الدكتور محمد المهدي..يكتب: تأملات طبيب نفسي

20/10/2021 02:29


د. محمد المهدي

تعودت منذ صغري أن ألطف أحزاني وآلامي إما بالصلاة أو باللجوء للقراءة , والقراءة فتحت أمامي أبوابا رائعة للعلم والمعرفة , حتى أصبحت من أهم متعي في الحياة فأصبحت أقرأ في كل ما تقع عليه عيني .. أقرأ في كل شئ وأستمتع بذلك أيما استمتاع , ولم يعد العلم ثقيلا على نفسي كما يشكو كثير من الناس ولكنه ملاذا آوي إليه كلما استوحشت من الناس أو تكالبت علي الهموم والأحزان أجد فيه راحتي وسلوتي , وأجد فيه عزتي وعزوتي ومجدي ورفعتي , وتسمو به روحي إلى آفاق لا تحدها حدود . وأصبحت هناك رابطة بين علاقتي بالعلم وعلاقتي بربي إذ أصبحت أرى الله أكثر كلما تعمقت في العلم والمعرفة واطلعت على أسرار الكون وتعرفت على قوانينه المعجزة , وأصبح لدي ما أشعر بأنه نوع من التصوف العلمي , وأصبحت راحتي في أن آوي إلى خلوتي مع العلم قراءة وكتابة ومعايشة وحبا , فأعيش حالة من الوجد الصوفي الخالص من كل الشوائب والتعلقات . وكثيرا ما انجذبت في حياتي إلى معاني التصوف وما تحويه من تجرد وزهد وتخلص من العلائق الدنيوية والسمو الوجداني والروحي والخلوات التأملية والعشق الإلهي الصافي الراقي , ولكني لم أمارس التصوف بطريقة الإنتماء إلى طريقة أو اتباع شيخ , حيث كانت تصدمني بعض الممارسات البدعية أو الشعبوية . وقد كنت في طفولتي أستمتع بحضور الموالد ومشاهدة حلقات الذكر والإستماع للإنشاد الديني , ولكن في نفس الوقت كنت أدخر ما أستطيع من مصروفي – وهو قليل - لأشتري به قصصا وروايات أخلو بها في ركن من البيت وأقضي ساعات طويلة في قراءتها وأشعر بنشوة عجيبة وأنا أفعل ذلك .  

وانتقل هذا التصوف العلمي إلى تصوف مهني من خلال ممارسة مهنة العلاج النفسي حيث أبدأ المشوار مع المريض بقراءة نصه البشري , والتجوال في عقله ووجدانه وروحه , ثم أستلهم العون من الله ومما منحني من معرفة ببعض أسرار النفس لأبدأ رحلة إصلاح للنص البشري الذي اعوج أو

تشوه أو اضطرب لدى المريض بفعل الجينات أو الكيمياء أو الظروف لكي يقترب هذا النص إلى أحسن تقويم ممكن , وفي ذات الوقت وبالتوازي مع تلك الرحلة مع المريض أعيد قراءة النص البشري في نفسي لأعيد إصلاح ما اعوج لديّ وما تشوه وما اضطرب . وبهذا أصبحت أتعبد بلحظات وجودي في العيادة أو المستشفى مع مرضاي أو حتى مع تلاميذي أعلمهم وأدربهم وأتحاور معهم وأكبر بهم ومعهم , وصارت مهنتي هوايتي ومحرابي وخلوتي وأحد وجوه تعبدي , أجد فيها راحة وهدوءا وسعادة وصفاءا على الرغم من صعوبتها ومشقتها وساعات العمل الطويلة التي أقضيها كل يوم قارئا ومتأملا ومعالجا ومقاوما للمرض بأشكاله المختلفة.

وكثيرا مافكرت – خاصة حين تجاوزت الخامسة والستين من عمري – أن أتفرغ للصلاة والصيام وسائر العبادات , وأن أخلو إلى ربي , وأتخفف من علائق الحياة ومشكلاتها , وتمنيت أن أعيش في غرفة فوق سطح البيت أناجي الله وأتطلع إلى السماء , وأعيش حياة بسيطة زاهدة حتى ألقى الله , ولكن بعد تفكير وتأمل أرى أن المجاهدة لنفسي وللمرض وللجهل وللقبح والتشوه في وسط الناس وبينهم ربما تكون أكثر نفعا للناس ولي وأكثر رجاءا لي عند الله .

وهنا أتذكر حيث رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن يغرسها فليغرسها فإن له بذلك أجر" , وتذكرت قول أحد المصلحين لتلاميذه " إسعى إفعل خيرا" , وتذكرت قول أبقراط (أبو الطب) ملخصا فلسفة مهنة الطب التي أشرف بالإنتماء لها : "نحن نقدم المساعدة دائما وأحيانا نداوي " (We always help, sometimes cure) , وكثيرا ما يسألني المريض وأنا أصف له الدواء أو أنتهي من جلسة علاج : هل سأشفى يادكتور ؟ .. فأرد عليه : أنا كطبيب لا أملك الشفاء , ولكني تعلمت السعي إليه بكل ما تجمع لديّ من معرفة طبية , وأنت ستساعدني برغبتك في الشفاء , ودعائي ودعاءك بأن يكلل الله مسعانا بالنجاح .

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق