الكاتب والمفكر وليد عبدالحي ..يكتب : السودان وصعوبة العبور

25/10/2021 03:02


د. وليد عبدالحي

بمناسبة الانقلاب السوداني الجديد اليوم: هذا ما كتبته حرفيا في ١٧ / ٨ / ٢٠١٩..قبل اكثر من عامين:

السودان وصعوبة العبور....

وليد عبد الحي

أسلوب الاعلان عن الوثيقة الدستورية السودانية المؤقتة الذي تلا عراكا ماديا ومعنويا لمدة تقارب الاربعة شهور بعد التخلص من نظام البشير يوحي ان الترويج للخروج من المأزق السياسي فيه قدر غير يسير من التسرع، وإذا وضعنا في الاعتبار البيئة الاجتماعية والسياسية الاقتصادية المتهالكة والخلافات الداخلية حول الخيارات الاستراتيجية الاقليمية لا سيما تجاه مصر ودول الخليج التي تسعى لضمان بقاء السودان في التحالف ضد اليمن وإضعاف تمثيل القوى الدينية السودانية او اليسارية المعارضة للمشاركة السودانية، فإن الوثيقة تتضمن نصوصا قابلة للتأويل وفيها قيود على حركات القوى الفاعلة.

أولا: البيئة العامة:

يعد السودان ضمن افقر عشرين دولة في العالم، ويقع 62% من سكانه(الاربعين مليون) في دائرة الفقر، وقد أدى انفصال الجنوب لفقدان الدولة 75% من احتياطياتها النفطية واكثر من نصف عائداتها المالية، ويقع السودان في المرتبة 172 من 180 دولة في نسبة الشفافية والنزاهة بمعدل 16% ، ومعدل الاستقرار السياسي فيها هو 3.15 من عشرة وفي المرتبة 153 من اصل 163 دولة. وديونها تصل الى 58 مليار دولار، وتبلغ الأمية 31% وتصل بين النساء الى 50%.

ذلك يعني ان السلطة القادمة بحاجة لقدرة غير عادية لتحسين الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يجب ان تسبق او ترافق التطور السياسي وضمان الاستقرار، وهو امر ليس باليسير تحقيقه ، ومهما كانت المساعدات الخارجية فان هذه المساعدات ترتبط بشروط سياسية ستزيد الامور تعقيدا.

ثانيا الوثيقة الدستورية:

تضم قوى الحرية والتغيير التي وقعت مع العسكر على الوثيقة الدستورية 4 قوى هي (تجمع المهنيين، الاجماع الوطني ،نداء السودان، التجمع الاتحادي)، وهذه القوى نسبة التجانس السياسي داخلها ليس كبيرا، مما يعني ان بينها خلافات ناهيك عن خلافاتها مع العسكر ستثور لاحقا عند الانتقال من المبادىء العامة للتطبيق.

ولنتوقف عند بعض بنود الوثيقة الدستورية التي يمكن ان تنبت منها موضوعات خلافات عميقة:

1- يضم المجلس السيادي 11 عضوا من .مدنيين وعسكريين( أي انها حكومة مختلطة عسكرية ومدنية وهو أمر ينطوي على مخاطر من الناحية الفعلية)

2- كيف سيتم تحقيق ما نصت عليه الوثيقة من " التوفيق بين النصوص الدستورية سارية المفعول والنصوص الجديدة المؤقتة"،

وهنا سندخل في جدال حول آليات التوفيق غير المتفق عليها بعد.

3- تنص الوثيقة على استمرار التعامل مع الجرائم المختلفة التي ارتكبها النظام السابق خلال الثلاثين سنة الماضية من خلال لجنة افريقية( وليس عربية ؟؟ )، وهذا يعني ان اطراف النظام السابق ( او من يمكن ان يصنف على هذه الشاكلة) سيعمل على عرقلة المسار بكامله، فماذا لو تبين مع التحقيق ان بعض اعضاء المجلس السيادي شاركوا في جرائم النظام السابق، فهل سيتم عزلهم، ومن سيعزلهم، ومن سيحل مكان المعزول، مع العلم ان معظم العسكريين في المجلس السيادي الجديد هم من عظام رقبة النظام السابق...

4- ان طول الفترة الانتقالية 39 شهرا( 21 منها للعسكر و18 للمدنيين) يشير الى مسالتين هامتين، ان الثقة بين الطرفين مهزوزة بحكم التقاسم، كما ان العسكر سيبدأون فترتهم أولا ، وهو امر قد يمكنهم من ترتيب الامور بكيفية تضيق ميدان الحركة على المدنيين لاحقا.

5- اولويات المناطق المتأثرة بالحرب: تنص الوثيقة على العمل على اعطاء الاولوية للمناطق المتأثرة بالحروب، وهو ما سيفتح المجال لمسالتين: الأولى كيفية تحديد معايير الاولوية، والثانية حجم الانفاق على هذه المناطق لا سيما في ظل طبيعة التركيبة القبلية والمناطقية السودانية،

6- تنص الوثيقة على آليات اعداد دستور جديد، وهو امر لم يتم تحديده ، وهو ما سيفتح الباب على مصراعيه للخلافات حول القوى والافراد المشاركة وصياغة النصوص الدستورية، وكيفية الترجيح بين الاقتراحات لها.

7- تحدد الوثيقة بأن اصلاح الأجهزة العسكرية هو من صلاحية المؤسسات العسكرية، وهو ما يعني أن صلاحيات الفرع المدني في المجلس السيادي لا تمتد الى التدخل في شؤون المؤسسة العسكرية رغم أنها يجب ان تكون خاضعة له، بينما سيكون للعسكريين الحق في التدخل في كافة الشؤون المدنية، وهو ما يعني ان الثقة ليست متبادلة .

8- تحدد الوثيقة الصفة العامة للدولة بأنها "دولة لامركزية"، وفي ظل التجارب لهذا الموضوع في اغلب الدول النامية (وبخاصة الافريقية) ذات التنوع الديني والعرقي والقبلي، فان هذه التقسيمات ستفتح الباب على مصراعيه عند تحديد حدود الولايات وصلاحيات المجالس المحلية.

ذلك يعني ، أن امام السودان مراحل عراك بعضها سيكون صامتا ومؤلما، وبعضها سيعرف عراكا عضويا تسيل فيها الدماء والاغتيالات ونبش النزاعات العرقية ،،،وسيبقى الباب مفتوحا على التقسيمات الجديدة وعلى التدخلات الخارجية من كل حدب وصوب...أملي ان أكون مجانبا للصواب.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق