الطبيب النفسي محمد المهدي ..يكتب: الصواريخ الفلسطينية ...والهزيمة النفسية

19/05/2021 03:32


د. محمد المهدي

هناك جدل كبير حول مدى فاعلية وجدوى الصواريخ التي تطلقها فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة منذ حوالي 15 سنة على المستوطنات الإسرائيلية , فالبعض يراها أقرب إلى لعب الأطفال وأنها لا تحدث تدميرا يذكر , ومع هذا تكلف المقاومة وتكلف الشعب الفلسطيني ثمنا باهظا , حيث تعطي مبررا لإسرائيل للقيام باجتياح غزة ومحاولة سحق المقاومة , بل وتؤدي إلى استعداء الرأي العام العالمي على الفلسطينيين , وتقلل التعاطف الدولي معهم , وتجعل الغرب متفهما – كالعادة – لاحتياج إسرائيل الدفاع عن نفسها وعن شعبها (بشرط واحد فقط يتسامح فيه دائما , وهو عدم استخدام القوة المفرطة). وبناءا على هذا التصور تركزت جهود الوساطة بين الفلسطسنيين والإسرائيليين على محاولة إقناع الفلسطينيين بالكف عن إطلاق الصواريخ وتهدئة الأوضاع مع إسرائيل لتهيئة الأجواء لمباحثات السلام وإقامة الدولة الفلسطينية .

وهناك رأي آخر مفاده أن الصواريخ الفلسطينية هي الآن من أهم الأسلحة التي تمتلكها المقاومة وترهب بها إسرائيل , وحتى لو كانت بدائية أو ضعيفة التأثير إلا أنها هي السلاح المتاح لديهم وعليهم الإستفادة منه , وأن إسرائيل لا تحتاج لمسألة الصواريخ لتمارس عدوانها على الفلسطينيين إذ أنها مارسته في دير ياسين , ومارسته في صابرا وشاتيلا , ومارسته في جينين , ومارسته في الضفة حين حاصرت عرفات ورفاقه , ومارسته في غزة , ومارسته على مدي سبعين عاما بكل وحشية وبربرية قبل انطلاق أي صاروخ . إذن فالعدوان الإسرائيلي ليس موقوفا على وجود الصواريخ وإنما هو موقوف على كسر إرادة المقاومة أيا كانت أشكالها وعلى محاولة إبادة الوجود الفلسطيني حتى يعيش المحتل الإسرائيلي في سلام , فإسرائيل تعرف جيدا أن كل التجارب الإستعمارية فشلت في الإستمرار وكان الأمر ينتهي بانتصار المقاومة على مدى التاريخ , ما عدا نموذجا واحدا هو نموذج احتلال الأوروبيين للقارة الأمريكية ونجاحهم في إبادة الهنود الحمر , ولهذا فهي تقوم بجهود إبادة تدريجية منظمة للوصول إلى نفس النتيجة , خاصة وأنها ترتكز إلى معتقدات دينية تتبدى في سفر "يشوع" والذي ترد فيه عمليات الإبادة للفلسطينيين بشكل متكرر وملفت للنظر , حيث كان يشوع يدخل أي مدينة فلسطينية فيقتل من فيها عن آخرهم ثم يأمر بحرق ما تبقى من آثارهم . ولأن العرب قوم لا يقرأون , وإذا قرأوا لا يفهمون , وإذا فهموا لا يتذكرون (كما قال موشي ديان وغيره) فإنهم لم يقرأوا هذا السفر الخطير في تراث الإسرائيليين , والذي يشكل وعيهم السياسي والعسكري , ومن هنا لا يفهم العرب لماذا يتصرف الإسرائيليون هكذا .

 ولنحاول الآن أن نرى مدى فاعلية وجدوى تلك الصواريخ بعد مضى أكثر من 15 سنة على إطلاق أول صاروخ فلسطيني في اتجاه اسرائيل، فقد ورد في تقرير إسرائيلي ان «الصواريخ الفلسطينية، رغم انها بدائية وغالبيتها الساحقة لا تلحق أي اذى باسرائيل، الا انها تعتبر خطيرة جدا، وأثرت على حياة 190 ألف  اسرائيلي، وهجرت 3000 شخص من بلدة سيدروت خصوصا، لكن التقرير يشير ايضا الى ان الأضرار التي لحقت بالفلسطينيين حتى الآن أكبر بكثير مما ألحقته بالإسرائيليين، إن كان ذلك من ناحية عدد القتلى والجرحى أو من ناحية الأضرار السياسية والعسكرية والمادية» (جريدة الشرق الأوسط 14 ديسمبر 2007).

وفي أعراف المقاومة – أي مقاومة - على مدى التاريخ فإن خسائرها المادية غالبا ما تكون أكبر من خسائر المحتل الغاصب , ولكن استمرارها في تهديد أمن واستقرار ذلك المحتل وإلحاق الهزيمة النفسية به هو الهدف المطلوب ولولاه ما ترك أي محتل بلدا قام باحتلاله , وهذه هي النقطة المحورية في سيكولوجية مقاومة أي محتل , أن تقلق راحته وتهدد أمنه وتمنع استقراره وتهزمه نفسيا وتوصله رسالة متكررة ودائمة بأن استمراره في الإحتلال له ثمن باهظ لن يقدر عليه , عندئذ فقط يبدأ في التفكير جديا في المفاوضات لإنهاء الإحتلال . ولو نظرنا إلى آثار الصواريخ الفلسطينية من هذا المنظور نجد أنها تحقق ذلك الهدف على الرغم من بدائيتها وضعف أثرها التدميري , بل ربما يكون ضعفها مطلوبا (مثل الحجارة التي كان يلقيها الأطفال إبان الإنتفاضة) , فالهدف هنا ليس قتل أعداد كبيرة أو تدمير البنية التحتية لإسرائيل (فذلك قد يستفز عدوانا هائلا لا تقدر عليه المقاومة) , ولكن الهدف هو إحداث حالة مستمرة من انعدام الأمان لدى المحتل الإسرائيلي بحيث يجعله هذا الوضع يراجع مسألة الإستيطان ويعرف أن حياته وحياة أبنائه غير آمنة في وجود الإحتلال , وتظل القضية نشطة وساخنة فلا يتحول الموضوع إلى أمر واقع على الأرض يترسخ مع الزمن .

وقد تستخدم الصواريخ الفلسطينية لإحداث نوع من الإرتباط الشرطي فمثلا حين تقتل إسرائيل أحمد ياسين أو عبدالعزيز الرنتيسي أو تحاول طرد الفلسطينيين من منازلهم أو تقتحم المسجد الأقصى , ترد المقاومة بالصواريخ بعدها مباشرة فيحدث نوع من توازن الألم لدى الطرفين وتحسب إسرائيل ألف حساب قبل إقدامها على إيذاء الفلسطينييين حيث تتوقع إيذاءا مقابلا حتى ولو كان هذا الإيذاء معنويا في صورة خوف يجتاح ساكني المستوطنات , بمعنى أن إسرائيل تعرف أن عدوانها سيكون مدفوع الثمن لذلك تفكر ألف مرة قبل أن تمارسه .

ويرى بعض المحللين أن للصواريخ فائدة في رفع الروح المعنوية لدى الفلسطينيين من خلال شعورهم بامتلاك سلاح يمكن إطلاقه في أي لحظة ولا يحتاج لإعدادات طويلة أو معقدة , وفي نفس الوقت يحدث أثرا نقسيا لدى المحتل , فالأثر المطلوب هنا أثرا نفسيا في المقام الأول , إذ لا يعقل أن الفلسطينيين سيواجهون الآلة العسكرية الإسرائيلية بهذه الصواريخ البسيطة , ولكنهم يواجهون النفسية الإسرائيلية التي بطبيعتها تعيش الهاجس الأمني في كل لحظة بل إن الشعور بانعدام الأمان شئ أساس في الشخصية الإسرائيلية بسبب ظروف تاريخية عميقة الجذور جعلتهم يعيشون تاريخهم مصحوبا بحالة من عدم الأمان , وكانوا يحاولون التجمع في

حارات أو تجمعات أو مستوطنات منعزلة بحثا عن الأمان المفقود في المجتمعات التي كانوا فيها . إذن فالصواريخ تلعب على هذا الوتر النفسي المؤثر والحساس لدي الشخصية الإسرائيلية .

والمقاومة الفلسطينية محاصرة من إسرائيل ومحاصرة من العرب ومحاصرة من العالم كله , وفي هذه الظروف الصعبة ربما تضطر أن تواصل كفاحها الشريف والمشروع (طبقا لكل الأعراف والقوانين الدولية) من أجل التحرر , لذلك فهي تبحث عن أية وسيلة تمكنها من كسر ذلك الحصار ومن كسر غطرسة المحتل المتسلح بأحدث أنواع الأسلحة , وهذا يعطيها حقا مشروعا للدفاع عن نفسها وللبحث عن طرق حريتها واستقلالها مهما كلفها ذلك من خسائر . ولا توجد وسيلة مقاومة يرضى عنها المحتل أو يتسامح معها كما يظن المهزومون نفسيا . كما أن المقاومة تؤمن بالآية الكريمة : "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم" , أي أن إعداد المستطاع من القوة هو المطلوب لتحقيق النصر , وأن هذا الإعداد كفيل بتحقيق الرعب لدى العدو الظاهر والأعداء المختبئين هنا وهناك .

والصواريخ ليست فقط لدى حماس وإنما لدى كل الفصائل الفلسطينية , فحماس صنعت محليا صاروخ "القسام" ووصل مدى قسام 3 إلى عشرة كيلومترات , أما المقاومة الشعبية فقد صنعت صاروخا أطلقت عليه "ناصر" ومداه تسعة كيلومترات , وكتائب الأقصى التابعة لحركة فتح صنعت صاروخان أحدهما "الأقصى" والآخر "الياسر" ومداهما حوالي خمسة عشر كيلو مترا , والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين صنعت صاروخا أسمته "الصمود" ومداه سبعة كيلومترات  . والملاحظ أن هذه الصواريخ يتم تصنيعها داخل الأراضي الفلسطينية من مواد بسيطة عبارة عن مبيدات زراعية وسكر ومواد كيميائية متوافرة محليا , ويتم التصنيع في ورش الحدادة على أيدي أشخاص مدربين , وهذه الورش منتشرة في كل مكان وسط الأحياء السكنية وتحت الأرض , ويتم تطوير الصواريخ بشكل سريع نسبيا حيث كان أقصى مدى للصواريخ الأولى حوالي ثلاثة كيلو مترات , والآن وصلت إلى 160 كيلو مترا وربما 250 كيلو مترا وستزيد في المستقبل , أي أن صواريخ المقاومة تستطيع أن تصل إلى الكثير من المدن الإسرائيلية , وبها إمكانات التصويب الدقيقة لإصابة الهدف , وربما تحتفظ المقاومة بأسلحة أكثر فاعلية لأوقات الشدة حين تريد أن ترسل رسالة قاسية إلى إسرائيل .

إذن فإسرائيل على الرغم من امتلاكها لترسانة عسكرية ضخمة إلا أن لديها نقاط ضعف خطيرة تستغلها المقاومة التي لا تمتلك إلا أسلحة بدائية نسبيا ومحدودة التأثير عسكريا ولكن أثرها في إلحاق الهزيمة النفسية قويا, وهذه فكرة "ضعف القوة وقوة الضعف" التي تستند إليها كل قوى المقاومة عبر التاريخ

, والنتيجة هي الوصول إلى حالة من توازن الرعب بين الطرفين , ومن يصمد أكثر سيكسب المعركة . والمتوقع أن تصمد المقاومة حيث لا توجد لديها خيارات أخرى خاصة بعد فشل كل محاولات الحل السلمي , وبعد التأكد من مراوغات إسرائيل وسعيها ونجاحها في شق الصف الفلسطيني تحت ذريعة عملية السلام والمفاوضات والتي استقطبت من خلالها بعض فصائل الفلسطينيين وحرضتهم واستخدمتهم ضد الفصائل المقاومة , وعمليات التطبيع المتتالية بين كثير من الدول العربية وإسرائيل تحت ضغط وإغواء أمريكي.

وأكبر خطر تخشاه إسرائيل الآن هو وصول الصواريخ إلى الضفة الغربية واستخدامها من هناك حيث ستصبح مجموعة كبيرة من البلدات والمدن الكبرى مثل القدس وكفار سابا وبيتح تكفا وغيرها، في مرمى الصواريخ، وعندئذ سيكون عدد القتلى والجرحى كبيرا لدرجة لا يمكن لاسرائيل أن تحتملها , ولذلك تحرص إسرائيل على استقطاب السلطة الفلسطينية المسيطرة على الضفة لكي تضمن عدم وصول الصواريخ إليها , ومع هذا فالمحاولات مستمرة من جانب المقاومة للوصول بالصواريخ إلى الضفة الغربية ولو نجحت فسيشكل هذا تغيرا نوعيا في موازين الصراع الفلسطيني الإسرائيلي , وتصبح إسرائيل في مأزق على الرغم من امتلاكها لترسانة هائلة من الأسلحة بما فيها السلاح النووي . ولذلك فإنها تعمل بكل ما أوتيت من قوة لمنعها. وقد نجحت بالفعل بعض المحاولات لتهريب الصواريخ أو تصنيعها في الضفة الغربية , ولكن وجود السلطة وتعاونها مع إسرائيل كان يحبط تلك المحاولات في مهدها . 

وفي هذه الأيام حيث تحاول إسرائيل حرق غزة بمن فيها وسط صمت وتواطؤ العالم كله , فإن الخانعون يهاجمون المقاومة ويدّعون بأنها رفضت التهدئة وعرضت نفسها وعرضت الفلسطينيين للغضب الإسرائيلي الجارف وتسببت في قتل أعداد كبيرة من المدنيين فيما يشبه عملية انتحار عسكري, وهؤلاء هم الطابور الخامس الذي يتسلل عبر المواقع الرسمية والقنوات الفضائية والصحف والمجلات , والمنابر الثقافية , ويحاولون إضعاف الروح المعنوية للفلسطينيين والعرب , ويظهرون المقاومة في صورة المتهور الذي لم يحسب للأمر حسابه , والحقيقة أن أي مقاومة للإحتلال لا تسعى أبدا للتهدئة , إذ التهدئة معناها ترسيخ الأمر الواقع , وإعطاء الفرصة للمحتل كي تستقر حياته ويستجلب المزيد من المستوطنين اليهود من كل مكان في العالم وهو يعدهم بجنة إسرائيل , والمقاومة لن تصل في يوم من الأيام إلى توازن القوى مع إسرائيل , والمقاومة تدرك جيدا حجم الخسائر الذي يمكن أن تتعرض له , ولكن هذه الخسائر هي ضرورة ملحة وفاتورة واجبة الدفع للتحرر , إذ لم يتحرر وطن من خلال التهدئة , أو التوسل , أو التسول , أو الإستعطاف , أو الإستسلام أو الرضا بالأمر الواقع , ولم يترك محتل أرضا طواعية , وإنما تركها حين أدرك أن ثمن وجوده باهظا . وفي كل خبرات التحرر الوطني كانت المقاومة تدفع ثمنا باهظا وكانت دائما في وضع أضعف من المحتل ولكن قوانين المقاومة تتجه نحو استغلال نقاط الضعف لدى المحتل الأقوى , واستغلال نقاط القوة لدى المقاومة الأضعف من المحتل , وهنا يتحول ميزان القوى في صالح المقاومة رغم قوة المحتل .



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق