المفكر الإسلامي إبراهيم عوض ...يكتب: أمية الرسول وتشكيك معروف الرصافى فيها

26/05/2021 06:54


د. إبراهيم عوض

(وهو  جزء من كتاب كامل من 700 صفحة انتهيت منه منذ شهور فى الرد على كتابه:  "الشخصية المحمدية أو كشف اللغز المقدس". وفكرة تأليف هذا الكتاب الذى  ألفته هى من اقتراح الصديق والابن العزيز أ. زيوار المدرس العراقى الكردى وحفيد علامة العراق المرحوم عبد الكريم المدرس،  إذ ظل يغرينى بتأليف هذا الكتاب حتى تركت عملى فى تفسير القرآن، الذى كنت  قد كتبت منه ألفى صفحة وأنا منعزل أنا وزوجتى وابنتنا الصغيرة فى شقتنا  تجنبا للإصابة بالكورونا اللعينة. ولم يتوقف فضل الصديق والابن العزيز  زيوار المدرس عند هذا الحد بل زاد فأمدنى بطائفة من المصادر والمراجع لا تتوفر هنا فى  مصر وظل يحمسنى ويتصل بى بين الحين والحين ليطمئن أن الأمور تسير فى طريقها  نحو إنجاز الهدف، وهو كتابة دراسة تفند مزاعم الرصافى، الذى تسبب كتابه فى  نشر الفتنة بين العراقيين جراء شهرته الواسعة وكونه شاعرا كان اسمه يدوى  يوما فى أرجاء العراق والعالم العربى).

 ============================================

يؤكد  الرصافى أن محمدا كان يقرأ ويكتب واطلع على كتب اليهود والنصارى ونسخ منها  نصوصا كثيرة فى القرآن، وأن كل قصص الأنبياء الموجودة فيه منقولة نقلا عن  الكتاب المقدس. أما الأمية التى وصف الله بها محمدا وقومه فتفسيرها عند  الرصافى أنهم لم يكونوا أهل كتاب. ومن ثم كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلى  وغيرهم من الصحابة القارئين الكاتبين أميين فى حكم القرآن، أى ليس عندهم  كتاب سماوى لا أنهم لا يقرأون ولا يكتبون (ص166 وما يليها). وهذا كله هو ما  يقوله المستشرقون. ومثالا على ذلك أحيل القراء الكرام إلى مادة "محمد" فى "دائرة المعارف الإسلامية" حيث يقول كاتبها حسب الترجمة العربية: "وبإمكان هذا السياق أن يقودنا إلى فهم أفضل لكلمة كثيرا ما دار النقاش حَوْلها، وهى كلمة "أُمِّىّ". فحين تشير الآية 157 من سورة "الأعراف" إلى محمد (صلى اللَّه عليه وسلم) على أنه النبى الأمى فالظاهر أنها تعنى "الشخص الذى لم يبلَّغ من قبل بكتاب اللَّه"،  أى عكس أهل الكتاب الذين سبق أن تَلَقَّوْا كتاب اللَّه بلسانهم. وقد كان  محمد (صلى اللَّه عليه وسلم) أميا قبل تلقيه الوحى لا بعده، ولا يؤثر هذا  التفسير فى نتيجة التساؤل عما إذا كان بمقدور محمد (صلى اللَّه عليه وسلم)  أن يقرأ وأن يكتب، اللهم إلا إن كانت كلمة "أمى"  تحمل فى طياتها معنى عجزه عن قراءة الكتب المقدسة لليهود والنصارى. ولابد  أن اشتغاله بالتجارة كان يستلزم قدرا من الإحاطة بقراءة العربية وكتابتها.  وتشير الآيات 4- 6 من سورة الفرقان إلى اتهام الكفار له بالافتراء: "وَقَالَ  الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ  عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا  أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً  وَأَصِيلًا * قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ  وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا". ولم تكتسب كلمه "أمى"  معناها الشائع الآن (وهو الجهل بالقراءة والكتابة) إلا فيما بعد وفى  الدوائر الدينية كتدليل على معجزة تلقى محمد (صلى اللَّه عليه وسلم) الوحى  من اللَّه عن طريق جبريل (عليه السلام)".

ويورد  الرصافى الرواية التى يفهم منها أنه عليه السلام كتب يوم الحديبية الكلمات  التى رفض كاتب المعاهدة أن يكتبها لأنه رأى فيها مساسا بمقام الرسول  الكريم. وهو يوغل فى السخف والنطاعة فيقول إن الرسول عليه السلام كان يقرأ  ويكتب من قبل البعثة لكنه كان يكتم ذلك. ولكن لماذا؟ هل نوى منذ طفولته  أيام تعلَّمَ القراءة والكتابة أن يدعى النبوة ويقول إن معجزته هى الإتيان  بالقرآن رغم أميته فأخذ احتياطاته واستعد منذ كان طفلا؟ بالله أهذا منطق  آدميين؟ ويا ترى من علمه كيف يقرأ ويكتب؟ كنت أحب من الرصافى أن يمدنا  برواية تنص على أنه كان يقرأ ويكتب من قبل البعثة؟

الواقع  أن ما قاله الرصافى عن معرفة الرسول القراءة والكتابة واطلاعه على كتب  اليهود والنصارى ونقله عنها فى القرآن ليس سوى ترديد لما يقوله المستشرقون  والمبشرون كما قلت، فإنهم يزعمون أن الرسول عليه السلام كان يقرأ ويكتب  ويطالع كتب أهل الكتاب. وهم يريدون من وراء ذلك أنه استمد منها دينه  وقرآنه. ويمكن الرجوع فى ذلك مثلا إلى ما كتبه بوهل الدانمركى فى مادة "Muhammad" بالطبعة الأولى من "The Encyclopaedia of Islam". وهو زعم متهافت، فمن ناحية القراءة والكتابة نرى أن القرآن قد وصفه عليه السلام بـ"النبي الأمي"  (الأعراف/ 157). كما أكد في موضع آخر أنه لم يكن يتلو قبل نزول القرآن  عليه من كتاب أو يخطه بيمينه (العنكبوت/ 48).  ولو كان كلام القرآن غير  صحيح لما سكت الكفار، ولسجل القرآن نفسه كالعادة رده عليهم.  إن ألفريد  جيوم مثلًا فى كتابه: ""Islam (Pelican Books, Lonoon, 1964, P. 56- 57)  يشكك في أمِّيَّة النبي عليه الصلاة والسلام، وحجته أنه من غير المعقول أن  يطمئن إلى أحد غيره في قراءة الفواتير أيام اشتغاله بالتجارة، أو في قراءة  ما يرد إليه من رسائل بعد ذلك عندما أصبح نبيًّا.  كما أن إحدى الروايات  المبكرة تعزو إليه الكتابة يوم صلح الحديبية.  وهو يفسر آية "وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ"  بأن المقصود بذلك هو كتب اليهود والنصارى، وأن أميته (إن صح ما تقوله  الآية) إنما استمرت إلى بداية رسالته فقط. والحقيقة أن الآية المذكورة تنفي  أنه كان يقرأ أي كتاب، فلا معنى إذن لقصر ذلك على كتب اليهود والنصارى.   أما فهمه لقوله تعالى: "وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ"  بمعنى أنك، وإن كنت قبل ذلك تجهل القراءة والكتابة، فإنك الآن تستطيع ذلك  فهو فهم غريب، إذ أن حجة القرآن بذلك تتهافت وتصبح غير ذات معنى، لأن رد  الكفار حينئذ سيكون كالتالي: "ما دمت تعرف الآن القراءة والكتابة فهذا معناه أنك تستطيع أن تنظر في كتب السابقين وتنقل منها".   ولكنهم لما لم يحيروا جوابًا كان ذلك دليلًا على أن فهم جيوم للآية غير  سليم، وأن المقصود منها هو أنه عليه الصلاة والسلام كان قبل ذلك وظل بعده  أمِّيًّا، وإلا فالواحد يستطيع، على طريقة هذا المستشرق، أن يقول إن القرآن  ينفي أن يكون محمد قادرًا على أن يخط شيئًا بيمينه، ولكنه لم ينف قدرته  على ذلك بيده الشمال، فمحمد إذن كان يكتب ولكن بيسراه. وهو كما ترى فهم  مضحك.

إن  الرسول عليه الصلاة والسلام قد فسر الأُمِّية عَرَضًا أثناء حديثه عن  الشهور القمرية إذ قال: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب.  الشهر هكذا وهكذا.   يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين. أما تفسير الرصافى وغيره للأمية  بأنها عدم امتلاك الأمة لكتاب سماوى فلا يلزمنا لأنه لا يعقل أن نترك تفسير  الرسول ونأخذ تفسير الرصافى أو غيره، فضلا عن أن المعاجم العربية تفسر "الأمية" بما نفسرها به هنا وليس فيها أبدا هذا المعنى الرصافى. وسأنقل هنا ما يقوله "لسان العرب" فى هذا الموضوع: "الأُمِّيّ:  الذي لا يَكْتُبُ. قال الزجاج: "الأُمِّيُّ" الذي على خِلْقَة الأُمَّةِ  لم يَتَعَلَّم الكِتاب، فهو على جِبِلَّتِه. وفي التنزيل العزيز: "ومنهم  أُمِّيُّون لا يَعلَمون الكتابَ إلاّ أَمَانِيَّ". قال أَبو إسحق: معنى  "الأُمِّيّ" المَنْسُوب إلى ما عليه جَبَلَتْه أُمُّه أي لا يَكتُبُ، فهو  في أَنه لا يَكتُب "أُمِّيٌّ" لأن الكِتابة هي مُكْتسَبَةٌ، فكأَنه نُسِب  إلى ما يُولد عليه، أي على ما وَلَدَته أُمُّهُ عليه. وكانت الكُتَّاب في  العرب من أَهل الطائف تَعَلَّموها من رجل من أهل الحِيرة، وأَخذها أَهل  الحيرة عن أَهل الأَنْبار. وفي الحديث: إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا  نَكْتُب ولا نَحْسُب. أَراد أَنهم على أَصل ولادة أُمِّهم لم يَتَعَلَّموا  الكِتابة والحِساب، فهم على جِبِلَّتِهم الأُولى. وفي الحديث: بُعِثتُ إلى  أُمَّةٍ أُمِّيَّة. قيل للعرب: "الأُمِّيُّون"  لأن الكِتابة كانت فيهم عَزِيزة أَو عَديمة. ومنه قوله: "بَعَثَ في  الأُمِّيِّين رسولاً منهم"... وقيل لسيدنا محمدٍ رسول الله صلى الله عليه  وسلم: "الأُمِّي"  لأَن أُمَّة العرب لم تكن تَكْتُب ولا تَقْرَأ المَكْتُوبَ، وبَعَثَه الله  رسولاً وهو لا يَكْتُب ولا يَقْرأُ من كِتاب... ففي ذلك أَنْزَل الله  تعالى: "وما كنتَ تَتْلُو من قَبْلِه من كِتابٍ ولا تَخُطُّه بِيَمِينِك إذن لارْتابَ المُبْطِلون" الذين كفروا، ولَقالوا: إنه وَجَدَ هذه الأَقاصِيصَ مَكْتوبةً فَحَفِظَها من الكُتُب".

كما أن وصف الرسول فى سورة "الأعراف" بـ"النبى الأمى"  لا يستقيم مع تفسير الرصافى ومن أخذ عنهم من أعداء الإسلام، إذ لا يمكن أن  يقول القرآن إنه أمى فى الوقت الذى فى يده القرآن الكريم. بل إن القرآن  وصف بعض اليهود فى سورة "البقرة" بأنهم "أميون" فقال: "ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانىَّ وإنْ هم إلا يظنون".  فهل نلغى عقولنا ومعرفتنا باللغة من أجل خاطر معروف الرصافى ونقول إنها  تعنى أن من اليهود، الذى معهم التوراة، يهودا ليست لهم توراة ولا غير  توراة. إن كان هذا يستقيم فى العقل فلا كان عقل ولا منطق ولا فهم ولا  تفكير. وهل يمكن أن يقول الله لليهود: آمِنُوا يا أهل الكتاب بهذا النبى  الذى ليس معه كتاب؟ كيف ذلك؟ بل لقد وُصِف القرآن المجيد فى عدد من نصوصه  بأنه "الكتاب": هكذا مجردا دون  وصف. ثم كيف يقال إن العرب أمةُ أميين بهذا المعنى، وقد نزل عليهم القرآن الكريم، فهم أيضا أصحاب كتاب؟

أما  قول جيوم إن إحدى الروايات قد ذكرت أن الرسول كتب بيده في صلح الحديبية  فالرد عليه هو أن الرواية المتلقاة بالقبول هي أنه أَمَرَ بكتابة ما طلب  المشركون من تعديل في بعض ألفاظ الصلح كما فى "سيرة ابن هشام" مثلا.  أما الرواية التي يشير إليها فهي إن صحت يكن المقصود منها هو المعنى المجازي كما هو الحال في قولنا: "حارب السادات إسرائيل" و"بنى عبد الناصر السد العالي" وما إليه.  ومثله ما ورد في البخاري من أن الرسول عليه السلام قد اتخذ خاتمًا من فضة ونقش فيه "محمد رسول الله"،  إذ لا يعقل أن الرسول هو الذي نقش ذلك بنفسه، فهو لم يكن نقاش خواتم، بل  المقصود أنه أمر بذلك. وإن كانت الرواية التي أشار إليها جيوم قد نصت على  أن الرسول كتب فعلًا بيده اسمه فلا يدل على معرفة بالقراءة والكتابة، فربما  كان عليه السلام يستطيع كتابة اسمه وقراءته فقط كما هو الحال بين كثير من  الأُمِّيِّين الذين نعرفهم. على أية حال فليس من الحكمة في شيء أن نتمسك  برواية واحدة غير مشهورة ذكرت أنه كتب فى هذه المناسبة فقط على مدار حياته  كلها ولم ترد في المصادر الأصلية لسيرة الرسول عليه السلام ونترك كل  الروايات الأصلية المتضافرة على أنه عليه السلام كان أمِّيًا. أما استبعاده  أن يطمئن النبي عليه الصلاة والسلام إلى أحد غيره يكتب له الفواتير ويقرأ  له الرسائل التي ترد فليس له أساس إلا مجرَّد الهوى، وإلا فإن كثيرًا من  التجار والمقاولين في القاهرة المعاصرة، التي لا شك أن مستواها الحضاري  والثقافي أرقى مليون مرة من مستوى مكة في ذلك الزمان، لا يستطيعون القراءة  والكتابة ولا يمنعهم ذلك من النجاح في تجارتهم إلى درجة أن بعضهم يصبح مع  مر الأيام مليونيرًا. وعلى أية حال فإن السيرة النبوية تذكر أن ميسرةَ  غلامَ خديجة كان يصاحب الرسول في رحلاته التجارية عندما كان يعمل عليه  السلام في أموالها، فمن الممكن جدًا أن الرسول كان يشتغل بالتجارة بينما  يقوم ميسرة بالكتابة. لا ليس من المعقول أن يعيش النبي ثلاثًا وستين سنة  فلم نسمع بواقعة محددة كتب فيها رسالة أو قرأ فيها كتابًا أو حتى ورقة سوى  هذه الإشارة المقتضبة إلى أنه كتب في صلح الحديبية كلمة لم يرض الكاتب  المسلم أن يكتبها بنفسه، فنسارع إلى تصديق هذه الإشارة المقتضبة المغموزة  ونهمل كل تلك الوقائع القاطعة.

ولو  كان الرسول يقرأ ويكتب وينظر فى الكتب السابقة فمن يا ترى رآه يصنع ذلك؟  ومن شاهد فى يده كتابا أو قلما؟ ومن أى شخص كان يحصل على تلك الكتب والورق  والأقلام؟ ولماذا لم ينبر واحد ممن يعرفونه عليه السلام يشهد بأنه رآه يقرأ  أو يكتب؟ أم تراه إذا أراد القراءة والكتابة نزل فى سرداب تحت الأرض فقرأ  وكتب ما يريد ثم تركه تحت الأرض وخرج ينفض ثيابه من الغبار وخيوط العنكبوت  دون أن يستطيع أحد إثبات التهمة عليه؟ أيعقل أن يكون النبى عارفا بالقراءة  والكتابة ثم لا يراه أحد متلبسا بشىء من ذلك طوال عمره؟ وهل نحن فى مدينة  مترامية الأطراف يجهل كل فرد فيها كل شىء عن جيرانه؟ لقد كان عليه السلام  يعيش فى مكة، وهى أشبه بقرية من قرانا الآن، فلو كان يعرف القراءة والكتابة  لعرف كل شخص من أهل القرية هذا الأمر بمنتهى الوضوح واليقين. وأخيرا فلو  كانت "الأمية"  هى أن الأمة لا تملك كتابا سماويا فلم يا ترى لم يسمِّ العهد القديم أو  موسى أو أى شخص من بنى إسرائيل أمة المصريين والأمم التى اصطدموا بها فى  فلسطين بـ"الأمميين"؟ فليجبنى أحد على هذا السؤال. 

هذا  عن الأمية، أما بالنسبة لنقله عن كتب أهل الكتاب قصص الأنبياء السابقين  فالرد سهل، فقد تلقاها من الوحى، وفيها يخالف القرآن أهل الكتاب فى معظم  النقاط الرئيسية والجوهرية التى تدور عليها عقائدهم وسِيَر أنبيائهم:  فعقيدة الألوهية عندنا غيرها فى الكتاب المقدس، فبنو إسرائيل يصورون الله  فى مواضع كثيرة من كتابهم كأنه واحد من البشر، ومن البشر العاجزين، وهو  إلهٌ قَبَلِىٌّ لهم خاصة من دون البشر، بينما هو فى القرآن رب العالمين  جميعا. والنصارى يعتقدون فى أن المسيح إله أو ابن الإله فى حين هو عندنا  مجرد عبد من عباد الله ورسول من رسله ليس إلا. وسوف يحاسَب يوم القيامة كما  يحاسَب سائر البشر ولن يجلس على يمين الله يحاسِب معه البشر ويعطيهم درجات  على أساسها يدخلون ملكوت السماوات أو يُطْرَدون خارجه. ونحن نؤمن بالجنة  والنار فى حين يخلو العهد القديم من الحديث فى هذا الموضوع، ويقول العهد  الجديد بملكوت السماء، والكلام فيه شحيح وعارض وعام ولا صلة بينه وبين  عقائدنا فى اليوم الآخر تماما. كما أبرأ قرآننا نوحا وإبراهيم ولوطا وموسى  وهارون وداود وسليمان... مما بهتهم به اليهود من الإجرام ومواقعة الفواحش  والتصرفات المنحطة وقساوة القلب وزنا المحارم والقتل العمد الخسيس وغير  ذلك، ونَفَى بنوَّة عُزَيْر لله، وأنكر صلب عيسى وألوهيته وهاجم الثالوث  بكل عنفوان وكفَّر من يقول به وتوعدهم بنار الجحيم.

ثم  مَنْ مِنْ أهل الكتاب يا ترى أو من غير أهل الكتاب كان يمدّه بكتبهم؟  ولماذا لم يظهر ويواجه محمدا بهذا ويضع حدا لادعائه النبوة ما دام محمد لم  يتلق شيئا من السماء إذ لا توجد سماء أصلا فى عرف الرصافى، ويقول له: كيف  تنسى أننى أنا الذى كنت أوافيك بكتبنا ولم يدر بخَلَدى أنك ستغدر بى وتزعم  أنك نبى ثم تزيد فتهاجم دينى وكتابى وعقيدتى؟ وبهذا يضع حدا لمشروع محمد  التلفيقى، أستغفر الله؟ وهل كانت تلك الكتب مترجمة فى ذلك الحين إلى  العربية؟ ولقد كان عمه أبو لهب مثلا كافرا ويؤذيه أشد الإيذاء هو وزوجته  وينفّر الناس منه ومن دينه، والمعروف أن أفراد كل أسرة يعلم بعضهم عن بعض  كل أمورهم، فلم يا ترى لم يتقدم أبو لهب ويشهد على ابن أخيه بذلك؟ وأبو  طالب لماذا هو أيضا يا ترى لم يأت بابن أخيه ويقرّعه على أنه قد أحدث فتنة  فى مكة وزعم أنه نبى يوحى إليه بينما هو يقرأ ما عند أهل الكتاب من صحف  وينقل عنها ويكذب مدعيا النبوة ويحرجه كل قليل مع قومه حين يأتونه ويشتكونه  إليه؟ ثم كيف يفسر الرصافى أو غير الرصافى دخول تلك الملايين المملينة من  اليهود والنصارى منذ سطوع نور الإسلام حتى الآن وإلى ما شاء الله فى دين  محمد، وفيهم العلماء ورجال الدين والحكام والسياسيون والأدباء وغير أولئك  من خاصة الأمم، إذا كان محمد، كما يزعم الرصافى، يستقى من كتبهم؟ ألم  يكونوا ليقولوا حينئذ لأنفسهم: كيف نؤمن برجل أخذ من كتبنا ولفق قرآنه منها  ثم ادعى النبوة وأرادنا على التخلى عن ديننا وكتابنا والدخول فى دينه  والإيمان بكتابه؟ ذلك لن يكون أبدا. لكن مئات الملايين على مدار تلك القرون  التى مضت منذ بزوغ نور الإسلام خيبت ظن الرصافى واعتنقت الإسلام ضاربة بكل  اتهاماته وتوهماته عرض الحائط وتركته محبطا يكلم نفسه حائرا بائرا لا يجد  من يصغى إليه.

كما  أن فى  القرآن قصصَ أنبياءَ آخرين غير أنبياء بنى إسرائيل هم شُعَيْب وهود  وصالح. وبالمثل لا يقتصر القرآن على سرد قصص الأنبياء، بل هناك قصة الخلق،  وتختلف كثيرا عما عند أهل الكتاب كما وضحنا فى موضع آخر من هذا الكتاب،  وتشريعات الأسرة من زواج وطلاق ولعان وظِهَار وإِيلاء وحيض ونِفَاس ومواريث  وحضانة وما إلى ذلك، وفيها تشريعات للبيع والشراء والقرض والوصية

والزنا  والربا والقِمَار والخمر والقتل والجروح والشهادة، وتشريعات أخرى للحرب  والغنائم والأنفال والجزية... وهذا كله متميز لا تربطه بما عند أهل الكتاب  أو غيرهم رابطة إلا فى النادر الشاذ، فتشريعاتنا مختلفة اختلافا بعيدا يكاد  أن يكون تاما. حتى عباداتنا تختلف عن عبادات اليهود والنصارى اختلافا  جذريا. فما قول متهِمى محمد بأنه كان يستقى قرآنه ودينه من الكتب السابقة؟  ليس هذا فقط، بل يمتلئ القرآن بالحِجَاج معظم الوقت مع المشركين واليهود  والنصارى، وهذا لا وجود له فى العهد القديم بطبيعة الحال. وبالمناسبة لم  يحدث أن قال اليهود لمحمد إنك تعتمد على ما فى كتبنا فى تأليف قرآنك. كل ما  قالوه أنهم عندما طلب الله من المؤمنين أن يقرضوه قرضا حسنا عقَّبوا بكل  وقاحة بأن "الله فقير ونحن أغنياء"،  وذهبوا إلى الوثنيين فى مكة وأكدوا لهم أن وثنيتهم خير من توحيد محمد. وهو  تصرف لا غرابة فيه، فقد كان بنو إسرائيل فى كل منعطف فى تاريخهم ولأقل  ملابسة يخلعون التوحيد (المغشوش رغم ذلك) ويطيرون إلى عبادة الأوثان  طيرانا.

ولا  ننس ما فى القرآن من نبوءات وبشارات بانتصار الروم على الفرس ودخول  المسلمين مكة وتأديتهم العمرة بكل أمان واطمئنان وانتصار الإسلام فى آخر  المطاف على كل أعدائه...، وهو ما حصل بحذافيره. وليس لشىء من ذلك وجود فى  الكتب السابقة. وعلى الناحية الأخرى ليس فى القرآن شىء من "نشيد الأناشيد"  الداعر الفاجر ولا يشتمل على شتائم موجهة للمسلمين على عكس الكتاب المقدس،  الذى يحتوى على شتائم مقذعة يرجم بها الله اليهود رجما. كما أن القرآن ليس  تأريخا لأمة العرب مثلما أن العهد القديم هو تاريخ لبنى إسرائيل. وليس  قرآننا سيرة نبوية كالأناجيل، بل السيرة النبوية لدينا شىء، والقرآن شىء  آخر كما يعرف كل إنسان. وليس فى القرآن سورة كبيرة خاصة بالتشريعات حصريا  كما هو الحال فى الكتاب المقدس، الذى يضم بين جنباته سفر "التثنية"، وكله تشريعات من أوله إلى آخره. وعلى نفس المنوال لا يتضمن القرآن سورا كاملة كلها أدعية وابتهالات كـ"مزامير داود"  مثلا. وعلى نفس الشاكلة يخلو القرآن تماما من الرسائل ما عدا رسالة سليمان  لبلقيس، وهى رسالة جد قصيرة إذ تتكون من سطر واحد، ولا تخص المسلمين بل  بنى إسرائيل، بخلاف العهد الجديد، فإن فيه بالقرب من نهايته عددا من  الرسائل التى كتبها، فيما هو مفترض، رسل المسيح لهذا الشخص أو ذاك أو لهذه  الجماعة أو تلك. وهى رسائل طويلة، وبعضها مكون من عدة صفحات.

كذلك  فتأليف القرآن يختلف تماما عن تأليف الكتاب المقدس، فالقرآن لا يدخل فى  تفصيلات التاريخ ولا يهتم بإيراد الأسماء التاريخية إلا فى حالة الرسل وبعض  الأشخاص القليلين جدا لا غير بخلاف الكتاب المقدس، الذى يفيض بتلك  التفاصيل وتفاصيل التفاصيل والأرقام والأعداد مما لا تجده فى كتابنا  المجيد. وفى القرآن كثيرا ما نقرأ العبارة التالية: "ويسألونك عن كذا فقل لهم كذا"  (مع بعض التنويعات الصغيرة فيها)، مما لا يقابلنا فى الكتاب المقدس. وهناك  الفواصل القرآنية، ولا يعرفها الكتاب المقدس، وإن كان بعض مترجمى الأناجيل  بآخرة قد عمدوا إلى تقليد القرآن فأَجْرَوْا آياتها على طريقة القرآن  بإنهائها بفواصل كما لدينا. ثم إن قرآننا لا يعرف النصوص التى تنسب إلى بعض  أنبيائهم أو دعاتهم كـ"مزامير داود" و"نشيد الأناشيد" المعزوّ لسليمان و"رسائل الرسل"  فى العهد الجديد مثلا بل الكلام كله لدينا هو كلام الله. وليس عندنا  إصحاحات كما عندهم ولا عندنا حذف وإضافة لبعض السور مثلما لديهم حذف وإضافة  لبعض الأسفار. وفى القرآن تبدأ كل سورة، وهى تقابل السفر لديهم، بالبسملة،  أما لديهم فلا بسملة ولا يحزنون، بل يبدأ الكلام مباشرة. وفى الوقت الذى  نجد فيه سورا جد قصيرة حتى لتتكون بعض السور من سطر واحد أو سطرين أو ثلاثة  أو عدة سطور أو بضعة عشر سطرا وما إلى ذلك نجد أن كل سفر عندهم لا بد أن  يحتوى على عدد من الإصحاحات، ولا يبلغ أى إصحاح مثل تلك السور فى قصرها  الشديد البتة. كذلك لا تـعرف إصحاحات الكتاب المقدس تعدد الموضوعات وتنوعها  على خلاف سور القرآن المجيد، التى قلما تقتصر الواحدة منها على موضوع  واحد، ولا يكون ذلك عادة إلا فى بعض السور القصيرة جدا. وبالمثل نجد عددا  من السور القرآنية تبدأ بحروف مقطعة، وهو ما لا نجده فى الكتاب المقدس.  ويشبه هذا أن عددا من سور القرآن يبدأ بقَسَمٍ بينما لا يعرف ذلك الكتابُ  المقدسُ.

وفى  الكتاب المقدس عدد من الأسفار تتضمن رُؤًى طويلة مفصلة ومعقدة ومتشابكة  وغامضة بحيث تحتمل تفسيرات كثيرة دون الوصول إلى حسم بشأن التفسير الصحيح.  وفى مادة "رُؤًى" بـ"دائرة المعارف الكتابية" نقرأ أن "هناك  سلسلة من المؤلفات تحمل أسماء مستعارة، وهى فى غالبيتها من أصل يهودى،  ظهرت خلال الفترة بين 210ق.م، 200م. وهذه الكتابات لها سمات مشتركة أبرزها  أن هناك تشابها بين هذه المؤلفات جميعها وسفر "دانيال"  حيث تستخدم معظم هذه المؤلفات أسلوب الرؤى كأسلوب أدبى لتقدم من خلاله  مفاهيمها أو تصوراتها عن المستقبل البعيد... وتختلف كتابات الرؤى عن  الكتابات النبوية السابقة لها فى الموضوع وفى الشكل... وبينما نجد أن عنصر  التنبؤ موجود فى كل كتابات الرؤى والنبوات إلا أنه يبرز بأكثر وضوح فى  كتابات الرؤى، كما أنه يغطى فترات أطول. كما أن كتابات الرؤى تسهب فى وصف  حالة العالم كله. ولم تكن هناك فرصة لظهور كتابات الرؤى إلا تحت حكم  الإمبراطوريات الكبرى... ومن ناحية الشكل الأدبى هناك اختلافات واضحة بين  هذين النوعين من الكتابة، فمع أن كليهما يستخدمان الرؤى إلا أن هذا  الاستخدام كان محدوداً فى الكتابات النبوية بمعناها الأضيق. وكانت الرؤى  تُذْكَر ضمناً وليس بصورة أساسية... وتتميز الكتابات النبوية بأنها كانت  تكتب فى قالَبٍ نثرىٍّ رفيعٍ سامٍ يكاد يكون شعراً منثوراً، بل كثيراً ما  أخذ قالباً شعريّاً كما فى الإصحاح السادس والعشرين من "إِشَعْيَاء".  أما أصحاب كتابات الرؤى فكانوا يكتبون نثراً عاديّاً دون أى محاولة  لإتقانه أو زخرفته، فنجدهم يقدمون أفكارهم فى لغة ركيكة، كما أن الرؤى تسرف  فى سرد التفاصيل الخيالية الغربية".

ومثالا على ذلك نسوق نص الإصحاح الرابع من سفر "رؤيا يوحنا اللاهوتى": "1بَعْدَ  هذَا نَظَرْتُ وَإِذَا بَابٌ مَفْتُوحٌ فِي السَّمَاءِ، وَالصَّوْتُ  الأَوَّلُ الَّذِي سَمِعْتُهُ كَبُوق يَتَكَلَّمُ مَعِي قَائِلاً: «اصْعَدْ  إِلَى هُنَا فَأُرِيَكَ مَا لاَ بُدَّ أَنْ يَصِيرَ بَعْدَ هذَا».  2وَلِلْوَقْتِ صِرْتُ فِي الرُّوحِ، وَإِذَا عَرْشٌ مَوْضُوعٌ فِي  السَّمَاءِ، وَعَلَى الْعَرْشِ جَالِسٌ. 3وَكَانَ الْجَالِسُ فِي  الْمَنْظَرِ شِبْهَ حَجَرِ الْيَشْبِ وَالْعَقِيقِ، وَقَوْسُ قُزَحَ حَوْلَ  الْعَرْشِ فِي الْمَنْظَرِ شِبْهُ الزُّمُرُّدِ. 4وَحَوْلَ الْعَرْشِ  أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ عَرْشًا. وَرَأَيْتُ عَلَى الْعُرُوشِ أَرْبَعَةً  وَعِشْرِينَ شَيْخًا جَالِسِينَ مُتَسَرْبِلِينَ بِثِيَابٍ بِيضٍ، وَعَلَى  رُؤُوسِهِمْ أَكَالِيلُ مِنْ ذَهَبٍ. 5وَمِنَ الْعَرْشِ يَخْرُجُ بُرُوقٌ  وَرُعُودٌ وَأَصْوَاتٌ. وَأَمَامَ الْعَرْشِ سَبْعَةُ مَصَابِيحِ نَارٍ  مُتَّقِدَةٌ، هِيَ سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ. 6وَقُدَّامَ الْعَرْشِ بَحْرُ  زُجَاجٍ شِبْهُ الْبَلُّورِ. وَفِي وَسَطِ الْعَرْشِ وَحَوْلَ الْعَرْشِ  أَرْبَعَةُ حَيَوَانَاتٍ مَمْلُوَّةٌ عُيُونًا مِنْ قُدَّامٍ وَمِنْ  وَرَاءٍ: 7وَالْحَيَوَانُ الأَوَّلُ شِبْهُ أَسَدٍ، وَالْحَيَوَانُ  الثَّانِي شِبْهُ عِجْل، وَالْحَيَوَانُ الثَّالِثُ لَهُ وَجْهٌ مِثْلُ  وَجْهِ إِنْسَانٍ، وَالْحَيَوَانُ الرَّابِعُ شِبْهُ نَسْرٍ طَائِرٍ.  8وَالأَرْبَعَةُ الْحَيَوَانَاتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا سِتَّةُ  أَجْنِحَةٍ حَوْلَهَا، وَمِنْ دَاخِل مَمْلُوَّةٌ عُيُونًا، وَلاَ تَزَالُ  نَهَارًا وَلَيْلاً قَائِلَةً:«قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، الرَّبُّ  الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي كَانَ وَالْكَائِنُ  وَالَّذِي يَأْتِي». 9وَحِينَمَا تُعْطِي الْحَيَوَانَاتُ مَجْدًا  وَكَرَامَةً وَشُكْرًا لِلْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ، الْحَيِّ إِلَى أَبَدِ  الآبِدِينَ، 10يَخِرُّ الأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا قُدَّامَ  الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ، وَيَسْجُدُونَ لِلْحَيِّ إِلَى أَبَدِ  الآبِدِينَ، وَيَطْرَحُونَ أَكَالِيلَهُمْ أَمَامَ الْعَرْشِ قَائِلِينَ:  11«أَنْتَ مُسْتَحِق÷ أَيُّهَا الرَّبُّ أَنْ تَأْخُذَ الْمَجْدَ  وَالْكَرَامَةَ وَالْقُدْرَةَ، لأَنَّكَ أَنْتَ خَلَقْتَ كُلَّ  الأَشْيَاءِ، وَهِيَ بِإِرَادَتِكَ كَائِنَةٌ وَخُلِقَتْ»". وهو ما يحتار مفسرو الكتاب المقدس إزاءه ويقفون عاجزين يضربون أخماسا فى أسداس.

هذا فى الكتاب المقدس، أما فى القرآن  فلا توجد إلا "إشارة" إلى رؤيا واحدة قصيرة لا تزيد عن سطر تقريبا: "لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون"، وكذلك كلمة "رؤيا" فى قوله تعالى: "وماجعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة للناس" دون أن يقال لنا: أية رؤيا هذه؟

ومما  يفترق به القرآن عن الكتاب المقدس اشتماله على أوصاف الجنة والنار وألوان  النعيم والعذاب فى العالم الآخر مما لا يقابلنا شىء منه فى العهد القديم،  أما فى العهد الجديد فإشارات متهتهة ليس إلا. وعلى الناحية الأخرى نجد أن  القرآن يخلو من نسبة أية معجزات غير القرآن إلى النبى على عكس الكتاب  المقدس الممتلئ بالآيات الكثيرة المنسوبة إلى عدد من أنبيائه. ومما ينبغى  ذكره فى هذا السياق أن أسفار الكتاب المقدس مرتبة تاريخيا، أما سور القرآن  فلا. وفى هذه الأيام يقترح بعض المفسدين إعادة ترتيب سوره على أساس تاريخى،  وهو ما يرفضه علماء القرآن كلهم، ويعدونه عبثا وإساءة إلى النص الكريم.  وثم فروق أخرى بين الكتابين، لكننا نكتفى بهذه التى ذكرناها، ففيها  غُنْيَةٌ عن الاتساع فى الكلام فى ذلك الموضوع. وهذا يدل على أن مزاعم  اطلاع محمد على الكتب الدينية السابقة وتأثره بها هو كلام لا رأس له ولا  ذيل. أما أن فى القرآن الكريم والكتاب المقدس لدى اليهود والنصارى اشتراكا  فى إيراد القصص الخاصة بأنبياء بنى إسرائيل فإن محمدا استقاها من الوحى  الإلهى كما قلنا. ولهذا نجد فى نسختها القرآنية اختلافات واضحة وحاسمة  أهمها أن فيها تصحيحات لما تتضمنه نسختها الكتابية من أخطاء وانحرافات  حسبما وضحنا.

ومما يعتمد عليه الرصافى فى إثبات أن محمدا لم يكن أميا بل كان يقرأ ويكتب الخبر التالى: "أخبرني  الحسن بن علي قال: حدثني محمد بن زكريا الغلابي قال: حدثني أبو بكر الهذلي  عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال لي العباس: خرجت في تجارة إلى رجل في  رَكْبٍ منهم أبو سفيان بن حرب، فقدمت اليمن. فكنت أصنع يوماً طعاماً وأنصرف  بأبي سفيان وبالنفر، ويصنع أبو سفيان يوماً فيفعل مثل ذلك. فقال لي في  يومي الذي كنت أصنع فيه: هل لك يا أبا الفضل أن تنصرف إلى بيتي وترسل إِلَى  غَدَائك؟ فقلت: نعم. فانصرفت أنا والنفر إلى بيته وأرسلت إلى الغداء. فلما  تغدى القوم قاموا، واحتبسني فقال لي: هل علمت يا أبا الفضل أن ابن أخيك  يزعم أنه رسول الله؟ قلت: وأيُّ بني أخي؟ قال أبو سفيان: إياي تكتم؟ وأي  بني أخيك ينبغي له أن يقول هذا إلا رجل واحد؟ قلت: وأيهم هو على ذلك؟ قال:  محمد بن عبد الله. قلت: ما فعل. قال: بلى قد فعل. ثم أخرج إليَّ كتاباً من  ابنه حنظلة بن أبي سفيان: إني أخبرك أن محمداً قام بالأبطح غدوة فقال: أنا  رسول الله أدعوكم إلى الله. قال: قلت: يا أبا حنظلة، لعله صادق. قال: مهلاً  يا أبا الفضل، فوالله ما أحب أن تقول مثل هذا، وإني لأخشى أن تكون على بصر  من هذا الأمر  (وقال الحسن بن علي في روايته: على بصيرة من هذا الحديث).  ثم قال: يا بني عبد المطلب، إنه والله ما برحت قريش تزعم أن لكم يمنةً  وشؤمةً كل واحدة منهما عامة، فنَشَدْتُك اللهَ يا أبا الفضل هل سمعت ذلك؟  قلت نعم. قال: فهذه والله إذن شؤمتكم. قلت: فلعلها يمنتنا. فما كان بعد ذلك  إلا ليالٍ حتى قدم عبد الله بن حذافة السهمي بالخبر وهو مؤمن، ففشا ذلك في  مجالس أهل اليمن يتحدث به فيها. وكان أبو سفيان يجلس إلى حبر من أحبار  اليمن، فقال له اليهودي: ما هذا الخبر الذي بلغني؟ قال: هو ما سمعت. قال:  أين فيكم عم هذا الرجل الذي قال ما قال؟ قال أبو سفيان: صدقوا، وأنا عمه.  قال اليهودي: أأخو أبيه؟ قال نعم. قال: حَدِّثْني عنه. قال: لا تسألني، فما  كنت أحسب أن يَدَّعي هذا الأمر أبداً، وما أحب أن أعيبه، وغيره خير منه.  قال اليهودي: فليس به أذى، ولا بأس على يهود وتوراة موسى منه. قال العباس:  فتأدَّى إليَّ الخبر فحَمِيتُ، وخرجت حتى أجلس إلى ذلك المجلس من غد، وفيه  أبو سفيان والحبر. فقلت للحبر: بلغني أنك سألت ابن عمي هذا عن رجل منا يزعم  أنه رسول الله، فأَخْبَرَك أنه عمه، وليس بعمه ولكنه ابن عمه، وأنا عمه  أخو أبيه. فقال: أأخو أبيه؟ قلت: أخو أبيه. فأقبل عَلَى أبي سفيان فقال:  أَصَدَق؟ قال: نعم صدق. قال: فقلت: سَلْنِي عنه، فإن كذبتُ فلْيَرْدُدْ  عليَّ. فأقبل عليَّ فقال: أَنْشُدك اللهَ، هل فشت لابن أخيك صبوة أو سفهة؟  قال: قلت: لا وإله عبد المطلب ولا كَذَبَ ولا خان، وإنْ كان اسمه عند قريش "الأمين".  قال: فهل كتب بيده؟ قال عباس: فظننت أنه خير له أن يكتب بيده، فأردت أن  أقولها، ثم ذكرت مكان أبي سفيان وأنه مكذِّبي ورادٌّ عليَّ، فقلت: لا يكتب.  فذهب الحبر وترك رداءه وجعل يصيح: ذُبِحَتْ يهود! قُتِلَتْ يهود! قال  العباس: فلما رجعنا إلى منزلنا قال أبو سفيان: يا أبا الفضل، إن اليهودي  لفزعٌ من ابن أخيك. قال: قلت: قد رأيت ما رأيت، فهل لك يا أبا سفيان أن  تؤمن به، فإن كان حقا كنت قد سبقت، وإن كان باطلاً فمعك غيرك من أكفائك؟  قال: لا والله ما أومن به حتى أرى الخيل تطلع من كداء (وهو جبل بمكة). قال:  قلت: ما تقول؟ قال: كلمةٌ والله جاءت على فمي ما ألقيتُ لها بالاً، إلا  أني أعلم أن الله لا يترك خيلاً تطلع من كداء. قال العباس: فلما فتح رسول  الله صلى الله عليه وسلم مكة ونظرنا إلى الخيل قد طلعت من كداء قلت: يا أبا  سفيان، أتذكر الكلمة؟ قال لي: والله إني لذاكرها، فالحمد لله الذي هداني  للإسلام".

وأول تعليق هو: وكيف عرف أبو سفيان أن الله لا يترك خيلا تطلع من كداء؟ ترى أين وجد ذلك حتى صار عقيدة عنده؟ هل  نزل عليه بذلك كتاب من السماء؟ فمتى كان هذا؟ أم هل أخبره  أحد بذلك؟ فمن  هو؟ وعلى كل حال كان يجب أن يتزلزل قلبه حين طلعت الخيل من كداء عند الفتح  لأنه ثبت أن ما كان يعتقده طوال عمره اعتقادا جازما حاسما قد ظهر زيفه  وسخفه. أليس كذلك؟ ثم إن بَعْث حنظلة رسالةً من مكة إلى اليمن لهو أمر  مستبعد ولا يعقل، إذ ما معناه؟ وما فائدته؟ هل يتصور أن يهبّ حنظلة إلى  إرسال خطاب إلى أبيه، وبينهما كل تلك المسافات، لا لشىء إلا ليقول له: إن  محمدا يدعى النبوة؟ وماذا يمكن أن يصنعه أبو سفيان ردا على تلك الرسالة؟ هل  كان حنظلة يريد لأبيه أن يعود ويترك تجارته ويفارق القافلة؟ أم ماذا؟  ولِمَ لَمْ يفعل ذلك أبو سفيان ما دامت المسألة خطيرة إلى هذا الحد؟ لكن  أبا سفيان لم يتزعزع ولا فارق القافلة وترك أمواله خلفه وعاد لمكة. إذن أما  كان ابنه قادرا على أن يصبر حتى يعود أبوه؟ ترى هل كان إعلان محمد للنبوة  يهدد تهديدا عاجلا ملحاحا أوضاع الحياة فى مكة، وبخاصة أوضاع التجار، حتى  إنه لا يستطيع الصبر حتى يعود أبوه ويرى بنفسه ما حصل؟ ثم من الواضح أن  محمدا كان فى أُولَيَات أمره فى النبوة، فكيف أسلم عمه العباس؟ ولماذا يخفى  إسلامه فى مكة؟ ثم إذا كان يخفى إسلامه لماذا لم يخفه عن أبى سفيان فى  اليمن؟ إنه لو كان مسلما فى الفترة المكية لأظهر إسلامه ووقف مع ابن أخيه  ودافع عنه عدوان السفهاء آنذاك كما فعل حمزة بعد أن أسلم وكما فعل أبو طالب  رغم بقائه على دين قومه (عند السنة) أو وهو مسلم (كما يعتقد الشيعة)؟ وفوق  ذلك فقد ذكر أنه ظن أن معرفة ابن أخيه للكتابة ترفع من مكانته عند اليهودى  وتجعله يصدِّق أنه نبى، لكن خشيته من تكذيب أبى سفيان له دفعه إلى التراجع  عن الكذب. فهل تراجعه عن الكذب يجعل من هذا التراجع متكأ إلى القول بأن  الأمر المنفى أمر حقيقى؟ يا لله للعقول المنكوسة! ترى كيف يفكر بعض الناس؟  ثم لو كان الخبر صحيحا  لكان حَرِيًّا بالعباس عندما وقف لدى مدخل مكة ليلة  الفتح مع أبى سفيان، وجيش المسلمين يمر بهما، أن يذكّر أبا سفيان بما قاله  عن استحالة طلوع الخيل من كداء، وهو يرى بأم عينيه أن ما كان يعتقد  باستحالته ها هو ذا يتحقق تحت بصره وسمعه. وكان قمينا بأبى سفيان أن يعبر  عن ندمه وخيبة أمله فى مثل هذا الاعتقاد ويشرح له من أين أتاه وكيف تغلغل  واستقر فى مخه واستولى عليه طيلة تلك السنين منذ ظهر الإسلام. لكن شيئا من  ذلك كله لم يحدث، بل الذى حدث هو أن أبا سفيان علق قائلا على ما يشاهده: "لقد أصبح ملك أخيه اليوم عظيما"، وما كان من العباس إلا أن عاجله قائلا: إنها النبوة يا أبا سفيان.

 

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق