"قطارات مصر" ..بين مطرقة تهالك السكة الحديد وسندان سوء الإدارة والفساد

30/04/2021 08:08

بقلم/ شريف عثمان

انتقلت الكاميرات إلى استاد كرة القدم لنقل إحدى مباريات الدوري العام في مصر، فبدأ المعلق حديثه مترحماً على "شهداء حادث القطار .... "، ثم سكت لثوانٍ معدودة، بدا فيها محاولاً تذكر رقم هذا الحادث، قبل أن يستدرك وينهي جملته بكلمة "الأخير". كان الحادث هو الثالث في أقل من شهر، ولا أحد يعرف على وجه الدقة إجمالي عدد حوادث القطارات في مصر خلال السنوات العشر أو الخمس أو حتى الثلاث الأخيرة، رغم ما تسفر عنه من ضحايا بالعشرات، بخلاف مئات الإصابات.

وفي إحدى النوادر المصرية، أعلنت وزارة الصحة انخفاض عدد الوفيات في واحدة من حوادث هذا الشهر ليصبح 19 فقط، بعد أن تم الإعلان عن أكثر من ثلاثين حالة وفاة، بينما أشار شاهد عيان إلى أن العدد الحقيقي يصل إلى المئات.

لم تختلف ردود الأفعال بعد كل واحدة من تلك الحوادث عما كان يحدث مع الحوادث السابقة، حيث تعلن الحكومة تشكيل لجنة تحقيق لمعرفة أسباب الحادث، ويتم القبض على السائق، وتتأخر عربات الإسعاف في الوصول إلى المصابين، ويقوم الأهالي بإسعاف المصابين، مع تقديم بعض الأطعمة لإفطار الصائمين في المرات التي يكون فيها الحادث في شهر رمضان، ليتحول التركيز الإعلامي إلى الحديث عن شهامة المصريين وكرمهم، بينما تُوارى الجثث، مع سوء الإدارة والفساد، الثرى.

يتذكر المصريون بوضوح حديث رئيسهم عن تفضيله استثمار عشرة مليارات جنيه (الدولار يساوي حوالي 15.70 جنيهاً مصرياً) طلبها بعض المسؤولين لإتمام عمليات الصيانة المطلوبة للقطارات في البنك، للاستفادة من تحقيق عائد يتجاوز مليار جنيه بعد عام، كما يعرف بعضهم أن مسؤولاً آخر طلب تخصيص ما يقرب من مائة مليار جنيه لتحديث البنية التحتية لسكك حديد مصر وقطاراتها، إلا أن المثل المصري المعروف "ما يحتاجه البيت يحرم على الجامع" فرض نفسه بقوة، وعجزت الموازنة المصرية عن توفير المبالغ المطلوبة لإيقاف مسلسل خسائر الأرواح.

ونشرت مجلة الإيكونوميست في عددها الأخير إشارة موجزة إلى حادث القطار المصري، وتحدثت عن تكرار هذه النوعية من الحوادث في مصر، مشيرة إلى أن البنك الدولي قدم لمصر في مارس / آذار الماضي نحو 440 مليون دولار لإجراء الإصلاحات اللازمة لشبكة القطارات المتهالكة. وقالت المجلة إن هذا المبلغ يمكنه المساهمة في وضع حد لهذه المأساة "لو تم إنفاقه بحكمة"، إلا أنها لمحت إلى أن ذلك لم ولن يحدث بسبب "اعتياد هيئة السكك الحديدية الوطنية توجيه العقود المشبوهة إلى الشركات المدعومة من الجيش".

لا أعرف مدى مصداقية المجلة البريطانية العريقة في هذا الموضوع تحديداً، ولم أسمع بوجود خطط لإجراء إصلاحات هيكلية مدعومة بمبالغ تتناسب مع حجم العمل المطلوب، وكل ما أذكره هو ما قاله رئيس الدولة عن تكلفة الفرصة البديلة الضائعة، والتي حتمت تأجيل تنفيذ تلك الإصلاحات، الأمر الذي يؤكد حقيقة أن إنفاق مبالغ كبيرة على تلك الإصلاحات ليس

من أولويات الحكومة المصرية في الوقت الحالي. وتؤخر الحكومة المصرية الإنفاق على إصلاح شبكة القطارات المصرية، كما على العديد من أوجه الإنفاق الضرورية، وبعضها تفرضه نصوص دستورية، بسبب ارتفاع بند خدمة الدين العام ضمن المصروفات، كما يظهر في الموازنة العامة للدولة المصرية.

 

ورغم غياب الشفافية والصعوبات التي نواجهها في محاولات الوصول إلى الأرقام الحقيقية للاقتصاد المصري، تؤكد العديد من المصادر الموثوق بها أن عجز الموازنة المصرية، ونسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي، يحولان دون توجيه الموارد المطلوب نحو إصلاح منظومة السكة الحديد في مصر.

ومع الاستمرار في الاقتراض محلياً وخارجياً خلال السنوات الأخيرة، والاحتفال بإنجازات وهمية من قبيل مد أجل ودائع دول الخليج لدى البنك المركزي المصري، أو تجديد بعض القروض الخارجية، أو الاتفاق مع صندوق النقد الدولي على قرض جديد، أو إصدار السندات صديقة البيئة، تزامناً مع ارتفاع معدلات العائد المحلية والعالمية، تزداد نسبة فوائد الدين المستحقة والأقساط الواجب سدادها من إجمالي الإيرادات المتاحة، وهو ما يتسبب في تراجع أوجه الإنفاق الأخرى، لتتم التضحية ببنود تأتي في مرحلة متأخرة على أجندة الحكومة، ويفضل الرئيس تأجيلها لحين استثمار المبالغ المتاحة والحصول على فوائد عليها!

لكل حكومة الحق في ترتيب أولويات إنفاقها على النحو الذي تراه، ولو افترضنا حسن النية في القائمين على الأمور في مصر حالياً، فمن الطبيعي أن نختلف معهم في سياساتهم المستسلمة للوقوع في فخ القروض الذي أهلك دولاً أخرى، وتسبب في توجيه الموارد المحدودة بعيداً عن أولويات الشعوب. ولو كانت هناك رائحة للديمقراطية في مصر لأسقط الشعب في الانتخابات النظام الذي لم يحسن قيادة البلاد، واستبدل نوابه المنوط بهم مراقبة أداء الحكومة. أما وقد غابت الديمقراطية تماماً، فمن الطبيعي أن نتشاجر على ترتيب الأولويات في ظل النتائج الكارثية المحققة، وأن نواصل ضغوطنا من أجل تقليل عمليات الاستدانة المستمرة بلا هوادة.

تخفيض الدين العام المصري لم يعد ترفاً، وإيقاف الاقتراض من الخارج بعد تجاوز الدين الخارجي مطلع العام الحالي 129 مليار دولار، وهو ما يمثل نحو ثلاثة أضعاف ما كان عليه قبل خمس سنوات فقط، أصبح واجب الوقت، قبل أن يزداد الأمر سوءاً، خاصة وأن خبرة السنوات العشر الأخيرة أكدت أن تكلفة التمادي في الاستدانة لا تتوقف عند الحسابات الاقتصادية.

 

لا تمثل قطارات مصر وسكك حديدها كل أزمات مصر، وإن كانت على ما يبدو واحدة من أكثرها إلحاحاً، لكن من المؤكد أن هناك مشكلة كبيرة في أغلب ما يرتبط بالبنية التحتية في مصر، كما هو الحال في الولايات المتحدة، إلا أن الأخيرة خصص رئيسها مؤخراً أكثر من 2 تريليون دولار لإصلاحها، قبل أن يفكر في بناء قصور رئاسية، أو نقل حكومته إلى عاصمة إدارية جديدة، أو أي مشروعات أخرى لا يكون لها عائد يتجاوز تكلفة اقتراضها.

 

*المصدر: صحيفة العربي الجديد



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق