الكاتب والأكاديمى وليد عبدالحي ...يكتب: البعد المهمل في قضية جورج قرداحي

30/10/2021 02:52


د. وليد عبدالحي

قليلا ما أولى الباحثون العرب في الشأن السياسي موضوع " البعد السيكولوجي" في صنع القرار العربي بشكل عام او خاص، ففي البعد العام لا نجد ذلك في تحليل الاحزاب او جماعات الضغط او الراي العام او الاقليات وسلوكها السياسي او السلوك الانتخابي او النزعات العنصرية او التنظيمات السرية او نزعات العنف في خصائص الطابع القومي للمجتمع موضوع الدراسة...الخ، وفي البعد الخاص الفردي وبشكل محدد الدراسات السيكولوجية لا نجد هذه المدرسة الفكرية في تحليل الزعماء العرب وتأثيرها على آلية صنع القرار او اتخاذ القرار، رغم أن المكتبات الغربية مليئة بالدراسات السيكولوجية عن زعماء العالم وقادة الثورات ، بخاصة ان هناك فرعا علميا اسمه " علم النفس السياسي" تدرسه أغلب اقسام العلوم السياسية وتنساه اقسام السياسة في أغلب جامعاتنا.

وفي حالة تحليل شخصية الزعيم يتم التركيز على خمسة ابعاد في شخصية الزعيم لفهم قراراته، تبدأ من البعد البيولوجي(جهازه العصبي، مستوى الحساسية للأشياء ، ضميره)،والبعد المعرفي(مستويات الادراك،والتفكير،والذكاء،والذاكرة)، اما البعد الثالث فهو مراحل الحياة( تطور الشخصية في مراحلها الثمانية: المرحلة الفمية، المرحلة الشرجية،مرحلة الصديق الوهمي، مرحلة المراهقة ، مرحلة الشباب المبكر، مرحلة الشباب الناضج، مرحلة الشخصية المتكاملة، مرحلة الكهولة) ويتمحور البعد الرابع حول الشخصية الاجتماعية ( الحوافز والدوافع والانخراط الاجتماعي) وتنتهي الابعاد بالبعد الخامس وهو الصحة النفسية( مظاهر المرض النفسي، التوتر، درجات الانفعال).

اعود لموضوع الضجة والتفاعلات التي تركها تصريح وزير الاعلام اللبناني الحالي " جورج قرداحي" عن وصفه للحرب السعودية على اليمن بأنها " عبثية "، مع ضرورة التنبيه الى ان التصريح كان في وقت لم يكن قرداحي يتولى فيه أي منصب سياسي، ومع التذكير بأنه كان من ابرز شخصيات قنوات الاعلام الخليجي والسعودي تحديدا.

وهنا لا بد من الاشارة الى أن اغلب قادة العالم وبرلمانات الدول العظمى ومراكز الدراسات الاستراتيجية وكبريات الصحف العالمية الامريكية والأوروبية والروسية والصينية وشخصيات سعودية خارج المملكة وصفت هذه الحرب السعودية اليمنية اوصافا تتسق مع مضمون تصريح قرداحي..ويكفي ان تضع على غوغل العبارة التالية : Yemen absurd war ( حرب اليمن العبثية) وستجد ان مجموع المواقع التي استخدمت هذا التعبير هو 2 مليون وخمسون الف موقع...مما يعني ان توصيف قرداحي هو جزء من توصيف شائع الى حد انه التعبير المتداول الوحيد

في الاعلام العالمي.

من جانب آخر ، فان الحليف الاول للسعودية وهو الولايات المتحدة لا ترى في هذه الحرب الا أنها عبثية، وكم مرة سخر ترامب من القادة السعوديين في هذه الحرب او غيرها، ولم تثر سخرياته المُرة أي رد فعل سعودي حتى لو لفظا، وكل تصريحات جو بايدن ووزير خارجيته بعد ذلك تدور في نفس الدائرة.

وهنا يأتي التساؤل: لماذا ردة الفعل "النزقة جدا" على تصريحات قرداحي( مع التذكير بانها كانت قبل توليه الوزارة) وعلى الحكومة اللبنانية وصولا لسحب السفير السعودي والطلب من السفير اللبناني المغادرة؟

وهنا نعود لسيكولوجية صانع القرار ومتخذه، ففي كل دول الاستبداد يكون صانع القرار(من يعد البدائل لمواجهة الموقف) هو نفسه من يتخذ القرار ، مما يجعل التفسير السيكولوجي هو المنهجية الاكثر مواءمة لتحليل الموقف، ويكفي تذكر شواهد على الحالة النفسية لصانع ومتخذ القرار:

أ‌- الغرائزية الهائلة في التخطيط والتنفيذ المشوش تماما لجريمة قتل جمال خاشقجي.

ب‌- التأكيد في بداية الحرب اليمنية انها لن تستغرق " اسبوعين او ثلاثة"

ت‌- التصريح بان السعودية ستكون في موقع اوروبا خلال خمس سنوات

ث‌- طريقة التعامل مع افراد العائلة الحاكمة

ج‌- وهْم التحديث والتنمية المعزول تماما عن أي تحديث سياسي بالتداول على السلطة والانتخاب والحريات العامة وتشكيل الاحزاب والنقابات...الخ.

ح‌- طريقة حجز رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري رغم أنه الاقرب للسياسة السعودية

بعد ذلك يتم طرح الاسئلة التالية:

1- كيف يتوافق الغضب على تصريح عابر لقرداحي من ناحية والتفاوض المتواصل مع ايران والذي اصبح شبه علني من ناحية ثانية.؟

2- لماذا لا يجوز لاعلامي لبناني ان ينتقد السياسة السعودية بينما تعج كل فضائيات وصحف السعودية بنقد الحكومة اللبنانية وحزب الله ؟

3- ما دلالة ان البيان ضد قرداحي مغلف بموقف "خليجي"، وبخاصة من دول مثل الكويت التي تحاول جاهدة ان تتوازن في سلوكها الاقليمي،هل هو من باب" مكره أخاك لا بطل" ورغبة في اشباع جوع التطلع للقيادة الاقليمية لدى صانع القرار السعودي ومتخذه؟

أخيرا، لا أرى أي صلاحية للتحليل الاستراتيجي او للمنظور الواقعي او أية نظرية في العلاقات الدولية صالحة لتفسير ردة الفعل السعودي إلا نظرية التحليل السيكولوجي بأبعادها الخمسة التي اشرت لها...ربما.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق