الحراك الاجتماعي ورغيف الخبز

11/08/2021 06:01


د. هاني سليمان

على مدار تاريخ مصر كانت هناك طبقة عليا غنية جدا وصغيرة جدا تملك وتحكم البلد، بينما كان معظم الشعب ينتمي إلى الطبقة الفقيرة المحكومة والتي لا تملك ولا تحكم، وكان هناك طبقة وسطى صغيرة أو محدودة توجد بين الطبقتين.

حجم هذه الطبقة الاجتماعية الوسطى كان يتغير حسب نوعية الحكم والتوجه السياسي والاقتصادي للبلد وحسب توجه الحكام، فمثلا كان حجم هذه الطبقة في مصر قبل عام 1952 هو حوالي 20% من سكان مصر، بينما كان حجم الطبقة الغنية أقل من 1% فقط من السكان، وكان بقية المصريين (حوالي 80%) ينتمون إلى الطبقة الفقيرة.

ارتفع حجم الطبقة المتوسطة في مصر تدريجبا بعد 1952، ليصل إلى حوالي 45% من السكان في أوائل تسعينيات القرن العشرين، كما قال د. جلال أمين في كتابه الشهير "ماذا حدث للمصريين"، وهو ما أسماه "الحراك الاجتماعي - "Social Mobility، أي تحرك أفراد الشعب اقتصاديا واجتماعيا، وتحولهم من طبقة اجتماعية إلى أخرى.

حدث هذا التحول نتيجة تبني النظام الحاكم في الخمسينيات والستينيات للنظام الاشتراكي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، والذي يهدف إلى المساوة بين أفراد الشعب، مع التوسع في التعليم الأساسي والجامعي، وتكفل الدولة بتعيين خريجي الجامعات بوظائف في الحكومة، إلى جانب سفر كثير من خريجي الجامعات إلى دول الخليج الغنية بعد انتعاش البترول بها في السبعينيات والثمانينيات، مما أعطى الفرصة لتحول كثير من أبناء الطبقة الفقيرة إلى الطبقة الوسطى.

تعرضت الطبقة الغنية العليا القديمة في الخمسينيات والستينيات إلى بعض النقص نتيجة للسياسات الاشتراكية مثل تفتيت الإقطاع والتأميم والمصادرة، وإن ظلت موجودة ولكن غير ظاهرة، وأضيف إليها عبر السنين بعض أفراد النظام العسكري الحاكم، وطبعا انضم إليها البعض من مؤيدي النظام الحاكم ومحاسيبه وحاشيته والمستفيدون منه والمتسلقون على أكتافه.

كانت هذه الطبقة الغنية جدا، سواء قبل 1952 أو بعدها، منعزلة عن بقية الشعب وشبه مجهولة بالنسبة له، أي أن الشعب العادي كان - غالبا - لا يعرف الكثير عن هذه الطبقة، وكان هذا مقصودا من أفراد هذه الطبقة، ومقصودا أيضا من حكام مصر، حتى لا تُثار المقارنات بين حال هذه الطبقة التي تملك وتحكم، وبين بقية الطبقات التي لا تملك ولا تحكم، مما قد يؤدي إلى سخط اجتماعي ومحاولة تغيير هذا الوضع سواء سلميا أو عن طريق انتفاضات أو ثورات شعبية، تهدد النظام الحاكم.

أضف إلى هذا أن وسائل الإعلام والتواصل كانت محدودة جدا قبل 1952، وكانت محدودة ومقيدة جدا بعد 1952، فلم تكن تصرفات وأفعال وتوجهات تلك الطبقة ظاهرة ومكشوفة ومعروفة بالنسبة لمعظم الشعب.

ما يحدث في مصر حاليا هو تغيير جذري في أحوال الطبقات الاجتماعية وكذلك في العلاقة بين الطبقات، فقد انزلق كثير من أفراد الطبقة الوسطى إلى

الطبقة الدنيا الفقيرة بسبب السياسات الاقتصادية الحالية من رفع الدعم وزيادة أسعار السلع والخدمات المستمرة مع تدهور قيمة الجنيه المصري وقوته الشرائية وغير ذلك، وتدهورت أكثر وأكثر أحوال الطبقة الفقيرة الأصلية وإزدادت فقرا على فقر، بينما زاد غنى وتسلط الطبقة العليا، والتي زاد حجمها نسبيا نتيجة لانضمام عدد كبير من أفراد النظام العسكري الحالي لها، مع وجود الأغنياء القدامى وظهور أغنياء جدد جاء غناهم نتيجة لارتباطهم بالنظام الحكام، إلى جانب عدم اهتمام هذه الطبقة بإخفاء غناها وقوتها وسطوتها وسيطرتها على الحكم.

ساعد على هذا انتشار وانفتاح وتوسع وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، والتي جعلت تصرفات الطبقة العليا المستفزة مكشوفة ومعروضة ومعروفة لبقية الطبقات، رغم أن وسائل الإعلام الرسمية، المؤيدة للنظام الحاكم، تحاول إيهام الشعب أن النظام يعمل لخدمة الفقراء، بينما يبدو للشعب واضحا أن النظام إنما يعمل فقط من أجل هذه الطبقة العليا، والتي أصبح النظام نفسه ينتسب وينتمي لها بطبيعة الحال.

النتيجة هي ما وصلت إليه مصر الآن: سخط شعبي شبه عام على النظام الحاكم، وعلى الطبقة العليا المترفة الغنية التي تستفز بقية الشعب بتصرفاتها التي تدل على عدم الاهتمام بمشاعر الشعب الذي يعاني من أجل العيش ومن أجل الحصول على ضروريات الحياة، يزيده ضغط النظام الحاكم على الفقراء كل حين عن طريق زيادة أسعار السلع الأساسية، وبالانحياز أكثر إلى الطبقة المترفة.

الصراع بين الطبقات هو أكبر محرك للشعوب من أجل التغيير، وهو كان سبب معظم الانتفاضات والثورات الشعبية في التاريخ، فلا يأمن الحكام ولا تطمئن الطبقة المترفة من ثورة الشعب الفقير، فهي قادمة لا محالة، وقد تكون في صورة انتفاضة شعبية غير منظمة يقوم بها الفقراء المهمشون، تدمر وتخرب وتحرق مملكة الحكام والأغنياء ومدينتهم الفاضلة الوهمية، والتي يظنون أنهم آمنون داخل أسوارها الحصينة.

لعل هذا الخوف من قيام انتفاضة شعبية لا تُبقي ولا تذر هو سبب التردد في رفع سعر رغيف الخبز كما طلب السيسي مؤخرا، إذا ربما قد نصحه رجاله بإلغاء الزيادة التي طلبها، أو تأجيلها والتريث في القيام بها حتى يمكن اتخاذ التدابير الأمنية التي تمنع قيام "انتفاضة خبز" جديدة ومهلكة في مصر.

وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (الإسراء - 16).

كلمة "أمرنا" يمكن أن تُقرأ بفتح حرف الميم "أمَرنا"، أي أن الله عز وجل يأمر المترفين ليفسقوا في بلد ما ليحق عليه الهلاك، ويمكن أن تُقرأ أيضا بتشديد حرف الميم "أمّرنا"، أي أن الله يجعل المترفين أمراءً أو حكاما للبلد، فيفسقوا فيه، فيحق عليه الهلاك وعذاب الله عز وجل.

كلا المعنيين وارد الآن في مصر.

#بس_خلاص.

 

*نقلاً عن صفحة الدكتور هاني سليمان علي الفيسبوك



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق