السوق المائية المشتركة لحوض النيل..( إعادة تسويق الطرح الغربى للمياة باعتبارها سلعة)

09/08/2021 06:30


هاني رسلان

نشرت جريدة الشرق الأوسط اللندنية بالامس ، مقالا للاستاذ عادل درويش ، تحت عنوان السوق المائية المشتركة لحوض النيل . وبدا للبعض وكأنه مقال مهم يحمل فكرة يمكن على الأقل التأمل فيها ، غير أن المقال فى الحقيقة لم يقدم جديدا سوى تدوير وإعادة إنتاج فكرة تحويل المياه من حق من حقوق الإنسان ، إلى سلعة لها ثمن تباع وتشترى ، باعتبار أن المياه العذبة مورد نادر وان هذا التحول فى النظر إليها والتعامل معها هو الأسلوب الأمثل لحسن استخدامها .

يقف وراء الفكرة البنك الدولى وبعض القوى والجهات الغربية ، وقد أصبح واضحا أن الدفع بالمبادرة المشتركة لحوض النيل التى رعاها ومولها البنك الدولى و تورطت فيها  مصر فى عهد وزير الرى الأسبق الدكتور محمود ابوزيد ،  ( وانتهت كما هو معروف بأزمة اتفاقية عنتيبى التى ما زالت قائمة حتى الآن )  لم تكن إلا سعيا مبكرا لتطبيق هذا المفهوم بشكل عملى .

* عودة إلى مقال الاستاذ عادل درويش ، فإننا نشير الى بعض الملاحظات التالية :

- الكاتب من أصول مصرية ويعيش فى اوربا منذ زمن طويل، وله اهتمام سابق بقضايا المياه وسبق أن أن أصدر كتابا عن حروب المياه فى  ٢٠٠٣ .

 وبشكل عام يظهر من كتاباته تبنيه للأفكار الغربية فى النظر إلى المنطقة العربية ، وغالبا ما تتسم كتاباته و مداخلاته فى وسائل الإعلام ، بنبرة من الترفع أو النظر إلى المنطقة من أعلى ، باعتبارها سادرة فى التخلف والأفكار والتفاعلات التى عفى عليها الزمن ..

- وقد يكون هذا رأيه وله الحق فى تبنى ما يشاء ، ولكن هذا يحمل أيضا فى أحد جوانبه فكرة الانفصال عن الواقع القائم والنظر إليه من خارجه وليس من داخله والتماهى مع المنظور الغربى والسعى إلى إعادة تسويقه بأشكال مختلفة .

- بدأ المقال بمقدمة غير صحيحة وهى القول بأن ما تقوم به إثيوبيا لا يعد خرقا للقانون الدولى . فما هو القول إذن فى الضرر الجسيم الذى سوف يلحق بمائة مليون انسان فى مصر، والذى سوف يتحول الى تهديد للحياة فى حالة الجفاف الممتد !! ..   فقاعدة عدم الحاق الضرر هى القاعدة الأهم فى القانون الدولى ، وتنبنى عليها قاعدة أساسية أخرى هى الأخطار المسبق .

- الكاتب يقول بأن الحرب الاستباقية تطبيقا للمادة ٥١ ، تنطبق على محاربة الارهاب .. ويا للعجب يرى أنها لا تنطبق على الحرمان من الحق فى الحياة .

-  من ناحية الشكل جاء المقال مرتبكا ومربكا ، فأخذ يتنقل بشكل غير مستساغ بين استخدام اللتر والمتر والكيلو كمقاييس لكميات  المياه واستخداماتها  ، وقام بحشو واستعراض معلومات عن كميات المياه فى مواضع مختلفة على مجرى النهر ، دون أن يكون لذلك ارتباط واضح بالفكرة التى يهدف إليها والتى وردت فى اخر المقال.

- الفكرة التى طرحها فى نهاية المطاف عن بنك المياه ، لا يمكن وصفها الا بأنها خيالية ( ولا تجوز من المبدأ ) ، كما أنها منفصلة عن الواقع الذى تعيش فيه معظم  بلدان حوض النيل ، حيث تزخر هذه البلدان بفسيفساء متعدد من الانتماءات القبلية أو العرقية أو الإثنية ، وما زالت تكافح من أجل استكمال بناء الدولة بمفهومها المتعارف عليه بدرجات متفاوتة .

- وبناء على ذلك فإنه لا تتوافر المعلومات والإحصاءات الأساسية لتطبيق الفكرة التى يقول بها المقال ،فضلا عن بعض هذه الدول لا تسيطر على إقليمها بالمعنى المفهوم ، وبعضها يقوم على اقتصاد غير نقدى اصلا ، ويعتمد الناس فى أجزاء كبيرة من تعاملاتهم على فكرة المقايضة .

- والسوق المائية المشتركة  ( على غرار السوق الأوروبية المشتركة ) ، ربما تصلح لزمن قادم حين تصبح افريقيا فى مستوى التقدم والاستقرار والتقدم الاقتصادى الاوروبى والغربى بشكل عام . وهذا أمر يعلمه الله وليس فى مقدور أحد التنبؤ به فى المدى المنظور، الأمر الذى يشير إلى أن الكاتب لا يهتم بطرح افكار عملية قابلة للتطبيق ، وانما بهدف اساسا إلى إعادة طرح الأفكار الغربية التى ترى أن على مصر أن تقبل بما تفعله إثيوبيا من اعتبار ان النهر موردا خاصا بها ، و أن تتعاون ولا تلوح بأى تحرك من أى نوع ،  وان تشترى المياه من إثيوبيا فى صورة تعويضات أو إمداد مجانى أو شبه مجانى بسلع معينة مثل الطاقة أو غيرها ، أو بأى شكل من أشكال الدفع فى مقابل المياه .

إلي نص مقال الكاتب عادل درويش (السوق المائية المشتركة لحوض النيل)

ترتفع نداءات مصريين على وسائل التواصل الاجتماعي باتخاذ إجراء عسكري ضد إثيوبيا «حفاظاً على تدفق مياه النيل».

إثيوبيا، لم تخرق القوانين الدولية حرفياً (لغياب قوانين استغلال الموارد المائية العابرة للحدود)، لكنها انتهكت قاعدة قانونية وهي حق الاستعمال التاريخي لمصر والسودان، والبلدان التي يتأثر اقتصادها بأسعار صادرات وخدمات مصرية تعتمد على مياه النيل.

يمكن شن حرب استباقية pre - emptive action تحت المادة 51 من القانون الدولي - لضرورة الأمن القومي، كوجود جماعات إرهابية على الحدود لا يقمعها البلد المجاور، لكنه لا ينطبق على حالة مصر والسودان وإثيوبيا.

الحرب أداة تكتيكية في السياسة الخارجية ضمن استراتيجية بعيدة، فماذا

تنجز حرب تشنها مصر على بلد لا حدود لها معها؟

وما هو تعريف «الانتصار»؟

تحقيق «وحدة قسرية» بين البلدين؟

الحرب إذن ليست خياراً.

مفاوضات؟

إذا كان الهدف الإبطاء من ملء سد النهضة أو زيادة حصة مياه النيل، ستكون حلاً مؤقتاً في حالة نجاح المفاوضات التي غالباً ما ستفشل لقوة أوراق إثيوبيا.

تعريف water stress (نقص المياه) في إقليم جغرافي يحدده نصيب الفرد للاستهلاك الصناعي أو المنزلي بألف متر مكعب سنوياً (مليون لتر) كحد أدنى، وما دون نصف مليون لتر سنوياً يعني أزمة مياه.

الفرد المصري يستهلك منزلياً 200 لتر يومياً (73 ألف لتر سنوياً)، وإضافة المياه المستخدمة في إنتاج الأغذية والزراعة (2000 إلى 5000 لتر يومياً) تعني متوسط مليار وعشرة ملايين لتر سنوياً للفرد.

مصر تستخدم سنوياً 80 بليوناً و250 مليون متر مكعب، يأتي 70 في المائة منها من النيل (55.5 بليون متر مكعب)؛ وملياراً و300 مليون متر مكعب من الأمطار؛ و13 ملياراً و500 مليون متر مكعب من إعادة استخدام مياه الصرف.

الآبار الجوفية العميقة تساهم بمليارين و100 مليون متر مكعب؛ وآبار الدلتا الضحلة توفر سبعة مليارات و500 مليون متر مكعب؛ و350 مليون متر مكعب من تحلية مياه البحر desalination؛ ويمكن للمصريين مضاعفة الرقم عشر مرات في أقل من خمس سنوات بتكلفة اقتصادية مربحة لتوفر الطاقة الشمسية مجاناً لساعات طويلة، كما يخلق آلافاً من فرص العمل.

الـ70 في المائة من المياه التي تأتي لمصر من النيل تستغرق رحلة 6650 كلم، منها 1600 كلم في النيل الأزرق تمثل بـ20 في المائة من المياه من فيضان بحيرة تانا في هضاب الحبشة يتدفق منها 48.7 كيلومتر مكعب عند مقياس دايم (قبل التحاقه بالنيل الأبيض).

80 في المائة من مياه النيل مصدرها النيل الأبيض من البحيرات الاستوائية كفيكتوريا والبرت بكمية 84 كيلومتر مكعب (مقياس ملكال جنوب السودان).

مقياس التمنيات شمال الخرطوم (من النيلين الأبيض والأزرق) سجل 72.2 كيلومتر مكعب قبل بناء السد الإثيوبي (مجموع مياه النيلين 123.7 كيلومتر مكعب) فأين الـ60.5 كيلومتر مكعب؟

النيل الأبيض يفقد سنوياً 55 في المائة من مياهه (أي 46 ملياراً و200 مليون كيلومتر مكعب) بالتبخر في منطقة السد (المديرية الاستوائية في مملكة مصر والسودان حتى عام 1955) ومساحتها 30 ألف كيلومتر مربع، تزداد في موسم الفيضان إلى 130 ألف كلم أو خُمس مساحة جنوب السودان (21 في المائة).

مشروع قناة جونغلي الذي اقترحه السير ويليام غارستين في 1907 بدأ في 1978 لحفر 360 كلم في منطقة السد لزيادة سرعة التدفق وتقليل التبخر، وحماية 100 ألف كلم يحرم المزارعين من استغلالها، ويضيف إلى النيل ما يساوي أكثر من 90 في المائة من مياه فيضان النيل الأزرق.

العمل توقف (بعد استكمال 240 كلم) عدة مرات بسبب الحرب الأهلية في جنوب السودان، والدور هنا للدبلوماسية والاستثمارات استكمالاً لعمليات الحفر في قناتي جونغلي الأولى والثانية. وإلى جانب توفير المياه فإن المشروع الذي يجب أن يرافقه إصلاح خطوط السكك الحديد التي امتدت إلى السودان في زمن مصر الخديوية في القرن التاسع عشر، سيوفر فرص عمل وينعش اقتصاد جنوب السودان، ويربطها بالعالم الخارجي (فليس لها منافذ على البحر)، كمزايا إغراء لإنهاء الحرب في الجنوب.

لكن أطراف النزاع تغلب الآيديولوجيا السياسية على براغماتية المصالح الاقتصادية؛ ولجوئها لتنظيمات كالأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي يخلق مشاكل إضافية ويعرقل الحل.

المطلوب قرارات شجاعة وبراغماتية من الأطراف الثلاثة (مصر والسودان وإثيوبيا) بحصر الحوار بين بلدان حوض النيلين الأحد عشر (مصر، والسودانين، وإثيوبيا، ورواندا، وتنزانيا، وأوغندا، وبروندي، وإريتريا، وكينيا، والكونغو الديمقراطية).

بعد الاتفاقيات الأولى على خطوط مشروع تكوين معاهدة سوق هيدروليكي اقتصادي يتطور إلى مجالات تعاون أوسع على المدى الطويل، تتم دعوة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة كمراقبين فقط بلا تدخل.

نواة السوق الهيدروليكي المشتركة تكون بتأسيس البنك المائي («مصرف» لا تفي بالمعنى هنا) بادخار واستثمار وإنفاق وفوائد أرباح، بعملة الدولار المائي ويساوي مليون لتر مثلاً. مقر البنك المائي يكون في عاصمة الاتحاد ولتكن أحد البلدان المحايدة كبوروندي أو رواندا.

بلدان الموارد المائية كإثيوبيا وكينيا مثلاً تكون صاحبة رصيد إيداع تتقاضى عليه فوائد، لكن من تستخدمه من المياه، في توليد طاقة أو زراعة أو تخزنه وراء السدود (زيادة عن كمية الاستعمال التاريخي) يعتبر اقتراضاً من الرصيد ينقص الأرباح أو تدفع عليه فوائد. بلدان أسفل النهر كمصر والسودان تدفع فوائد ما تستخدمه فوق حصص معاهدات حق الاستعمال التاريخي. لكنها أيضاً تجني أرباحاً إذا صدرت محاصيل أو طاقة، أو خدمات تستخدم فيها المياه إلى بقية بلدان السوق (كيلوغرام الأرز مثلاً يتطلب 4 آلاف لتر حتى وصوله للمستهلك بينما يتطلب كيلوغرام من القطن 10 آلاف لتر).

من المتوقع زيادة سكان بلدان حوض النيل إلى 800 مليون في عام 2050 بحاجات مائية 180 مليار متر مكعب سنوياً (تزيد بـ33 في المائة على ما توفره مياه النيل اليوم)، بنصيب فرد 450 متراً مكعباً يومياً (1230 لتراً) أو 45 في المائة من الحد الأدنى ؛ وبلا تفكير طويل في المستقبل في تأسيس سوق النيل المائية على نموذج السوق الأوروبية المشتركة في الستينات سيكون المستقبل مظلماً لأهم أقاليم القارة السوداء.

 

*نقلاً عن صفحة الاستاذ هاني رسلان  مسشار مركز الأهرام للرداسات السياسية والإستراتيجية ورئيس تحرير مجلة رؤي مصرية 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق