عملاق النسيج في مصر «كفر الدوار للغزل والنسيج».. تطوير أم تصفية ؟

01/05/2021 08:56

أصدرت محكمة جنايات دمنهور حكمًا ببراءة 19 عاملًا من عمال شركة «مصر للغزل والنسيج بكفر الدوار»، وذلك بعد أحكام غيابية أولية وصلت إلى المؤبد، إثر اتهامهم بالتجمهر والتظاهر والاعتداء على موظف عام، وحيازة أسلحة، وإهانة موظفين عموم.

 

كان عدد من العمال قد تظاهروا في مارس الماضي اعتراضًا على سياسة رئيس مجلس إدارة الشركة السابق، عادل أنور عبيد، في الإدارة. وهي السياسات التي فاقمت من خسائر الشركة، وأثارت مخاوف العمال من أنها تمهيد لتقنين إغلاق الشركة تمامًا، بحسب مصادر عمالية بالشركة تحدثت لـ«مدى مصر»، مطالبين بإقالته. وعلى إثر هذه الواقعة تم تقديم العمال للمحاكمة.

 

مخاوف العمال التي دفعتهم للتظاهر في مارس تحققت في ديسمبر الماضي، حيث أصدر وزير قطاع الأعمال، هشام توفيق -بشكل مفاجئ- قرارًا بإغلاق شركة «مصر للغزل والنسيج بكفر الدوار» بشكل مؤقت لإعادة تطويرها. وهو ما دفع العمال للتظاهر مجددًا والاعتصام في مقر الشركة عدة أيام.

 

وقتها، قالت الشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج في بيان إنه تقرر غلق مصانع الشركة في موقعها الحالي بمدينة كفر الدوار لمدة تسعة شهور، لحين الانتهاء من الإنشاءات الجديدة بموقع الشركة في قرية البيضا التابعة للمدينة، ونقل العاملين إليها بنفس أوضاعهم الوظيفية والمالية.

 

وشددت «القابضة» على أن الشركة مدرجة ضمن خطة تطوير شاملة تتضمن النقل من موقعها الحالي إلى موقع شركة «صباغي البيضا»، أحد الشركات التابعة لشركة مصر للغزل والنسيج/كفر الدوار بقرية البيضا، والتي تبعد عن الموقع الحالي بمسافة ثلاثة كم فقط بكفر الدوار أيضًا.

 

وعلى الرغم من أن قرار الإغلاق ونقل المصنع، بحسب الإعلان الرسمي، قرار مؤقت لحين الانتهاء من تطويرها، إلا أن العمال تخوفوا من كونه مجرد مقدمة لتصفيتها وإنهاء أعمالها، بحسب عدد منهم تحدثوا إلى «مدى مصر». هذه المخاوف تكمن في عدد من المؤشرات، أهمها فتح باب التقدم للمعاش المبكر، وتغيير خطة التطوير المعلن عنها في السابق، والتي تقضي بضم شركات إلى شركة كفر الدوار وليس العكس، إلى جانب فجائية القرار الذي اعتبره العمال عاملًا مشتركًا في تجارب تصفية بعض شركات قطاع الأعمال مؤخرًا للتصفية، مثل القومية للأسمنت والشركة المصرية للملاحة البحرية.

 

لماذا تعتبره الحكومة تطويرًا؟

في أبريل 2019، خرج المتحدث باسم رئاسة الجمهورية، السفير بسام راضي، معلنًا عزم الدولة على تطوير قطاع الغزل والنسيج، بتوجيه من الرئيس عبدالفتاح السيسي، مشددًا، بحسب بيان الرئاسة، على تطوير مصانع قطاع الغزل والنسيج التابعة لقطاع الأعمال العام، من خلال تحديث الآلات والمعدات، بالتوازي مع رفع كفاءة المعدات الحالية بتلك المصانع.

 

الإعلان الرئاسي عن تطوير قطاع الغزل والنسيج، كان بمثابة إشارة البدء في خطة وزارة قطاع الأعمال لإعادة هيكلة شركات الغزل والنسيج المملوكة للدولة، والتي بدأت الوزارة (متمثلة في الشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج) إعدادها منذ 2017 بالاستعانة بـ«وارنر»، مكتب أمريكي للاستشارات.

 

تستهدف خطة التطوير مضاعفة طاقة الشركات الإنتاجية الحالية أربع مرات، وتحويل خسائر شركات الغزل والنسيج (البالغة 40 مليار جنيه) لأرباح صافية قدرتها دراسات الجدوى بثلاثة مليارات جنيه، بدءًا من العام الثالث من التشغيل. وسيبدأ الإنتاج في بداية عام 2022، بمعنى أنه سيتم تحقيق أرباح فى 2025، ويستغرق تنفيذ خطة «وارنر» نحو عامين ونصف العام.

 

وتقوم خطة التطوير على دمج تسع شركات حليج وتجارة وكبس في شركة واحدة، ودمج 22 شركة غزل ونسيج وصباغة في تسع شركات كبرى، وتحويل ثلاث شركات (المحلة، كفر الدوار، حلوان) إلى مراكز صناعية متكاملة كبرى مع تخصيص ثلاثة مراكز للتصدير في المحلة وكفر الدوار والدلتا، وتخصص الشركات الست الباقية في مرحلة تصنيع معينة (غزل، نسيج، صباغة وتجهيز) أو منتجات تستهدف فئة معينة مثل الجينز والمنسوجات الشعبية.

وبحسب خطة «وارنر»، تصل التكلفة الاستثمارية إلى نحو 21 مليار جنيه لإتمام عمليات الدمج الإداري والفني، بالإضافة إلى تحديث شركات الغزل والنسيج والصباغة، سواء في البنية التحتية أو الأعمال الإنشائية أو تحديث الماكينات والمعدات التي يجري توريدها من شركات عالمية.

 

بدأ تنفيذ خطة التطوير في يونيو 2019، حيث تم توقيع عقود المرحلة الأولى لتوريد ماكينات حديثة للمصانع من بعض الشركات المتخصصة. وتبلغ القيمة الإجمالية للعقود 540 مليون دولار، وكانت هذه أولى خطوات تنفيذ الخطة، لتتوالى بعدها عدة إجراءات مختلفة، مثل التعاقد مع شركة «برايس واتر هاوس» لإعادة الهيكلة المالية ودمج الشركات. وكانت بداية عمليات الدمج الفعلي مع شركات الحليج، لتتوالى بعد ذلك عمليات دمج شركات الغزل والنسيج لتنضم الشركات الصغيرة للأكبر.

 

اتجاه معاكس للخطة

وفقًا للخطة، فإن عددًا من الشركات الصغيرة في محيط الدلتا تنضم لشركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة لتصبح مركزًا لتصنيع الغزل والنسيج في منطقة الدلتا. الأمر نفسه مع شركة حلوان للغزل، وكذلك غزل كفر الدوار التي حددت الخطة عددًا من شركات الغزل في محيط بحري (الإسكندرية والبحيرة) من بينها شركات المحمودية للغزل والنسيج، وشركة كوم حمادة للغزل والنسيج، وشركة الأهلية للغزل والنسيج، وشركة السيوف للغزل والنسيج، لدمجها في شركة كفر الدوار للغزل والنسيج.

 

وبالفعل، تم دمج شركة السيوف للغزل والنسيج بالإسكندرية مع شركة كفر الدوار في يوليو 2020، بحسب عمال تحدثوا إلى «مدى مصر»، مؤكدين انتقال 300 عامل من عمال «السيوف» في يوليو الماضي بعد دمج شركتهم مع كفر الدوار، حتى أن رئيس «السيوف» نفسها، نادية عبدالسيد، تولت رئاسة مجلس إدارة شركة «كفر الدوار» في هذا التاريخ.

 

«احنا اتغفلنا»، يقول زاهر*، 59 سنة، عامل بشركة كفر الدوار للغزل والنسيج، مؤكدًا أنه منذ اليوم الأول لتطوير القطاع سارت الخطة في اتجاه الإبقاء على الشركة ودمج شركات «بحري» معها وليس العكس. يقول زاهر إن وزير قطاع الأعمال، هشام توفيق، زار الشركة في نهاية 2019 مع رئيس الشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج وطمأنهم على الشركة ووعدهم بمكن جديد وتدريب للعمال و«جرَى ريقنا على الشغل اللى بجد وقالنا إن فيه كام شركة هتنضم لينا وصدقناه للأسف».

 

وكان وزير قطاع الأعمال قد زار «كفر الدوار للغزل و النسيج» في سبتمبر 2019، مؤكدًا أن شركة كفر الدوار ستكون أحد المراكز الصناعية الكبرى ضمن خطة تطوير قطاع الغزل والنسيج، مستمعًا إلى شرح تفصيلي موضح على خريطة الشركة حول أعمال تطوير البنية التحتية للمصانع، وكذلك التطوير الفني لوحدات الإنتاج.

 

«مرت شهور على زيارة الوزير ووعوده، ومفيش ولا حس ولا خبر، لا عن المكن الجديد، ولا ترميم المباني، ولا حتى دورات التدريب، قبل 27 ديسمبر 2020 كل اللي عندنا مجرد شكوك حول موضوع التطوير اتأكدت بقرار غلق الشركة تسعة شهور ومنح العاملين إجازة لحين نقلهم لشركة صباغي البيضا، وده مكانتش خطة التطوير اللي اطلعنا عليها من البداية، واللي بتقول إن كل الوحدات الإنتاجية هتتنقل لمصنع 4 [أحد مصانع كفر الدوار] بنفس مكان الشركة واستغلال جزء من أراضي الشركة المقام عليها باقي المصانع، وتجديد المكن، الخطة مكنتش أبدًا إن الشركة كلها تتاخد»، يقول زاهر، موضحًا تغيير خطة تطوير الشركة المعلنة، مشددًا على أن هذا التغيير في الخطة بمثابة نهاية الشركة واتجاهها للتصفية المستترة في ثوب التطوير.

 

وكان بيان رسمي صادر عن الشركة القابضة أواخر ديسمبر الماضي قد قال إنه سيتم تشغيل مصنع رقم 4 للغزل والنسيج، بكامل طاقته، ونقل الماكينات الصالحة للتشغيل من المصانع الأخرى إليه، وذلك بهدف استيعاب جميع العاملين بقطاع الغزل والنسيج.

 

وقائع تغيير الخطة

«في 27 ديسمبر، عرفنا أنه تم استدعاء اللجنة النقابية بالشركة لاجتماع مع رئيس الشركة القابضة ورئيس مجلس إدارة شركة مصر للغزل والنسيج (كفر الدوار) في مقر شركة صباغي البيضا تبعد نحو 6 كم عن المقر الرئيسي للشركة»، يقول سيف*، 37 سنة، موظف بالشركة لـ«مدى مصر»، موضحًا أن الاجتماع ناقش غلق الشركة، وهو القرار الذي قوبل برفض اللجنة النقابية واعتصام العمال بعد تأكد مخاوفهم تجاه خطوات التصفية نظرًا لأن مساحة «البيضا» تبلغ نحو 20% من مساحة «كفر الدوار»، كما أن عدد عمال «كفر الدوار» يبلغ سبعة آلاف و303 عمال، بينما يصل عدد عمال شركة صباغ البيضا نحو 1100 عامل، وهو ما أثار تساؤلات عديدة لدى العمال حول كيفية استيعاب «صباغي البيضا» لـ«كفرالدوار»، وهو ما اعتبره العمال مؤشرًا إضافيًا على اتجاه الشركة نحو التصفية لا التطوير، بحسب سيف.

 

استمر العمال في اعتصامهم احتجاجًا على قرار الإغلاق، وغموض موقفهم الوظيفي من القرار، حتى أصدر رئيس الشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج منشورًا، حصل «مدى مصر» على نسخة منه، من ثماني بنود تضمن حقوق العمال مدة التسعة شهور المقررة للإغلاق، وتنص على تعديل قواعد الخروج على المعاش المبكر بالتنسيق مع وزارة قطاع الأعمال ووزارة التضامن الاجتماعي، وصرف مستحقات العمال المالية (الأجر الشامل في موعد أقصاه 28 من كل شهر)، صرف متأخرات مستحقات العاملين من صندوق التكافل للذين خرجوا على المعاش أو حالات الوفاة، صرف الأرامل لمستحقات الوفاة والإعانة، وكذلك صرف قيمة الإجازات المستحقة إلى جانب صرف فواتير العلاج، وتوفير وسائل انتقال لمن يرغب في العمل بوحدة صباغي البيضا، سداد الأقساط المستحقة للقروض والتي تخصم لصالح البنوك.

 

«المنشور اللي جالنا بيه رئيس الشركة القابضة والضغوط الأمنية اللي كانت علينا.. ولما عرفنا أن قرار الإغلاق نهائي لأنه جاي من جهة سيادية،

وأن الهيئة الهندسية مستعجلة لاستلام الشركة عشان تهدها و تستخدم الأرض.. كل ده خلانا نفض الاعتصام ونروح بيوتنا»، يقول مينا* لـ«مدى مصر» متحدثًا عن أسباب فض الاعتصام، موضحًا أن بعض بنود منشور «القابضة» جاءت لتؤكد اتجاه الشركة نحو التصفية، مشيرًا إلى البند الأول في المنشور «تعديل قواعد المعاش المبكر»، والذي يفتح الباب للعاملين للمعاش المبكر، موضحًا أن عدد العاملين الذين تقع أعمارهم بين نهاية العشرينات ونهاية الثلاثينات يتراوح بين 800-1000 عامل من إجمالي 7303 عمال، والباقي فوق الخمسين، وهو ما سيجعل المعاش المبكر اختيار جيد لهذه الفئة، بما يعني أنه لو كانت النية الحكومية هي التطوير، مثلما يردد المسؤلون، لما كان تقليص عدد العمالة بفتح الباب للمعاش المبكر على رأس بنود «منشور القابضة»، بحسب مينا*.

 

مخاوف العمال من التصفية نابعة في الأساس من مخاوفهم من التسريح من العمل عن طريق المعاش المبكر. وفي الوقت الذي يرى فيه العمال التخلص من أصول الشركة (العمال والأرض والمبنى والمكن) تصفية، ترى الدولة المعاش المبكر تخفيضًا للنفقات، والتخلص من الأصول استغلالًا لها، ونقل كيان الشركة إلى أخرى اندماج.

 

«محور المحمودية» هو كلمة السر في تغيير خطة الدولة تجاه شركة كفر الدوار

 

محمود ماهر، المحامي بالاستئناف والمتخصص في شؤون الشركات، يقول لـ«مدى مصر» إن الاندماج  هو العملية القانونية التي يتم بموجبها اتحاد عدة منشآت اقتصادية قائمة في كيان قانوني واحد، وذلك بطريقتين، إحداهما الضم: أي ضم منشأة أو أكثر إلى منشأة أخرى، فتزول الشخصية المعنوية للمنشأة أو المنشآت المنضمة، وتنتقل أصولها وحقوقها إلى المنشأة الضامة، وبحسب المعلن رسميًا، فإن هذه هي الطريقة المتبعة مع شركة كفر الدوار للغزل والنسيج.

 

أما التصفية، بحسب ماهر، فهي العملية القانونية التي يتم بموجبها اتخاذ الإجراءات القانونية بهدف إنهاء أعمال الشركة والقيام بتوزيع جميع أصولها على الدائنين أو أصحاب الحقوق، وتوزيع المتبقي من الأصول -إن وجدت- على الشركاء، ويتم ذلك من خلال بيع الأصول عن طريق تعيين مصفي يتولى مهام إدارة الشركة، وعند انتهاء عملية التصفية تُحل الشركة، ويمحى السجل التجاري.

 

يقول ماهر إن عملية الدمج ليس من سماتها التخلص من الأصول أو تخفيض العمالة، سواء بالتسريح المتعسف أو المعاش المبكر، موضحًا المقصود بالدمج قائلًا إنه «بالظبط كأن اتنين بيفتحوا شققهم بكل ما فيها على بعض»، لافتًا إلى أن أي تغيير أو تصرف في الأصول بعد الاندماج مسؤولية الإدارة الجديدة للشركة الناتجة عن الدمج،موضحًا أن ما يحدث في كفر الدوار يعبر عن رغبة الدولة في التخلص من أعباء القطاع العام بدلًا من إدارة القطاع وإدارة أعبائه أيضًا، مشيرًا إلى أن الأعباء المالية لغزل كفر الدوار تتمثل في مديونيات أغلبها لجهات حكومية، أي يمكن جدولتها أو إسقاطها.

 

البيع والتخريد.. قرارات إدارية من الجهة المسؤولة

عملية الدمج لا تتضمن التخلص من الأصول، ولكن الشركة تنتقل بحقوقها والتزاماتها، والإدارة الجديدة عليها تحديد أولوياتها من خفض النفقات بأي طريقة، يتفق ياسر سعد، المحامي لدى التعاونية القانونية لدعم الوعي العمالي‏، مع ماهر في أن ما يحدث في شركة كفر الدوار للغزل والنسيج مجرد مناورة حكومية للتخلص من الالتزامات الاقتصادية والدستورية تجاه قطاع الأعمال، لافتًا إلى أنه بموجب الدستور، فإن الدولة مسؤولة عن حماية وسائل الإنتاج، ويوضح سعد أن حماية وسائل الإنتاج ليس من بينها تخفيض العمالة كأحد شركاء العملية الإنتاجية.

 

ويضيف سعد أن «ما يحدث في كفر الدوار هو تخسير متعمد منذ البداية للتخلص من عبء الإدارة، والواقع فارض نفسه على التفاصيل، والواقع بيقول إن مفيش تطوير، مينفعش حد يخسرني كل يوم بنفس الطريقة، ولما ييجي يعملها أقول استنى أشوف هو بيعمل ايه، انتظار التوصيف خطأ لأن المصانع اللي تم التخلص منها بالبيع أو التصفية أكثر من الموجودة، إذن هي سياسة واضحة، كمان لازم نفهم أن الدمج زي الجواز، الشركتين ينتقلوا بكامل مصوغاتهم، والأصل في الشيء أن الأصول تزيد مش نتخلص منها هي والعمال».

 

لماذا حدث تغيير في الخطة؟

رحيل العمال وإغلاق الشركة لم يُغلق أبواب تساؤلات لا تزال عالقة في الأذهان حول أسباب تغيير خطة التطوير بتقليص مساحة الشركة وعدد خطوط إنتاجها وخفض العمالة بفتح باب المعاش المبكر.

 

«محور المحمودية» هو كلمة السر في تغيير خطة الدولة تجاه شركة كفر الدوار. بحسب بيان رسمي صادر عن القابضة للقطن والغزل والنسيج، فإنه سيتم تسليم أراضي المصانع المقرر إغلاقها إلى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة لتنفيذ مشروعات التطوير التي ستقام على أراضي تلك المصانع لتنمية وتطوير المنطقة.

 

وأكد بيان القابضة على أنه «استجابة لخطط التطوير، التي تقوم بها الدولة لإنشاء مشروعات سكنية بديلة للعشوائيات، فإنه رؤي التبكير في عملية إغلاق المصانع الموجودة في كفر الدوار لتنفيذ هذه المشروعات التي تتواكب مع تطوير محور المحمودية في المنطقة الواقعة بمحافظة البحيرة». وهو ما أكده وزير قطاع الأعمال في مداخلة هاتفية تليفزيونية قائلًا: «بالنسبة لكفر الدوار حضرتك عارف إنها على محور المحمودية، وبرده عندنا نفس القصة بتاعت حاجة زي بشاير الخير عندنا بُعد تاني، وكنا عاملين حسابنا إنه خلال سنة أو سنة ونص سيتم إغلاق المصنع ونروح بالمعدات الجديدة على بعد حوالي 6 كم لشركة صباغي البيضا».

 

اليقين بنظرية التصفية لدى عمال الشركة، ينبع من الأبعاد التاريخية لممارسات الإدارات المختلفة، حيث يوجد اعتقاد سائد بأن خطة الدولة تجاه الشركة منذ سنوات تسير نحو التخسير المتعمد من أجل الوصول لهذا الوضع الذي يقود للتصفية لا التطوير.

 

يقول زاهر إن تاريخ الشركة يروي ما تعرضت له من تخسير وإهدار للمال العام لم تتم مساءلة أحد عنه، بحسب تعبيره. «تأسست [الشركة] عام 1938 بغرض تجهيز وصباغة وطباعة وملابس جاهزة ومفروشات من خامات القطن المصري، وبدأت الشركة في هذا التاريخ بمصنع واحد أصبحت بعد ذلك ثمانية مصانع على مساحة 413 فدان، ودبت الحياة في المنطقة بعد زيادة المصانع، ليتم إنشاء مدينة سكنية متكاملة للعمال في محيط الشركة على مساحة 200 فدان، وتوسعت الشركة بفروع خارج كفر الدوار، وأصبحت تمتلك فرع في كوم حمادة وفرع في المحمودية والشركة العربية الألمانية للملابس الجاهزة، وامتلكت الشركة 50 نوعًا من الباترونات، وأنتجت غزل رفيع خاص بالملابس الداخلية، بالإضافة إلى نوع قماش اسمه 644، وهو من أجود أقمشة القمصان. وكانت المصانع المشاركة في اتفاقية الكويز تشتريه من مصانعنا قماش وقمصان بدون «تكت» لتضع عليها التكت الخاص بشركاتها التي تدخل الزراير والسدس كمكون إسرائيل للسماح للتصدير لأمريكا، كمان احنا اللي كنا بنصنع أفرولات الجيش والكساء الشتوي المجاني لطلاب المدارس، ولكن بدأت الأوضاع في التدهور مع ظهور عاطف عبيد للساحة كوزير لقطاع الأعمال ثم كرئيس مجلس الوزراء».

 

يستكمل زاهر، الذي قضى نحو 41 عامًا في الشركة، رحلة تدهور الشركة قائلًا «1990 كانت آخر مكنة جديدة تدخل الشركة، من بعدها توقفت كل أعمال الصيانة والتحديث، وأصبح الاتجاه العام يسير نحو التخريد والتخريب، فنجد أنه مع حقبة عاطف عبيد، منذ أن كان وزيرًا لقطاع الأعمال وبعدها رئيس مجلس الوزراء، باع بعض الشركات التابعة للشركة مثل العربية الألمانية وكوم حمادة وغيرها، وفتح الباب للمعاش المبكر. وخلال الفترة من 2004-2010، أحُيل 14 ألف عامل للمعاش المبكر، وطبعًا حصل عجز في العمالة، وبالتالي بعض الخطوط والماكينات توقفت، وبدأنا مرحلة الخسائر منذ عام 2004. وقبل هذا العام، كان الحد الأدنى للأرباح 170 مليون جنيه، وكان يصل في بعض السنوات إلى 400 مليون بعد خصم الضرائب والتأمينات وجميع بنود التكلفة المستحقة للخصم، وكنا بنصدر لأوروبا وشرق آسيا، وبالتوازي مع كل الإجراءات دي تدهورت منتجات الشركة، لأنه معدش عملاء بتيجي لأن القطن المصري اختفى، كنا بنشتغل بالقطن اليوناني والسوداني، وهو نوع رديء جدًا، والخامات أصبحت رديئة وبالتالي الإنتاج أصبح رديء».

 

وتشير القوائم المالية للشركة إلى تحقيق خسائر متراكمة حتى آخر ميزانية معلنة لها في 2020 تقدر بنحو ثمانية مليارات و809 ملايين جنيه، من بينها نحو مليار جنيه فقط حققتها إدارة الشركة خلال عام واحد (فترة رئاسة عادل أنور عبيد)، بحسب موظف في الإدارة المالية للشركة، طلب عدم ذكر اسمه، قائلًا لـ«مدى مصر» إن وقف الخسائر هو البداية الحقيقية للتطوير، وهو ما لم تسع إليه أي من الإدارات المتتالية على الشركة إليه، بل بالعكس حيث استمرت الشركة في الخسارة من إدارة لأخرى حتى أصبحت الإيرادات لا تغطي حتى أجور العمال، وهو ما دفع الإدارات المختلفة للاستدانة من الشركة القابضة تارة، وتأجير 100 فدان من أرض الشركة بنظام حق الانتفاع لـ70 مصنعًا لضمان دخل ثابت منها، بينما قامت بعض الإدارات بتخريد بعض الماكينات وبيعها، فيما اتجه رئيس مجلس الإدارة السابق ببيع كابلات الكهرباء النحاس في مارس الماضي، وهو ما أغضب العمال ودفعهم لاحتجازه والمطالبة بإقالته، وعلى إثر هذه الواقعة تم تقديم 19 عاملًا للمحاكمة حتى أن بعضهم أخذ أحكام بالمؤبد.

 

ممارسات التخسير والإهمال المختلفة والمتراكمة على مدار السنوات السابقة تحت مرأى ومسمع الجهات الرقابية والحكومات والإدارات المتتالية، تشير إلى نية مبيتة من الدولة للتخلص من عبء إدارة القطاع العام بمسميات ملونة قد تكون «الدمج» وربما «التطوير»، وفي أحيان أخرى «إعادة الهيكلة»، وإن كان اختلاف المسمى لن يغير كثيرًا من الواقع.

 

*المصدر: موقع مدي مصر

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق