المفكر والأكاديمى وليد عبدالحي..يكتب: المشهد السوداني :براغماتية على حساب الفلسطينيين.

25/09/2021 06:08


د. وليد عبدالحي

تكشف المقارنة التاريخية بين موقف الدول العربية في الخرطوم بعد هزيمة عام 1967 وبين الوضع العربي الحالي عن عمق الفشل في إدراك الواقع من ناحية  وفي إدراك مآل  ذلك الواقع مستقبلا من ناحية ثانية ، فمن لاءات الخرطوم الشهيرة الى نعم في كل شيء الا الديمقراطية...ونموذج ذلك هو السودان.

فمنذ  اعلان استقلال السودان عام 1955 حتى 2021 وقع في السودان 16 محاولة انقلابية ،  نجح منها خمسة انقلابات وفشلت 11 محاولة انقلابية آخرها الانقلاب خلال سيبتمبر الحالي ضد مجلس السيادة الانتقالي...فإذا حسبنا مجموع الانقلابات في افريقيا منذ 1955 سنجد أنها 208 انقلابات (82 منها انقلابات ناجحة  و 126 محاولة فاشلة)، مما يعني أن معدل الانقلاب في الدول الافريقية هو 3.85  انقلابا للدولة الواحدة ، وهو ما يعني ان معدل الانقلابات في السودان يعادل حوالي اربعة اضعاف معدل الانقلابات العسكرية في الدول الافريقية، ولو ذهبنا في المقارنات الى امريكيا اللاتينية في نفس الفترة، سنجد انه وقع فيها  95 انقلابا، منها 40 محاولة ناجحة و55 محاولة فاشلة، وهو ما يعني ان معدل الانقلابات في امريكا اللاتينية الى عدد دولها هو 2.9 للدولة الواحدة، واذا زدنا المقارنة تطبيقا ، سنجد أن عدد الانقلابات العسكرية في العالم خلال نفس الفترة هو 476، مما يعني ان معدل الانقلابات في العالم الثالث هو 3.13 للدولة، ذلك يعني ان السودان تتصدر دول العالم في عدد الانقلابات رغم ان الاتحاد الافريقي اتخذ قرارا عام 2000 بعدم الاعتراف باي تولي للسلطة عن طريق الانقلاب. ذلك يجعلني استنتج ان انقلاب مجموعة البرهاني وحمدوك لن يكون الاخير ، بل لعل الظروف العامة في السودان كما ساوضح تزيد الاحتمال بذلك سواء على شكل صراع داخل المجلس الحاكم بين المدنيين والعسكريين او بانفجار الشارع او المؤسسة العسكرية من جديد.

أولا: مؤشرات التأزم القادم:

عند مراجعة المؤشرات الهيكلية في السودان وجدنا ما يلي:

أ- معدل الديمقراطية هو 2.54 تنازلا من 2.90 عام 2005 مما يضع السودان في المرتبة 149 وضمن اسوأ عشرين دولة في العالم.

ب- بلغ معدل الاستقرار  السياسي ( -1.67 نقطة) ، أي ما يعادل استقرارا يساوي 33%، مع الاشارة الى ان المعدل في حالة تراجع عنه في فترة عمر البشير، ويجعل السودان ضمن اسوأ 15 دولة في العالم.

ج- نسبة الفساد هي ذاتها منذ 2017،، إذ تشير تقارير الشفافية الى ان السودان لم يتجاوز  16%  في معدل الشفافية، وهو ما يضعها ايضا ضمن الاسوا في العالم.

د- معدل دخل الفرد السوداني  775 دولار عام 2020 مقابل  2034 دولار عام 2011 (قبل انفصال جنوب السودان مع بداية الربيع العربي وهو الانفصال الذي كلف السودان خسارة في انتاجها البترولي حوالي 75%.) وسيبقى  الدخل الفردي يراوح طبقا للدراسات حتى عام 2025 في حدود 780 دولار سنويا. وهو ما يجعلها ضمن افقر عشرين دولة في العالم .

هـ-  تحتل السودان المرتبة 54 عالميا في مؤشر العسكرة(GMI) عام 2020، بانفاق عسكري سنوي يصل الى 475 مليون دولار، في دولة يصل اجمالي ناتجها المحلي الى حوالي 34 مليار دولار فقط، أي بمعدل 1.4.

و-نتيجة لسلسلة العوامل السابقة والتأزم المتواصل تراجعت قيمة الجنيه السوداني من 45 للدولار الى  300  جنيه للدولار الواحد حاليا، أي أن التراجع بلغ حوالي سبعة اضعاف.

ز- تقع السودان في مرتبة متأخرة من حيث عدالة التوزيع للدخل ، فهي تقع في المرتبة 116 بمعدل 41.

ح- التركيبة السكانية ، يصل عدد السكان الى 43 مليون نسمة،لكن معدل العمر يعد ضمن الادنى عربيا(64 سنة)، ورغم ان السكان اغلبهم عرب(حوالي 70%) ومسلمون(97%)، الا ان الاضطرابات الاثنية متواصلة بين الدولة والقبائل  او بين القبائل ذاتها كما هو الحال في  قبائل الفور( في منطقة  دارفور)وقبائل البجا(في الصحراء الشرقية بين النيل والبحر الاحمر) والنوبيين(على الحدود الشمالية مع مصر)...الخ،

ط-تعد السودان من ضمن الدول العربية الاعلى في الامية والتي تصل الى حوالي 40%.

ي- مشاكل السودان  مع دول الجوار، يبلغ طول الحدود السودانية مع السبع دول  المجاور لها حوالي ستة الاف و819 كيلومتر، وتولد عن هذه الحدود مشكلات عديدة، بعضها حاد كما هو الحال على تقاطع الحدود الاثيوبية الارتيرية مع السودان، وموضوع مثلث حلايب مع مصر وهو نزاع صامت ويظهر بين

الحين والآخر، ناهيك عن الأزمة الجديدة مع اثيوبيا بخصوص سد النهضة، وهشاشة الوضع في ليبيا وبقية الدول المجاورة للسودان.

ثانيا: موضوع العلاقة مع اسرائيل:

ليس صحيحا ان علاقات السودان مع اسرائيل بدأت مع المجلس السيادي الانتقالي الحالي، فرغم  أن الاعلان عن العلاقات الرسمية بين السودان واسرائيل تم  في اكتوبر عام 2020 ،الا ان العلاقات بينهما سابقة على ذلك بوقت  طويل  طبقا لوثائق وزارة التعاون الدولي الاسرائيلية، وهو ما يجعل السودان هي الدولة العربية  السادسة في اقامة علاقات رسمية علنية مع اسرائيل على  الرغم من الدور الكبير لاسرائيل في دعم انفصال الجنوب السوداني عن شماله، وهو امر عليه من الشواهد والتقارير والدراسات الكثير.

لقد كانت هناك تلميحات أولية  من وزير الخارجية السوداني في عام 2016( ابراهيم غندور) في زمن عمر البشير  عن نظرة جديدة لاسرائيل ، ثم تبعهتا تقارير عن ان اسرائيل تسعى لدى الدول الغربية لرفع القيود عن السودان بخاصة بعد أن تصاعد خلاف السودان مع ايران عام 2015، وفي فبراير 2020 تم الاعلان عن لقاء زعيم الانقلاب العسكري عبدالفتاح البرهان ورئيس الوزراء الاسرائيلي نيتنياهو في اوغندا (وفي المكان الذي قتل فيه شقيق نيتنياهو خلال عملية عينتيبي)، تلته جهود اسرائيلية لرفع السودان من قائمة الدول الداعمة "للارهاب"، ثم أودعت السودان مبلغ 335 مليون دولار تعويضا عن التفجيرات التي ضربت السفارة الامريكية في كل من تنزانيا وكينيا عام 1998، ثم توالت الزيارات واللقاءات المتبادلة بين الطرفين وصولا لموافقة السودان على ما سمي اتفاق ابراهام.

وقد انقسم الشارع السوداني تجاه  خطوة التطبيع مع اسرائيل، فصدرت فتاوي دينية  وبيانات من تيار الحرية والتغيير ومن زعيم حزب الامة ، لكن ذلك لم يترك أي اثر على توجهات البرهان وبخاصة بعد اعتماد الولايات المتحدة والامارات واسرائيل  لمساعدات للسودان بقيمة 800 مليون دولار دفعت منها اسرائيل 10 ملايين رغم ان السودان طلب ما بين 3 الى 4 مليار دولار لمواجهة الاختناق الاقتصادي.

وخلال الشهر الجاري جرى تداول لأنباء عن تشكيل لجنة خاصة للنظر في ممتلكات لحماس في السودان، وقررت طبقا لما سربته وكالة رويترز عن احد اعضاء اللجنة  مصادرة السودان ممتلكات لحماس مثل منشآت عقارية ومزارع ،ومشروع البداية الزراعي،وفندق الى جانب شركة صرافة(الفيحاء)، وهو سلوك غير مفاجئ لا سيما بعد الاعلان مسبقا عن نزع جواز السفر السوداني الممنوح لبعض قيادات حماس من السودان.

ان تسارع التطبيع السوداني الإسرائيلي يكشف عن تغلغل اسرائيلي في المجتمع والمؤسسة العسكرية السودانية،لقد ضربت اسرائيل عام 2012  مصنعا عسكريا في الخرطوم بتهمة صلته بتخزين سلاح يتم نقله الى حماس في قطاع غزة.وقبلها تم تنسيق لنقل الفلاشا اليهود من اثيوبيا لفلسطين المحتلة عبر الاراضي السودانية،ثم بدا النظام السياسي السوداني في فترة الثمانينات يميل تدريجيا باتجاه مساندة الموقف المصري ضد بقية الدول العربية في موضوع المعاهدة المصرية الاسرائيلية عام 1979.

ان  تحالف العسكر( البرهان) والتكنوقراط(حمدوك) والاعلان عن الانقلاب الاخير وملابسات ما بعده، يزيد صعوبة  الاستقرار  مما سيخلق مشكلات امام  انتخابات مفترضة عام 2022 ، ويبدو أن ثمة فجوة في التوجهات بين البرهان وحمدوك ، حيث يبدو الاول  اكثر اندفاعا نحو اسرائيل من الثاني الذي هو أقرب الى معرفة واقع المجتمع المدني والاحزاب على اختلاف توجهاتها في السودان بخاصة انها  تعد من ضمن القوى المنظمة والاكثر تجذرا قياسا لبقية الدول العربية.

ان البراغماتية المفرطة يجري تطبيقها من النظام السوداني في علاقاته الدولية  على حساب الطرف الاضعف وهو فلسطين، فهذا النظام يتقدم خطوة نحو اسرائيل وينتظر المساعدات، ثم يتقدم خطوة اخرى وينتظر مساندته لرفع اسمه من قوائم الارهاب، ثم يتقدم خطوة اخرى منتظرا تخفيف اعباء دفع التعويضات عن دور سوداني في مساندة الفلسطينيين..وهكذا تنازل لاسرائيل ودفع الفاتورة من الحساب الفلسطيني.

ان السياسة السودانية تجاه اسرائيل غير منفصلة عن خوار عربي وصل الى " قلاع العروبة" فما بالك في هوامشها...ومن يتوهم ان اسرائيل ستسمح لأي دولة عربية ان تقوى فهو واهم تماما، لان اسرائيل تعرف أن تاريخ المنطقة يشير الى ان العرب سيعودون للصراع معها لحظة احساسهم بالقوة..وهو ما لم تسمح به بكل جهودها ..إذا استطاعت.

أخيرا..إذا كان البرهان يسعى للديمقراطية كما يقول، فهل له ان يقول لنا كم نسبة السودانيين الرافضين للتطبيع الذي اقدم عليه قبل ان يسمع رأي شعبه؟ انهم يتراوحون بين 82-88%...



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق