مسلسل القاهرة كابول.. حلبة مصارعة وقذائف أفكار

25/04/2021 05:02

*بقلم/ أية طنطاوي 

بمجرد انتشار البوسترات الدعائية لمسلسل القاهرة كابول، وبعد مشاهدة الإعلان التشويقي لإنضمامه إلى السباق الرمضاني، عقد قطاع واسع من الجمهور رهانًا على المسلسل، ومنحوا انتباهًا خاصًا لقصته التي تتناول قضية معارك الجهاديين ونشأة جذور التطرف الفكري في المجتمع المصري، في خطٍ درامي تتصل أحداثه بين مصر وتنظيم القاعدة في أفغانستان.

 

لكن القصة التي كتبها عبد الرحيم كمال وأخرجها حسام علي، والتي وعدتنا بالكثير من التشويق والخبايا، وكشف أوراق من أروقة الإرهاب المظلمة، جاءت لتخيب آمالنا وتغير بوصلة الرحلة الدرامية إلى مسار آخر.

 

صداقةُ عمْر جمعت بين أربعة شخصيات هم أبطال المسلسل الرئيسيين: طارق لطفي، خالد الصاوي، فتحي عبد الوهاب، أحمد رزق؛ جيران طفولة وعشرة سنين تغيرت مساراتهم كما تغير مصير البلاد، فالأصدقاء الذين جمعهم قديمًا حلم بريء بحكم العالم واستمرار الصداقة للأبد، كبروا ومضى كل منهم في طريق ما. أربع وجوه لأربع عملات: الشهرة والمال، الفن، الحق والعدل، والجهاد.

 

ويبدو استخدام هذه الأوصاف كليشيهي بعض الشيء، لكنها وردت على لسان الشخصيات في المسلسل بنفس الطريقة المباشرة التي لم تكتفِ بأن كل شخصية منهم تحمل رمزية ما، بل إنهم صرحوا بها كي لا يكابد المشاهد عناء التخمين!

 

بعد مرور أكثر أسبوع على عرض مسلسل القاهرة كابول انقسمت آراء المشاهدين بين رضا واستياء، فئة معجبة ببراعة التمثيل وقوة الحوارات التي تعكس صراع الأفكار بين الأصدقاء الأربعة، تحديدًا بين الوسطيين والتكفيريين، بينما فئات أخرى من الجمهور أبدت انزعاجًا من الخطابية المباشرة التي تتحدث بها شخصيات المسلسل وكأننا في حلقة دروس وعظية لا تتوقف.

 

ولكل طرف من الأطراف وجهة نظر تعكس اختلافات التلقي بين المشاهدين. لكن من هذه النقطة الخلافية، علينا أن نلقي نظرة تحليلية على القاعدة الأساسية التي يرتكز عليها المسلسل بالأساس، وهي “القصة”.

 

القاهرة كابول.. حلبة مصارعة وقذائف أفكار

صراع العقيدة والفكر بين الوسطيين والمتشديين هو النقطة المحورية التي تنطلق منها قصة القاهرة كابول، وكل العناصر الدرامية داخل المسلسل جاءت لتخدم هذه الفكرة الوحيدة، وبأسهل الطرق المباشرة.

 

وللسبب نفسه حازت حوارات المسلسل إعجاب من تجذبهم صراعات طاولة النقاش وفلسفة “قصف الجبهة”، وهو ما يتجلى بوضوح في أغلب المشاهد المتكررة التي تحولت إلى مناظرات عقائدية وفلسفية بين طرفين متناحرين لا تختلف عمّا نشاهده في البرامج الحوارية التليفزيونية: صراعات تتولد من نقاشات الإرهابي وضابط الأمن، والإعلامي الملتوي والمخرج السينمائي المدافع عن الفن، بالتوازي مع نقاشات ممثل السلطة الأبوية وجيل الزمن الجميل (نبيل الحلفاوي) مع مجموعة الشباب على المقهى من ممثلي الجيل الضائع التائه الذي لا يعرف معنى الوطن والانتماء، والمشتت بين الايمان والإلحاد.

هكذا تتابع مشاهد المسلسل في مباريات حوارية ثنائية، حولته إلى دروس توعوية مباشرة تمجد في السلطة الأبوية وضروة الانصياع لمراقبة الأخ الكبير والأخذ بالنصحية والمعرفة فقط من الكبار، بل تقدم صورة نمطية عن ملائكية الوسطية الدينية والصوفية التي تسعى لتخليصنا من شرور التكفيريين.

 

لكن هل المكان المناسب لهذه المباريات الحوارية هو الأعمال الفنية درامية أو سينمائية؟ وهل ساعدت في نجاح الدراما أم أفسدتها؟

 

في كتابه الشهير “القصة“، يشرح لنا الكاتب الأمريكي روبرت مكي فن كتابة القصة السينمائية، وكيف نحكي القصة، وما معضلاتها التي تواجه الكتاب عادة أثناء سردهم لأي حكاية.

 

في الكتاب، يقول مكي إن الكاتب عليه أن يعرف كيف يدير القصة، فإدارة القصة أهم من إدارة الحوار أو إدارة الوصف، فإذا لم يستطع الكاتب أن يحكي قصة بشكل متقن، فكل الصور والحوارات التي قضى شهورًا في تزيينها وتجميلها لا تستحق الورق الذي كتبت عليه، ببساطة لأن ما نبدعه للناس وما يطلبوه منا هو القصة.

 

تتطلب القصة، أي قصة، سردًا مُحبكًا ورؤية شاملة للمعالجة. وتتطلب بالضرورة بناء عميق للعالم الدرامي وللشخصيات وتاريخها، وبالتالي دوافعها. وليس المطلوب منها أن تشبه الواقع أو تتطابق معه، بل تكون أكثر واقعية وعمقًا من الواقع نفسه.

 

لم يحدث هذا في القاهرة كابول، الذي اختار المسار السهل في سرد الحكاية بشخصيات سطحية دون بناء عميق.. شخصيات ترتكن بالأساس على الخير والشر، الأنا والآخر، تدخل لتلقي حوارات طويلة جاءت من الهواء وخرجت مغلقةً الباب خلفها.

 

كرة ثلج فوق صفيح ساخن

كالأيام الخوالي، يلتقي الأصدقاء بعد سنوات من التفرق وتبدل الأحوال. لقاء مدبر يمتد على مدار الحلقة الثانية التي تنفض الغبار عن السطح، وتكشف العداء بين الخليفة المنتظر، رمزي (طارق لطفي)، وضابط أمن الدولة، عادل (خالد الصاوي)، وعلى الحياد يجلس الإعلامي طارق كساب (فتحي عبد الوهاب)، والمخرج السينمائي خالد عبد الرحمن (أحمد رزق).

 

وصف الجمهور المشهد بـ”المبارة التمثيلية” من العيار الثقيل، وهو ما لا ننكره على أربعة ممثلين حملوا وحدهم نجاح الحلقة فوق أكتافهم.

 

مباراة هادئة تتدحرج فيها كرة الثلج بين الجهات الأربعة التي تُصفي حساباتها وتستدعي من الماضي الذكريات وتكشف أوراقها على الملأ؛ كيف كانوا وأين صاروا، مع قطعات فلاش باك تعيدنا إلى ذكريات طفولتهم، فتكسر المدة الزمنية الطويلة لمشهد اللقاء.

 

هذا المشهد الطويل الذي تأرجح بين الترهيب والتخوين ورفض الآخر وأفكاره، انتهى بمقتل خالد عبد الرحمن خطأً، حيث كان المقصود هو عادل، في عملية من تخطيط الصديق الإرهابي رمزي.

 

تنتهي الحلقة لتتركنا أمام كتلة من نار يشتعل عندها الصراع، ويبدأ الثأر من مقتل

الصديق. لكن تتعاقب حلقات المسلسل ولا نجد أثرًا لصراع حقيقي، بل نغرق في فيض من الأحداث العادية التي لا تدفع الصراع للأمام، ونصطدم بالمشاهد الحوارية التي تخاطب الأفكار والعقول، وتنسى القصة الأساسية، فينقطع خيطها الرئيسي، وتسترسل في الصراعات الصغيرة الناتجة عن المبارزات الحوارية بين كل شخصيات المسلسل، وكلٌ يغني على ليلاه.

 

“دون كيشوت” في السيدة زينب

أصبح عم حسن (نبيل الحلفاوي)، بطلًا في المسلسل ونجمًا على مواقع التواصل الاجتماعي بشخصية العجوز الذي لا يفتأ يلقي حكمه ومواعظه. شخصية نمطية لم تخلُ منها دراما الثمانينيات والتسعينيات، تقترب من مثالية دون كيشوت وأحلام أبو العلا البشري.

 

لكن هذه الشخصية الأبوية الكلاسيكية التي تنظر للواقع من منبر الحكيم، لم تحظَ بقبول جيل الشباب الذي اعتبر كل حكمة مباشرة يلقيها عم حسن، بمثابة نكتة لن تؤخذ على محمل الجدّ، بل انحرفت أحاديثه من مسار أهدافها المثالية لتدخل في سياقات ساخرة على صفحات الكوميكس والميمز.

في حوار صحفي معه، سئل طارق لطفي عن رأيه في شخصية عم حسن وخطابيته المباشرة، فأجاب أن الأمر مقصود بالفعل. واستطرد: “حاولنا تبسيط الجمل الحوارية والشخصيات بأقصى صورة ممكنة للوصول لكل الطبقات من المشاهدين”.

 

تعيدنا هذه الإجابة إلى الإشكالية الأبرز التي يتناقلها المتابعون على مواقع التواصل: هل ما ننتظره من الدراما هي المواعظ المباشرة أم قصة درامية جيدة تمرر رسالتها بذكاء بين السطور؟

 

ربط متابعو المسلسل بين مشهد لقاء الأصدقاء الأربعة ومشهد عادل إمام ورياض الخولي في فيلم “طيور الظلام“، وهي مقارنة ظالمة بين العملين، فالأول ينتصر للحوار المباشر على حساب القصة، بينما الثاني أقام نجاحه على بناء القصة وعززها بالحوارات التي تخدم فكرته، إذ كشف حوار وحيد حامد في طيور الظلام عن الطبقات المستترة في الصراع بين الشخصيات المتناقضة في المجتمع، لكنه أيضًا دفع بمسار الأحداث للأمام.

 

هكذا صار كل مشهد في طيور الظلام، يضيف خطًا في رسم الشخصيات، ويتولد منه حوار قوي وحدث جديد في المشهد التالي.

 

يعلمنا هذا درسًا في الكتابة الدرامية التي تنتصر للقصة بالأساس، فإذا توقفت الدراما أصبحنا أمام مشهد عبثي يتوقف فيه الزمن الدرامي، أو كما حدث في القاهرة كابول، حيث يتولد من كل مشهد اقتباسات تشعل تعاطف رواد مواقع التواصل، وكأن الدراما تتدفق من داخل الشاشة إلى خارجها، فتنجح اقتباسات المسلسل على المواقع وتفشل في تقديم حكاية متماسكة على الشاشة.

 

أي تشابه مع الواقع محض صدفة.. وخيال

لم تنجح شخصيات القاهرة كابول في تقديم قصة تقترب من الواقع، بل إن التشابه الوحيد جاء من الشبه الذي بدا متعمدًا بين الأبطال الرئيسيين وشخصيات حقيقية نعرفها، كالشبه بين طارق لطفي وأسامة بن لادن، وبين فتحي عبدالوهاب والإعلامي يسري فودة، والإشارات الواضحة أن الأخير يعمل في قناة تسمى الصحراء (الجزيرة)، وأنه الإعلامي الوحيد الذي ذهب إلى تنظيم القاعدة وأجرى لقاء مع “الخليفة”، وهو ما يتطابق تمامًا مع واقعة لقاء يسري فودة بقيادات القاعدة عقب أحداث 11 سبتمبر، والتي أذيعت لحساب قناة الجزيرة، مع الفارق أن مشهد اللقاء في المسلسل بدا سطحيًا ومرّ مرورًا عابرًا.

 

على مستوى آخر قرر القاهرة كابول، بوضوح تام، الوقوف في صف منحاز للشرطة في السنوات الأخيرة من عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وفي نفس الوقت أنسنة الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، على أساس أن عدو كل منهما واحد وهو: الجهاديون؛ فنرى في أول مشاهد المسلسل تنفيذ عملية إرهابية من قبل تنظيم القاعدة ضد جنود أمريكان، ما يجعل المشاهد أمام مشاعر ملتبسة.

 

انحاز عبدالرحيم كمال لتقديم الواقع كما يراه هو، دون تهذيب أو عمق درامي، فاختار الرمزية المباشرة لتكون الطريق الأسهل لإيصال رسالته بمنتهى الوضوح؛ رسالة توعوية وعظية يلحقها كشفٌ لـ”المؤامرة” ومحركيها من وراء الكواليس المظلمة.

 

ويعيد كاتب المسلسل على أسماعنا كلامًا أشبه بجرس الإنذار عن خطورة الفكر الجهادي التكفيري الذي يتجول بجوارنا في الشوارع ويجلس معنا على نفس الطاولات في المقاهي، بل يتربى معنا تحت أسقف البيوت، ويذكرنا أن وراء كل فكرة فاسدة عقل مجنون، وأن المرجعيات السامة تتوفر بيننا بالمجان، مثل شخصية البائع المتجول الذي يهدي شخصًا ملحدُا كتاب “دعاة لا قضاة” لحسن الهضيبي المرشد الأسبق للإخوان المسلمين، ويعطي لآخر كتاب “الملل والنحل” لأبي الفتح الشهرستاني، ليفتح معه حديثًا حول “الفرق الناجية” أو يثير تساؤلاته عن “أهل الحل والعقد”.

 

هذه الأنواع الدرامية التوعوية تنجح بالفعل في تحقيق هدفها الذي يقدم لشريحة الجمهور المستهدفة معلومات مجانية دون جهد وخطابية معقدة، لكنه يُغلِّب الوعظ على الفن، ويفرض على عقل المشاهد زاوية واحدة من الأفكار.

 

وسواء كان ذلك صحيحًا أم خاطئًا، فهو في كل الأحوال يفسد جوهر العمل الدرامي، ويخرجه عن هدفه الرئيسي الذي يحركه وهو الفن، فإذا غاب الفن وأدواته، أصبحنا أمام مشهد رمادي مُبهم، تتدخل الأهواء والأيديولوجيات في الحكم عليه، دون الالتفات للعناصر الفنية التي تغيب ولن يلتفت لها أحد، فتضيع لغة المخرج ويصبح التمثيل والقصة والتصوير والديكور والموسيقى، مجرد إكسسوارات زائدة لا معنى لها، طالما أن الرسالة المباشرة تحققت ووصلت إلى أسماع الجمهور.

 

هذه الدراما الخطابية تتحدث بلغة لا تشبه الواقع، وبدلًا من الاقتراب منه تبتعد عنه أميالًا، وبمرور الوقت تُنسى كضيف غريب ولن يتذكرها أحد.

 

*المصدر:  "مؤسسة ذات مصر" مؤسسة بحثية وإعلامية يرئس مجلس إرداتها الكاتب الصحفى والباحث المصرى صلاح الدين حسن"

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق