروعات منتظر إنها تبتدي تطلع عائد اقتصادي بعد 5 سنين أو 15 سنة.  ده ببساطة غلط، وده أقل وصف.

المشكلة هنا موش السوق الثانوية للديون، اللي كان شغال فيها جمال مبارك لما كان في "بنك أوف أمريكا" وعمل فيها لنفسه فلوس حلوة.. (طبعا بشغله وعرق جبينه! اوعوا تفتكروا ان انا باقول كلام وحش ع الراجل، لا سمح الله)،  ولا هي مشكلة بنك يوروكلير اللي احنا عاوزينه ياخد قسايم الديون المحلية بتاعتنا ويبيعها لنا بالعملة الصعبة. 

المشكلة ان احنا بكده بنوسع جدا معدل انكشافنا المالي على العالم. لأنك ببساطة بتتكلم في 3 - 4 تريليون جنيه أو أكثر (يعني أكثر من 250 مليار دولار)، سواء في بنك جي بي مورجان اللي ها نشتغل معاه من آخر يناير الجاي، أو في بنك يوروكلير لما يخلصوا المفاوضات ويتفقوا على مسائل زي نظام حفظ القسائم، وطريقة حساب وتسوية الضرائب على أصحاب القسايم،  والوضع القانوني للحيازة، وكيفية حساب سعر الصرف وغيرها، ودي نقط صعبة جدا وجاري عليها مفاوضات من يونيو سنة 2019 ولحد دلوقت محصلش فيها اتفاق نهائي.

طيب وايه يعني لما انكشافنا المالي على العالم يزيد؟ هل ده يضرنا في حاجة؟

الحقيقة آه ده ممكن يضرك جدا،جدا،جدا.

مثلا احنا دلوقتي بنستلف من بره بسعر فايدة منخفض، لأن أسعار الفائدة على العملات الرئيسية منخفضة، والسعر اللي احنا بندفعه أعلى، أحيانا بمقدار 3 - 4 مرات أو أكثر، عن متوسط أسعار الفائدة على العملة اللي بنقترضها . والناس اللي عندها فلوس وبتشتغل في السوق اللي بنسميه "سوق الأموال الساخنة" أهم حاجة بالنسبة لهم هي الربح.

وطالما أن احنا بندفع لهم أكثر من اللي بيدفعه بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أو البنك المركزي الأوروبي بهامش ربح كبير جدا يوصل إلى 400-500% فهم لهم مصلحة معانا. ومتقوليش ثقة في اقتصادنا، ولا حبا في سواد عيوننا. لأ دي مصلحة، ولو أصحاب الفلوس السخنة ما لهومش مصلحة عندك موش ها يبصوا في وشك. 

الخطورة هنا ان أول ما أسعار الفائدة على الدولار واليورو تبتدي ترتفع، أو لو اضطربت الأوضاع الاقتصادية في العالم لأي سبب، فالأموال السخنة دي بتهرب وتقول يا فكيك، وتجري على "ملاذات آمنة" زي الدولار واليورو والدهب.  وده حصل السنة اللي فاتت. البنك المركزي عارف كده، ووزارة المالية عارفه كده، والدفاتر بتقول كده.

اذن حضرتك مكشوف. موش بس لأنهم ها يهربوا من عندك، لأ..هم كمان موش ها ييجو لك. وده معناه ان حضرتك موش هتعرف تلعب لعبة "لبس طاقية ده لده"!

يعني لما ييجي وقت السداد بالعملة الأجنبية هتقع في حيص بيص علشان تلاقي حد يحط لك وديعة تصرف منها أو حد يسلفك بسعر فائدة متهاود. اوعى تفتكر أن المليارات اللي الحكومة مخبياها على جنب ها تنفعك.. دي يا صاحبي تطير في أسابيع ، تتفرتك وتتبخر، خصوصا وأن حضرتك خلاص قرب عليك وقت سداد قرض صندوق النقد الدولي. 

خطورة تداول الديون المحلية بالعملة الصعبة، في الداخل أو في الخارج، عن طريق جي بي مورجان أو يوروكلير أو غيرهم هي انها بتوفر للحكومة أداة سهلة لزيادة إصدارات الديون، والحصول على سيولة سهلة وأرخص، وممكن تخلق سعر وهمي للجنيه، وتخلق حالة من الاطمئنان المالي الكاذب في البلد. كل ده ممكن يتعرض لهزات شديدة جدا بمجرد ارتفاع أسعار الفائدة على الدولار واليورو. وعلى فكرة الهزاني دي متوقعة جدا السنة الجاية..والسنة الجاية دي موش بعيدة..السنة الجاية باقي عليها أسابيع يا سادة..

وكل عام وحضراتكم  ومصر كلها بألف خير وأمان.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق