الكاتب المصري عبدالعظيم حماد ..يكتب: دروس في الإدارة

27/03/2021 08:43


عدبالعظيم حماد

قبل أن يبدأ عامي الدراسي الأول في مدرسة منوف الثانوية   جاءها من طنطا ناظر جديد لم أنس اسمه يوما ولن أنساه   هو المرحوم سامي خليل جرجس التلاوي  

كانت المدرسة قبله أسوأ مدارس المحافظة سمعة من حيث الانضباط وانتظام الدراسة علي الرغم من أن الاول علي الجمهورية في الثانوية العامة في السنة الدراسية المنقضية كان من خريجيها وهو المرحوم الدكتور كمال المنوفي العميد الأسبق لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية  

كانت الأسلاك الشائكة وقطع الزجاج المدببة مثبتة علي امتداد سور المدرسة كتدابير لمنع الطلاب المشاغبين من التزويغ بالقفز من فوق السور للجلوس علي المقاهي أو دخول السينما مثلا أو التسكع مع فتيات   كما كان هناك ركن التخميسة حيث كان يترك أولئك المشاغبون فصولهم للتجمع فيه لتبادل الأنفاس   من سيجارة واحدة أحيانا وبالطبع كانت المشاجرات متكررة بين الطلاب وأحيانا بينهم وبين بعض المدرسين    

المفاجأة أن كل ذلك اختفي في الأسبوع الأول من نظارة الأستاذ سامي خليل جرجس التلاوي فقد أعلن هو بنفسه في طابور صباح اليوم الأول أن أي طالب سيتغيب عن حصة واحدة سوف يفصل من المدرسة ولن يعاد قيده الا بحضور ولي أمره ليدفع عشرة جنيهات رسما لا عادة القيد وذلك في المرة الاولي وكانت الجنيهات العشرة مبلغا مروعا في تلك الأيام بما ان مبلغ الرسم الأصلي للتلميذ كان جنيها واحدا او جنيهين علي الأكثر وبما ان راتب الموظف خريج الجامعة كان عشرين جنيها قبل الخصومات فإذا عاد هذا الطالب الي التغيب حصة واحدة   أو تغيب يوما دراسيا من اوله دون عذر مقبول بعلم ولي الامر فإنه يفصل نهائيا

ثم علمنا من المدرسين أنه أنذر الجميع بأن من يتستر علي طالب متغيب فسوف يوقف عن العمل ويحال الي التحقيق وكذلك من يتأخر من المدرسين عن موعد بدء حصته ولو دقيقة واحدة وأنه وزع الإشراف الاداري علي الفصول حسب الطوابق علي المدرسين الأوائل تحت إشراف وكيلي المدرسة     بحيث يختص كل وكيل بمبني من المبنيين اللذين تكونت منهما المدرسة   المكونة أصلا من أكثر من ثلاثين فصلا

رغم كل ذلك افترض بعض الطلاب مدمني الشغب ومدعي بطولات المراهقة

أن الناظر ليس جادا في هذه التهديدات (المخالفة للقانون في رأيهم ) وأن المدرسين الذين اعتادوا التستر عليهم أيام الناظر السابق لن يلتزموا بالقواعد الجديدة فحاولوا اختبار إرادة الناظر أو علي الأصح كسرها     وكان من هؤلاء أبناء لكبار رجال التعليم في المحافظة   أي زملاء ومعارف الناظر والمدرسين الأوائل وأبناء لكبار تجار المدينة وكبار موظفي الحكومة كمفتش صحة المركز أو مدير الري الخ   الا أن الرجل المحنك حرص في ذلك الأسبوع الاول علي القيام بتفتيش مفاجئ علي الفصول ليراجع عدد الطلاب الحاضرين ويفحص دفتر الحضور والغياب بنفسه مصطحبا الوكيل والمدرس الاول مشرف الطابق   فلم يجرؤ المدرس الذي كان يتستر في الماضي علي أن يفعل ذلك   من جديد   لذا   تم ضبط ثلاثة من زملائنا تغيبوا عن حصص في ذلك الأسبوع الاول وفِي اليوم التالي أعلن عن فصلهم جميعا في طابور الصباح ثم علق القرار علي لوحة الإعلانات بفناء المدرسة تحت عنوان عريض نصه :العاقل من اتعظ بغيره

بعد عشرة أيام هي مدة الرفت المؤقت جاء أولياء الأمور ومنهم أحد أولئك الكبار ليثبت الناظر أنه لن يجامل كبيرا او صديقا او زميلا   ودفع كل منهم عشرة جنيهات لا عادة قيد ابنه وأعلن ذلك علينا في طابور العودة للفصول من فسحة منتصف اليوم ومن لحظتها حتي آخر يوم لنا في المدرسة لم يتغيب طالب او مدرس دون عذر بل لم يتأخر مدرس او طالب دقيقة واحدة عن موعد الحصة

رحم الله حضرة الناظر سامي خليل جرجس التلاوي كما اترحم علي ناظر مدرسة ميت ربيعة الابتدائية (قريتي ) الأستاذ حسن عبد العال الشريف الذي كان بدوره شعلة حزم واخلاص في ادارته لمدرسة مشتركة في قرية صغيرة اعتاد معظم فلاحيها في ذلك الزمان البعيد تغييب أبنائهم وبناتهن عن الدراسة اذا احتاجوهم او احتاجوهن لعمل منزلي او في الحقول فقضي علي تلك العادة نهائيا وكذلك أترحم علي الحاج حسين صالح زهران ناظر مدرسة سرس الليان الإعدادية وكان هو الآخر أسطورة في الادارة الحازمة والهيبة

إيه   كان في السويداء رجال !!!!

 

*نقلا عن صفحة الاستاذ عبدالعظيم حماد على موقع التواصل الإجتماعي "فيسبوك"   



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق