هواري العبدلى..يكتب: الخيارات التركية الوعرة

08/10/2021 03:18


هواري العبدلي

تركيا حققت نجاحا ضخما خلال العشرين عاما الفائتة

هذا النجاح تمثل أولا فى الاقتصاد ثم تتابع فى مناحى أخرى

لكنه اعتمد على الاقتصاد بالأساس

ومع ذلك فإن الاقتصاد التركى هو خاصرة تركيا الحقيقية وهو خاصرة لها أشد من العلويين وأشد من الأكراد وأشد من شبه الكماشة الفارسية على حدودها

نظرة واحدة على الاقتصاد التركى تعلمك أنه اقتصاد بعيد جدا عن الاستقلال بل هو مندمج بالكلية اندماجا مستندا على الاقتصاد العالمى

النظرة مطلوبة على أربعة أرقام

التصدير والاستيراد والاستثمار الأجنبى والسياحة

هذه النظرة ستقول لك إن إغلاق هذه الأوجه الأربعة سيدمر الاقتصاد التركى كتسونامى

وهو أمر ممكن تماما لآلة الاقتصاد العالمى فعله وتحمل تضررها منها (والذى يبقى بسيطا نظرا لحجم مساهمة الاقتصاد التركى فى التجارة العالمية )

والسياسة الجديدة والمتصاعدة للرئيس التركى أوردغان تستلزم قدرة على الحماية لا قدرة على المناورة فقط كسابقتها

وهذه السياسة الجديدة تتمثل فى

١.المطالبة الملحة بإحداث تغير فى النظام الدولى

٢.التمدد الإقليمى الذى نقل إلى طور التأثير

٣.الاشارات الحضارية المخالفة وهى عديدة

٤.الاصرار على استقلال أكبر للقرار

----------------

وأمام تركيا (نظريا على الأقل ) عدة خيارات لتحقيق أهدافها ومنع كسرها لكن ليست كلها متاحة عمليا

١. الاستقلال الاقتصادى عن الاقتصادى العالمى

وهو أكثر الخيارات جذرية فى الحل (لهذه المرحلة) وهو أبعدها عن التطبيق

فالمجتمع التركى الذى يعطيك صوته من أجل البطيخ ولا يرغب غالبه فى تحمل المشاق لن يدعم ولن يتحمل ذلك

٢. الوصول بالقوة العسكرية لمرحلة الردع وبامكانات مستقلة

(وأعتقد أنه الخيار الاول للنظام التركى اليوم)

وقد يبدو خيارا ممتازا للوهلة الأولى

لكنه خيار جد خطر من عدة أوجه

فأولا هو يلزم النظام التركى فى الحركة بمستوى تكامل الخيار فيعيقه عن اقتناص الفرص مهما كانت سانحة

ثانيا يمكن أعداء النظام التركى من معرفة ليس خطواته القادمة فقط وليس موعدها فقط بل وما يحتاجه فى المستقبل القريب من إمكانات لاحداث النقلة

وبالتالي يمكن عرقلته عبر بحر من التفاصيل

ثالثا بدا من محاولة الانقلاب الأخيرة فى ٢٠١٦ أن النظام التركى ليس له ولاء كاملا داخل الجيش

لذا يبقى هذا الخيار وضعا للقوة فى موضع يخشى معه ليس فقط الانقلاب الصريح وايضا التأثير على توجيه تلك القوة فى دعم السياسة الجديدة للنظام التركى

حتى أنه قد

يحصلها ولا يمتنع بها

٣. التحالفات الكافية متانة وقدرة على منع كسره فى ظل سقف سياسته الجديدة

وهى أبعد الخيارات عن الحصول

فالنظام التركى على مستوى التحالف خياراته من الضيق بمكان بحيث تصلح وأن تكونا نموذجا يدرس

فالمحيط العربى يستحيل للنظام التركى إيجاد حليف فيه وقطر لا يعتمد عليها مطلقا

والأوروبيين هم العدو

وايران وأذنابها لا يمكن أن يكونوا حلفاء للنظام التركى

وروسيا أذكى وأعقل من دعم تحالف يتيح للنظام التركى تنفيذ أهدافه وان كانت تدعم تحالفا يساند بعض هذه الأهداف أو حتى مستوى معينا من كل هدف

وباكستان دولة تتنازعها الهويات ورأس قوتها الصلبة مخالف وهى وان جائت لا تستطيع

وهكذا فتحالف كاف متانة وقوة يتحمل سقف التوجهات الجديدة هو أمر مستبعد

٤. التغيير الثقافى للمجتمع التركى (تغيير الهوية التركية)

وهو الخيار المثالى والحاسم

فمن مجتمع قومى تركى إلى مجتمع ماتريدى حنفى صوفى تركى

هذا خيار تام لمناعة الجبهة الداخلية وممكن عمليا

لكنه بحاجة لزمن وقد تأخر البدأ فيه (ليس محل المناقشة لما تأخر) حتى عبرت الخيارات التركية وخيارات عدوها القدرة على الانتظار حتى استواءه

فهو يفتح باب الاستقلال الاقتصادى

ويستبدل خزان التحالفات الدولية المغلق بخزان بشرى بمئات الملايين

وينهى مشكلة العلويين ويضع مشكلة الأكراد على اول طريق النهاية ويدفعها فيه حتى تصل

لكن الوقت الضاغط على النظام التركى لا يمكنه من انتظار اكتماله من وجه ويجعله من وجه آخر غير قادر على دفعه أسرع تحسبا للآثار الجانبية للدفع العجل على الجبهة الداخلية خصوصا

٤. صناعة توليفة من العناصر السابقة

قدر من الاستقلال الاقتصادى وقدر كبير من القوة العسكرية الرادعة وقدر من التحالفات المؤثرة مع قدر من إعادة تشكيل الهوية الداخلية

(وهو خيار تشى قراءة التحركات التركية أنه ربما يكون معمولا به بدرجة أو بأخرى )

وهو خيار حالم

هذه العناصر تتفاعل وتتضارب وانت لست فى مختبر لتسيطر عليها

وكلا منها تصنع عدو أو ترفع سقف عداءه أو تفعل عداوته أكثر

وكل منها تولد ظواهر اجتماعية وضغوط سياسية داخلية وخارجية قد تتضاد علاجاتها

وهذا يختلف عن تبنى خيار واحد واعتباره الأصل والثابت واستخدام بقية الخيارات فى مساندته أو المناورة حوله

إن كل الخيارات التركية للتقدم وعرة وتحتاج لقرارات مؤلمة ومواجهات مرهقة

الأمر ليس مصعدا كما يبدوا للطيبين ولكنه مرتقا وعرا



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق