انكشاف مصر ماليا على العالم وخطوط الدفاع ضد مخاطره

04/11/2021 04:28


د. إبراهيم نوار

قبل أيام من الذكرى السنوية الخامسة لقرارت نوفمبر التي اتخذها محافظ البنك المركزي المصري بتخفيض الجنيه بنسبة 50 في المئة، ورفع أسعار الفائدة لحماية قيمته، تعلقت أنظار المودعين ورجال الأعمال والمستثمرين في مصر بنتائج اجتماع لجنة السياسة النقدية وقرارها بشأن أسعار الفائدة على التمويل بالجنيه المصري يوم الخميس الماضي.  وكان المودعون الذين يعيش الملايين منهم جزئيا على عائد الودائع والمدخرات، يصلّون من أجل زيادة سعر الفائدة لاعانتهم على مواجهة الغلاء. وعلى العكس منهم كان رجال الأعمال يتضرعون إلى الله بأن يقرر البنك تثبيت سعر الفائدة على الأقل، وذلك لمساعدتهم على مواجهة زيادة تكلفة الإنتاج بسبب الضرائب وأسعار الوقود والمواد الأولية والايجارات والأجور. أما المستثمرين أصحاب المحافظ المالية المليئة بأذون الخزانة والسندات، فإن أهمية سعر الفائدة على الجنيه المصري بالنسبة لهم تعود إلى المفاضلة بين البقاء في السوق، أو تخفيض حصة الجنيه المصري في محافظهم، أو الخروج منه تماما. وتعتمد هذه المفاضلة على معادلة حسابية بسيطة، تقيس معدل العائد الحقيقي على الجنيه مقارنة بالعملات الأخرى، بما فيها العملات الرئيسية مثل الدولار واليورو واليوان. ويختلف العائد الحقيقي عن العائد الاسمي في أنه يأخذ في الاعتبار معدل التضخم؛ فيتم خصم التضخم من العائد الاسمي. وقد بلغ التضخم السنوي في الشهر الماضي 6.6 في المئة، وهو ما يترك أسعار الفائدة الحقيقية عند مستوى تنافسي قوي جدا في السوق، بصرف النظر عما تتركه زيادة الانكشاف المالي على الخارج من آثار اقتصادية سلبية. 

وقد تصادف اجتماع لجنة السياسة النقدية يوم الخميس مع إعلان التقديرات الأولية لمعدل النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة للربع الثالث من العام الحالي، الذي جاء مخيبا للامال، محققا نسبة 2 في المئة فقط مقارنة بنسبة 6.7 في الربع الثاني.  هذا يعني عمليا استبعاد فكرة رفع أسعار الفائدة على الدولار قريبا، على الأقل حتى يتماسك النمو. ومن ثم فإن البنك المركزي المصري لم يكن تحت ضغط لرفع أسعار الفائدة لا لظروف خارجية أو داخلية،  خصوصا وأن معدل التضخم المحلي ما يزال داخل النطاق الذي حدده.

أعلى عائد حقيقي

وحتى الأسبوع الماضي كان وزير المالية المصري يفخر بأن مصر تقدم للمستثمرين أعلى عائد حقيقي في العالم، أو على الأقل واحدا من أعلى المعدلات. السبب في ذلك أن العائد الاسمي على أذون الخزانة القصيرة الأجل يصل إلى حوالي 13.2 في المئة، في حين يبلغ التضخم 6.6 في المئة، وهو ما يعني أن العائد الحقيقي يتجاوز  6 في المئة، أي ما يقرب من أربعة أضعاف العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات، الذي يبلغ في الوقت الحاضر حوالي 1.55 في المئة. وعلى الرغم من أن بعض بيوت التمويل العالمية تضع علامات استفهام على القيمة الاسمية للجنيه المصري، إلا أن احتمال تخفيضه تخفيضا مفاجئا وبنسبة كبيرة، كما حدث في 3 نوفمبر 2016 ليس واردا، وليس في مصلحة المستثمرين ولا أصحاب الودائع ولا الحكومة. ولا شك في أن جاذبية الاستثمار في العملة المصرية ستظل قائمة مع قرار البنك بتثبيت سعر الفائدة الحالي على العمليات الرئيسية للبنك المركزي الذي يبلغ 8.75 في المئة. ومن المتوقع مع إدخال محفظة أذون وسندات الخزانة إلى مؤشر جى. بي مورجان في نهاية يناير 2022 أن يؤدي ذلك إلى زيادة موارد الخزانة من العملات الأجنبية، بحوالي 2 مليار دولار. وسوف يبلغ وزن الأوراق المالية الحكومية على المؤشر 1.85 في المئة.

الانكشاف المالي

تتضمن قيمة الانكشاف المالي الكلي مجموع العجز في الالتزامات المالية تجاه العالم الخارجي، وهو ما يتضمن صافي موازين التجارة السلعية والخدمية ودخل الاستثمار. وقد بلغت قيمة العجز في التجارة السلعية في العام الماضي 42.1 مليار دولار. كما سجل ميزان دخل الاستثمار عجزا صافيا بقيمة 12.4 مليار دولار حسب بيانات البنك المركزي. واعتمادا على هذه الأرقام فإن معدل انكشاف الاقتصاد المصري على العالم يبلغ حوالي 54.5 مليار دولار بما يعادل 15 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. هذا الانكشاف عبارة عن موارد يتم اقتطاعها من حجم الاقتصاد وتحويلها إلى الخارج. المتغيران الأساسيان اللذان ساعدا على تقليل الأضرار الناتجة عن ذلك هما تحويلات المصريين العاملين في الخارج التي بلغت 31.4 مليار دولار، وفائض تجارة الخدمات بقيمة 5.1 مليار دولار، وهو ما أدى إلى تخفيض صافي الموارد الوطنية المحولة للخارج إلى 5 في المئة من الناتج المحلي فقط بقيمة 18 مليار دولار، وهو ما يتفق مع ميزان الحساب الجاري طبقا لتقديرات البنك المركزي.

تراجع عبء الديون

وقد أدركت الحكومة فعلا تأثير زيادة العبء المالي للدين الخارجي والديون بشكل عام، فاتجهت إلى تخفيض معدل الاقتراض بشكل عام داخليا وخارجيا، وزيادة الاعتماد على الضرائب لتمويل المصروفات العامة، بحيث انخفضت نسبة الدين العام

(الداخلي والخارجي) الى 87.5 في المئة من الناتج في يونيو 2020 مقارنة ب 90.2 في المئة في العام السابق. ويقدر البنك الدولي أنه رغم ارتفاع القيمة المطلقة للدين الخارجي إلى 131.6 مليار دولار في ديسمبر عام 2020 ، الا أن نسبته إلى الدخل القومي الإجمالي انخفضت إلى 37 في المئة مقابل 39 في المئة في عام 2019 وأقل من المعدل القياسي البالغ 41 في المئة في عام 2018. وقد أدى ذلك إلى انخفاض قيمة مدفوعات الفائدة السنوية على الدين الخارجي الطويل الأجل بنسبة 8.5 في المئة في العام الماضي لتبلغ 3.1  مليار دولار بعد كانت قد سجلت أعلى مستوى لها بقيمة 3.4 مليار في عام 2019.

خطوط للدفاع وتقليل الضرر

على هذا الأساس فإنه يتعين على الحكومة الاستمرار في سياسة تقليل الانكشاف المالي الخارجي، بتخفيض معدل نمو الدين ونسبته إلى الناتج المحلي. وهذا لا يعني أنها ستتوقف عن الاستدانة تماما. وبمقارنة أرقام البنك الدولي حتى أول يناير 2021 بارقام البنك المركزي المصري حتى نهاية يونيو الماضي يتضح لنا أن قيمة الدين الخارجي قد ارتفعت من 131.6 إلى 138 مليار دولار خلال النصف الأول من العام الحالي. ولا ينبغي الفزع من ذلك، وليس من الحكمة التهويل من الخطر، طالما أنه مايزال أمام الحكومة المصرية هامش للمناورة، وطالما أن لديها أسلحة ما يزال بمقدورها أن تستخدمها، وخطوط دفاع يمكنها أن تتحصن وراءها.

وسوف أعرض هنا لأربعة خطوط دفاع رئيسية، من شأنها أن تقلل الشعور بالفزع:

خط الدفاع الأول، هو حقيقة أن مصر لم تتعثر في سداد ديونها، ولا في سداد الفوائد المترتبة عليها، وأنها لم تطلب من الدائنين أو بعضهم إعادة جدولة الديون، كما حدث في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. خط الدفاع الأول ما يزال قائما وقويا، وهو ما يفسر استمرار قدرة مصر على الاقتراض، طالما استمرت جاذبية أسعار الفائدة مترافقة مع قدرة الإقتصاد على النمو، رغم الظروف العالمية الصعبة.

خط الدفاع الثاني، هو انخفاض نسبة الديون قصيرة الأجل إلى إجمالي الدين الخارجي. ورغم أن ذلك لا يجب أن يكون مبررا لزيادة الدين الطويل الأجل، فإن حقيقة أن نسبة الأعباء المالية العاجلة لسداد الدين الخارجي، هي أقل من نصف متوسط النسبة في الدول النامية المماثلة لمصر، تدعو إلى قدر من الاطمئنان، لأن خط الدفاع الثاني ما يزال يعمل بفاعلية. وتبلغ نسبة الديون قصيرة الأجل حوالي 9% من الدين الخارجي المصري، في حين يبلغ المتوسط على مستوى الدول النامية ذات الدخل المنخفض والمتوسط في العالم ككل حوالي 25% .

 خط الدفاع الثالث، والأهم هو استمرار ارتفاع تحويلات المصريين العاملين في الخارج. ومن الظواهر المدهشة أن معدل نمو التحويلات في العام الماضي كان يعادل تقريبا معدل الزيادة في الدين الخارجي، وأكثر من ثلاثة أمثال معدل نمو الناتج المحلي. وعلى الرغم من تكرار توقعات تراجع التحويلات، حتى من جانب خبراء البنك الدولي، فإن معدل نمو التحويلات تحدى تلك التوقعات، وارتفع بنسبة هي الأكبر في العالم. ويجب أن نشير هنا إلى أن مصر وحدها استحوذت في العام الماضي على أكثر من نصف قيمة تحويلات العاملين في منطقة الشرق الأوسط ككل، كما أنها خامس أكبر دولة متلقية لتحويلات العاملين على مستوى العالم بعد الهند والصين والمكسيك والفلبين.

خط الدفاع الرابع الذي يحمي مصر من أن تتحول ديونها إلى كارثة هو قطاع الخدمات القوي جدا، وعلى رأسه السياحة وقناة السويس، والذي ينضم اليه على استحياء في الوقت الحاضر قطاع الخدمات المالية والتجارة الاليكترونية من خلال الدور الذي يمكن أن تقوم به شركات الخدمات المالية الناشئة المصرية مثل "فوري" في بعض الأسواق المجاورة، والدور المحتمل لفرع شركة "أمازون" العالمية في مصر خصوصا على الصعيد الأفريقي. وعلى الرغم من أن خط الدفاع الرابع أصيب إصابات بالغة خلال أزمة كورونا، ولا يعمل بفاعلية في الوقت الحاضر، إلا أنه لا يمكن شطبه نهائيا، لأنه حقيقة اقتصادية قائمة، تنتظر استئناف التشغيل بقوة في الأجل القصير، متى ما تحسنت ظروف مواجهة الجائحة في مصر والعالم. خط الدفاع الرابع الممتد عالميا في قطاع الخدمات والنقل وطرق الإمدادات واللوجيستيات، هو أكبر كثيرا من مجرد السياحة وقناة السويس، وهو ما يزال تحت مستوى الحد الأدنى من التشغيل، ويمكن أن يضيف إعادة تشغيل بنيته الأساسية القائمة فعلا، بافتراض انحسار جائحة كورونا، إلى موارد مصر بالعملة الأجنبية ما يقرب من 15 مليار دولار على الأقل، قابلة للزيادة سنويا بلا سقف ولا حدود قصوى، وهو ما سيساعد على تمويل التنمية بموارد محلية ويقلل حاجة مصر للاقتراض. وقد حقق صافي ميزان تجارة الخدمات مع العالم في العام الماضي فائضا بقيمة 5.1 مليار دولار، ساعد إلى جانب تحويلات العاملين في الخارج على استمرار صمود الإقتصاد المصري.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق