المفكر السوري مجاهد ديرانية...يكتب: في عيد الثورة العاشر هل يمكن إنقاذ الثورة؟

26/06/2021 01:37




-1-

لنعترف أولاً -بصدق وشجاعة- بأن الثورة فقدت الكثير وأنها أرهقها المرضُ حتى شارفت على الموت، ولكنها ما تزال حية لمّا تَمُتْ، ولن تموت ما بقي مَن يحملها فكرةً في قلبه ومشروعاً يعيش من أجله، وهؤلاء كثيرون كثيرون -بحمد الله- حتى لَيكاد يعجز عن إحصائهم العاّدون.

صحيحٌ أن الثورة ضعفت وفقدت الكثير، ولكنها ما زال فيها نَفَسٌ يتردد وما تزال أقوى مما كانت عليه في أيامها الأولى بما لا يقاس. أينسى أصحاب الثورة تلك الأيامَ العصيبةَ الموحشةَ التي مشوا فيها في درب الثورة قليلين مستضعَفين يخافون أن تتخطفهم أجهزة الأمن من البيوت والطرقات؟ إنهم لا يفعلون؛ لا ينسون ولا يستبدلون بتلك الذكريات كرائمَ الأموال ونفائسَ الأعطيات لأنها أعظم الكنوز وأغلى المقتنيات، فليس مَن خطا على أرض الثورة أولى الخطوات كمن ركب قطارها في المحطات اللاحقات.

لقد مضى زمانٌ خشينا فيه على الثورة أن تموت، فكنا نترقب وندعو، نرجو إذا أمسى المساء أن تصبر ثورتنا إلى الصباح وإذا أصبح الصباح أن تصبر إلى المساء، ونَعُدّ عمرها بالأيام. ثم كافأنا الله على الصبر والأمل والعمل فجاء يومٌ صرنا نعدّ فيه ما بقي من عمر النظام بالأيام، فإذا أصبح الصباح ترقبنا سقوطه في المساء، وإذا أمسى المساء ترقبنا سقوطه في الصباح.

ثم دار الزمان دورة ثانية فإذا الانتصارات انكسارات وإذا بأرضنا المحررة التي غطتها أعلامُنا الخضراء ذاتَ يوم تغطّيها في يومٍ بعدَه الراياتُ السوداء والصفراء والحمراء. لماذا حصل ذلك؟ الجواب في ثنايا التاريخ: انتصر المسلمون في بدر بالطاعة وهُزموا في أُحُد بالمعصية، ثم خضنا بعد بدر وأُحُد آلاف المعارك فلم يتغير القانون من تلك الأيام إلى يومنا الحاضر. لو أن دارساً صبر على دراسة التاريخ فسوف يجد أن المسلمين لم ينتصروا قط لأنهم كانوا أقوى ولا غُلبوا لأنهم كانوا أضعف، إنما ترتبت الهزيمة دائماً على الخطأ وتعلق الانتصار دائماً بالصواب.

-2-

هذه المقالة لن يفهمها غير المؤمنين. لا أعني الذين يؤمنون بوجود الله فحسب، فهؤلاء كثيرون بحمد الله، بل أعني المؤمنين حقاً، الذين يؤمنون بخبر الله عن نفسه وعن قوانينه وسننه التي سَنّها في الوجود.

الله الكريم العظيم قدم لنا وعداً مشروطاً: "أن يغير حالنا إذا غيّرنا أنفسنا أولاً". فلمّا أنجزنا ما علينا أكرمَنا الله بما وعدَنا: أمضينا أربعين سنة في التيه والضياع، تهنا فيها عن كرامتنا وفرّطنا بحرّيتنا وغرقنا في الذل ورضينا لأنفسنا الهوان، ثم انفجر البركان وقام الناس كما يقوم النائم الوَسْنان من جوف المنام فهتفوا في فضاء الدنيا الواسع: "لا سكوت بعد اليوم عن ظلم ولا سكوت عن عدوان، لا رضا بعد اليوم بالمذلة والهوان". فعندها أنجز الله الوعد وغيّر الحال غيرَ الحال، وما لبثت الثورة أن حققت إنجازات وانتصارات يكلّ في وصفها القلم ويعجز عن تصورها الخيال.

كان ينبغي عندها أن نشكر الله بطاعته والتزام أمره، ولكنّا لم نفعل. لقد أمرَنا ربنا تبارك وتعالى أمراً واضحاً صريحاً فقال: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا} ونهانا عن التنازع فقال: {ولا تنازعوا فتفشلوا}، فماذا صنعنا؟

لبث ثوارنا أشتاتاً متفرقين حتى جاءت داعش فقضمت أول قطعة من الأرض يوم غطى الأخضرُ ثلثَي سوريا، فقال لهم العقلاء: "إن معركتنا مع داعش معركة صفرية وجودية لا ينتصر فيها المتفرقون، فإما أن تقاتلوها اليوم صفاً واحداً أو تضيع الأرض". وقد كان، فما مضت غيرُ سنة حتى أخذت داعش أربعة أخماس الأرض التي كانت معنا، ثم قدمتها لأعداء الثورة: للمشروع الكردي الانفصالي والنظام.

ثم سطا الجولاني على فصيل ضعيف بعد فصيل وسكت الآخرون، فقال لهم العقلاء: "إنه سيأكلكم كلكم ذات يوم ما لم تجمعوا الكلمة وترصوا الصفوف ويدافِعْ قويُّكم عن ضعيفكم وتمنعوا المعتدي من العدوان". وقد كان، فما مضت غيرُ ثلاث سنين حتى كانوا كلهم أصفاراً واحتل هو الأرضَ وقدم نصفها للنظام عربون وفاء.

ثم اختلفوا على جُزازات من الأرض، فاستقلّ كل فصيل ببضعة أميال مربعة أنشأ فيها إمبراطورية خَيّلَ له خيالُه القاصر أنها أرض الأحلام أو دولة الإسلام، فقال لهم العقلاء: "إنكم إن لم تجمعوا كلمتكم وتتركوا ما بينكم من خلاف فإن التاريخ سيطويكم جميعاً وتغدون أثراً بعد عين". وقد كان، فما مضت غيرُ بضع سنين حتى حملتهم كلَّهم الباصاتُ الخضراء إلى المَنافي، وضاع الوهم الذي ضيعوا في سبيله الأرض وخذلوا الناس.

وحمل كل منهم مشروعه وتشبّث به وظن أنه مشروع الأمة الواحد الذي لا مشروعَ معه ولا مشروعَ بعده، فقال لهم العقلاء: "إن التنازع على المشروعات قبل سقوط النظام إنما هو قلاعٌ تُرفَع في الهواء وقصور تُنقَش على وجه الماء، فاتركوا ذلك كله واشتركوا بالهدف الواحد الذي يجمع ولا يفرق، لأن النظام إن لم يسقط أولاً فلا محل لأي مشروع وسوف تفشلون حتماً وكلكم إلى زوال". وقد كان؛ فشلوا جميعاً وجرّوا معهم الثورة إلى واقوصة الضياع.

-3 -

تراجعت الثورة باطّراد منذ نهاية عامها الثالث وانحسرت راياتها الخضراء عن مساحات واسعة من الأرض التي غطتها في سنتَي الثورة الثانية والثالثة، وقد اجتهد كثيرون في تفسير التراجع والانحسار فأرجعوه إلى الخذلان الدولي والتدخل الروسي وما شئتم من أسباب مادية

ظاهرة، أما أنا فبحثت عن سبب الانحسار والانكسار في الموضع نفسه الذي بحثت فيه عن سبب الانتشار والانتصار، في قوانين الله وسننه التي سنّها في الوجود، تلك التي أشرت إليها في السطور الأولى من هذه المقالة.

لا تتعبوا أنفسكم بالبحث عن الأسباب المادية، فلو كان ضعف التسليح وشحّ التمويل وتفوّق العدو هو السبب لما صنعت ثورتنا الأعاجيبَ في سنواتها الثلاث الأولى، يوم كان النظام في أعلى درجات القوة والجبروت وكانت الثورة بلا حول ولا قوة ولا حليف ولا نصير إلا الله. ولا ينفي عاقلٌ أنّ للأسباب المادية أهمية هائلة في صناعة النصر، ولكن اعتمادنا الجوهري لم يكن عليها قط لأن ما نملكه منها لا يمكن أن يقارَن بما يملكه منها أعداؤنا الكثيرون. لقد كان أملنا الأكبر على الدوام بالله وبنصر الله في صراع غير متكافئ بين ظالم قوي ومظلوم ضعيف، فأنّى لنا بالانتصار على عدونا لو خذلَنا الله وتخلى عنا وتركنا للأسباب المادية وحدها؟

لقد كنت واثقاً بنصر الله لما بدأت الثورة، ويعلم الله أني ما كتبت كلمة تنبض بالثقة بنصر الله إلا وأنا أعتقد جازماً بأنني أصف الحق الذي أراه بعين اليقين وليس الحلم الذي أتمناه بعين الخيال. وبقيَت هذه الثقة في قلبي ثابتة ثبات الجبال الراسخات، لم يزعزعها كل ما حاق بالثورة من مصاعب وما كرثها من كوارث في بضع سنين، حتى بدأ بغي داعش وظلمها وعدوانها أولاً ثم بغي النصرة وظلمها وعدوانها آخِراً، فلمّا رأيت فينا، في أهل الثورة وجمهورها، مَن يدافعون عن بغي البغاة وعدوان المعتدين وظلم الظالمين لم أعد واثقاً أننا نستحق نصر الله.

عندما فشا في ثورتنا الظلم وكَثُرَ فيها المدافعون عنه والمسوِّغون له علمت أن الله سيتخلى عنا ويتركنا للقوانين المادية الأرضية البحتة، وبهذه القوانين نحن قطعاً مهزومون، فعندما يستوي الطرفان في الظلم تنتفي معيّة الله ويغيب دعم السماء وتتحول المعركة إلى صراع بين قوى مادية، فيعمل قانون الأرض: "القوي ينتصر"، ويتنحّى قانون السماء: "الحق هو الأَولى بالانتصار". عندما يقع الظلم من الطرفين يحكم الطرف الأضعف على نفسه بالفناء لأن الله لا ينصر ظالمين ضَعَفة على ظالمين أقوياء.

-4-

لم يرفعوا علم الثورة، حاربه الغلاة والمتنطعون، فارتفعت محلَّه أعلام النصرة وداعش وقسد وحزب اللات والنظام. قسموا الأرض المحررة مزارعَ ودكاكين ثم نصبوا إمبراطوراً على كل مزرعة ودكان، فسقط الأباطرة وطارت المزارع والدكاكين. لم يجتمعوا طوعاً في الرخاء فاجتمعوا قسراً في الباصات الخضراء، ثم سيجتمعون غداً في محكمة الديّان يوم الحساب.

أنّى نستحق نصرَ الله وهذا حالُنا؟ كيف نستحقه بعدما انتشرت في ثورتنا الفُرقة والفساد وانتشر فيها البغي والظلم والدفاع عن البغاة والظالمين؟ كيف نرجوه وكثيرون، كثيرون جداً من الذين ثاروا على ظلم الأسد صاروا أعواناً وداعمين لظلمِ غيرِه باسم الدين؟ لقد أكل الظلمُ الثورةَ عندما سار في مسارين: أولهما الظلم الأصغر على أيدي الفاسدين مقابل سلبية أهل الثورة وعجزهم عن لجمه، والثاني (وهو الأهم) الظلم الأكبر على أيدي المنتسبين إلى الدين، وهو ظلم أيّده وصفّق له من جمهور الثورة كثيرون.

لو أن الفصائل كلها وقفت أمام عدوان داعش موقفاً رجولياً حازماً منذ بدأت داعش باجتياح المناطق المحررة، ولو أنها حالت دون عصابة الجولاني وافتراس الفصائل فصيلاً بعد فصيل فتخلصت من غدره وإجرامه وتفرغت للقتال وفتح الجبهات، ولو أنها تمردت على داعميها واستقلّت بقرارها وقذفت بقوتها كلها في الميدان حينما بدأت المناطق المحاصرة بالسقوط، ولو اجتمعت في قيادة موحدة وكانت للثورة هيئة أركان مركزية تدير العمليات العسكرية على التراب السوري كله... لو حصل ذلك لتغير مسار التاريخ.

-5-

ونعود -ختاماً- إلى سؤال المقالة الافتتاحي: هل يمكن إنقاذ الثورة؟ نعم، ما تزال الفرصة قائمة، ولكنها تتضاءل يوماً بعد يوم، وما يزال في الوقت متسع، ولكنه يتآكل ساعة بعد ساعة. ولا يَسألْ أحد: كيف يمكن إنقاذ الثورة؟ فقد سُوِّدت في مشروعات إنقاذها صحائفُ وكُتبت مجلدات، فما على الذين يملكون الرغبة والإرادة إلا نفض الغبار عن تلك الصحائف وإنقاذ الثورة قبل أن لا تبقى ثورةٌ لا قدّر الله.

على أن لكتاب الإنقاذ ملخصاً فيه الكفاية لو فقهناه: سوف نستحق نصر الله عندما ننبذ الفرقة والتشتت ونجتمع على ثورتنا كما اجتمع أهل الثورة على ثورتهم في أيامها المبكرة. وسوف تنتصر ثورتنا اليوم عندما ننبذ من أنفسنا أخلاقَ عدونا الذي ثرنا عليه ونعود إلى أخلاق ثورتنا الأولى، عندما نحاصر كل خطأ ونستأصل من أرضنا المحررة كل فساد، وعندما نسقط الجولاني وعصابته ونسترجع مشروع الثورة من سارقيه الذين سطوا عليه بتفرقنا وضعفنا وسلبيتنا المَقيتة، وعندما نحارب كل مستبد ظالم وننهَى عن كل ظلم وننتصف لكل مظلوم من ظالميه.

فليبادر أهل الخير إلى التحرك والعمل وليُحيوا "مشروع إنقاذ الثورة" قبل فوات الأوان. وإني لأعلم أنه مشروع صعب وأن دونه صعوبات ومعوقات، ولكنها -مهما بلغت- لا يمكن أن تقارَن بما واجهته ثورتنا الأولى قبل عشر سنوات من صعوبات ومعوقات، وكما استحق الذين ثاروا يومها -صادقين متوكلين على الله- معيّةَ الله وعونَ الله ونصرَ الله سيستحق هؤلاء الصالحون المصلحون اليومَ معيّةَ الله وعونَ الله ونصرَ الله بإذن الله.

#الذكرى_العاشرة

#ثورة_لا_تموت



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق