الدكتور حازم حسنى..يكتب بعد خروجه من السجن: أسئلة الطريق

13/03/2021 02:53


د. حازم حسنى

سألنى، أو هكذا هُيِّئ لى: كيف ترى ما أصابك؟! فأجبته دون تردد بالآية الكريمة: “وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ".

سألنى ثانيةً، أو هكذا هُيِّئ لى: وكيف ترى مقبل الأيام؟! فأجبته بعد تأمُّل: أراها مقبلة علينا بابتسامة غامضة، لا أعرف إن كانت ابتسامة تعبير عن تهللها واستبشارها، أم هى ابتسامة تعبير عن مكر الأيام ودهائها؛ فالأيام تقبل علينا وهى تخفى وراءها بعض أسرارها، وربما يكون ما تخفيه وراء ظهرها خنجراً تفوح منه رائحة الموت، أو باقة زهور تفوح منها رائحة الحياة!

* فعلى أيهما تراهن؟!

- أراهن على باقة الزهور، فهى حاضرة معنا فى كل الأحوال! .. نراها وهى ترافقنا فى مواكب انتصاراتنا، وتزين منصات أفراحنا؛ كما نراها وهى تتقدم مواكب جنازاتنا، وتزين شواهد قبورنا!

* فكيف تقول إنها تفوح منها رائحة الحياة وهى قد تزين شواهد القبور؟!

- لأن شاهد القبر هو شاهد الانتقال بين حياتين: حياة الظلْمة التى نستدبرها، وحياة النور التى نستقبلها، أو هى حياة النور التى يستقبلها منا من يملك مفاتيح باب الخروج إلى النهار! … هكذا كان يعتقد أسلافنا منذ آلاف السنين، وهكذا اعتقد من جاءوا من بعدهم وساروا على خطاهم مؤمنين بأن الموت هو مجرد محطة فى رحلة الانتقال بين الحياتين؛ فالموت، وإن كان يُغَيّب صورة الجسد، إلا أنه يستحضر جوهر النفس التى كُتِبَ عليها أن تذوق الموت لتتخلص من ثِقل الطين الذى كان يقيدها؛ وقد تفوز هذه النفس التى تحررت بقدر ما كانت قد أخضعت قيد الطين هذا لسلطانها، وتخسر بقدر ما كان قد أخضعها هو لسلطانه! … هذه النفس - المثقلة بتاريخ حياتها التى استدبرتها - هى التى ستعبر من حياة الظُّلمة إلى حياة النور إن هى اصطحبت معها مفاتيح باب الخروج إلى النهار!

* فهل عرفت ماذا تكون مفاتيح الحياة هذه التى تفتح أمام النفس باب الخروج إلى النهار؟

- إنها المعانى التى تركتها النفس وراءها، وعاشت حياتها الأولى تغرس بذرتها، وتستنبتها، وترعاها، وتدافع عنها فى صراع ضروس ضد كل ما يتطفل عليها من آفات الأرض، وتتصدى لكل العفن الذى يريد أن يسيطر عليها وأن يخضعها لسلطانه، حتى وإن بدا أن هذا الصراع الضروس وكأنه قد انتهى لصالح هذه الآفات، أو لصالح هذا العفن، إلى حين ... فعندما حمل المسيح صليبه فوق كتفه، وتخضب وجهه بدمائه الزكية، وحمل تاج الشوك مغروساً فى رأسه، وبدا للعين العابرة وكأنه يتجرع كأس الهزيمة أمام جحافل الظلام، إنما كان يرسل إلينا برسالته المؤلمة، التى تفتح لنا أبواب الخروج إلى النهار، وهى أن الحياة بلا معنى هى مرادف الموت، وأن الموت فداءً للمعنى هو مرادف الحياة.

* فما هو هذا المعنى الذى يستحق أن تحمل النفس صليبها من أجله، وتتحمل بسببه تاج الشوك إن هو غُرِس فى رأس صاحبها؟

- إنه معنى أن يكون الإنسان إنساناً، له عقل، وله ضمير، وله إرادة حرة لا تخضع لقانون القطيع، لكنها لا تعمل هذه الإرادة الحرة بما يناقض عمل العقل ويعاكس عمل الضمير … هذا هو المعنى الذى يستحق أن تتحمل النفس مشقة العمل من أجل ترسيخه فى الضمائر وفى العقول، وهو المعنى الضرورى استحضاره لبلوغ وإدراك معنى أن يكون المصرى مصرياً؛ فالمصرى قبل كل شئ، وبعد كل شئ، هو إنسان له عقل وله ضمير ليس من المصرية فى شئ تغييبهما، ويملك إرادة حرة ليس من المصرية فى شئ تقييدها - قسراً أو اختياراً - اللهم إلا بقيود العقل وقيود الضمير؛ ومصر بدورها ليست مجرد وطن، ولا هى مجرد شعب، ولا هى مجرد دولة، وإنما هى قبل كل هذا وبعده "معنىً" تركه لنا الأجداد المؤسسون مما راكمت عليه الأيام أتربة النسيان، لكنه – رغم غيابه عن الذاكرة - بقى مطموراً فى أعماق النفس المصرية ينتظر لحظة عبقرية من التاريخ تزيح عنه التراب!

* وما فائدة أن تزاح أتربة النسيان عن معانٍ طمرتها تقلبات التاريخ إذا كانت ستخرج هذه المعانى من مخازن الأيام لتجد نفسها كأصحاب الكهف والرقيم غريبة بين الناس، فى عالم لم يعد هو العالم الذى كان، وفى مواجهة حياة غير الحياة التى كانت؟

- هذا بالضبط هو سؤال الأزمة الوجودية التى تعذب النفس المصرية؛ فقد طال تاريخها حتى صار وجودها عبئاً عليها لا تقوى على حمله بعد أن أضعفتها تصاريف الأيام، فلم تعد تدرك ما معنى وجودها، ولا إن كان تعبير "مصر المعنى" يعبر أصلاً عن أى معنى! ... لقد تحول تاريخ مصر – بفعل فاعل - إلى أشلاء غير قادرة على ضخ دماء المعنى بين بعضها البعض، فلم تعد تشكل أشلاء التاريخ هذه جسداً تاريخياً واحداً تستقيم به حياة أى أمة، بل صار كل شِلوٍ من أشلاء هذا التاريخ قائماً بذاته، ولا شأن له بباقى الأشلاء اللهم إلا تجاور مقابرها فى أرض ازدحمت بشواهد القبور! … "مصر المعنى" - التى جاء وقت إزاحة أتربة النسيان عنها - قد نرى مفردات معناها فى صورة الكرسى الذى يعلو رأس إيزيس، والقلم الذى يمسك به تحوت، والريشة التى تزين رأس معت، إلى آخر رموز المفردات التى تصنع "مصر المعنى"، لا أى مصر أخرى تريد تصاريف الأيام أن تفرضها علينا … ربما تكون قد تبدلت هذه الرموز مع الأيام، وربما تكون قد تغيرت صورها عبر تاريخ طويل ممتدة جذوره فى عمق التاريخ الإنسانى، وفى عمق الضمير الحضارى للإنسان؛ لكنها رغم تبدلها ورغم تغيرها فإن هذه الرموز وهذه الصور تبقى شاهدة على مفردات المعنى التى صنعت كل شِلوٍ من أشلاء التاريخ المصرى التى تفرقت وكأن لا شئ يجمعها فى جسد تاريخى واحد له معنى تتكامل مفرداته ولا تتنافر، وتتحاور ولا تتخاصم؛ فرحلة التطور التاريخى لأى أمة - رغم قسوة الرحلة أحياناً، ورغم ما قد تتعرض له الرحلة من نوائب الدهر - هى رحلة تاريخية تتماسك أطوارها، فلا ينكر سابقها لاحقها وكأنه طور لقيط، ولا يجحد لاحقها فضل سابقها وكأن رحلة التطور هى رحلة عقوق وإنكار! فإزاحة أتربة النسيان عما دُفِن تحت أتربة الزمان لا تعنى إزاحتها فقط عن معانى هذا الشِلو أو ذاك من أشلاء التاريخ الحضارى للأمة المصرية، فلو حدث هذا لوجد هذا الشِلو أو ذاك نفسه وقد خرج من قبره غريباً بين غرباء، مَثَله كمَثَل الباشا الذى خرج من قبره فى حديث عيسى بن هشام للمويلحى، إذ وجد الباشا نفسه منكراً لأخلاق الناس وطبائعهم، حتى ليكاد لا يرتبط بمعطيات العصر الذى خرج فيه إلى الحياة من جديد! وإنما المقصود بإزاحة أتربة النسيان هو إزاحتها عن مفردات المعانى التى صنعت كل أشلاء الجسد التاريخى والحضارى المصرى، ولا تستقيم مفردات

المعانى هذه بغير البحث عما يربط بينها من وشائج تصنع جسداً تاريخياً واحداً: جسد يعى وجوده الحضارى الذى كان صانعاً للتاريخ لا مستهلكاً له، وكان حجر الأساس فى بناء الحضارة الإنسانية بكل ما تعنيه كلمة الحضارة من معانٍ تستقيم بها الحياة!

* أراك تريد طريق الماضى الذى ولَّى!

- بل أريد استرجاع الطريق إلى مستقبل يكاد يفلت من بين أصابعنا بعد أن أفقدناه فضيلة المعنى؛ فما سيكون لمصر، ولا هو سيكون للإنسان المصرى، مستقبل يُذكَر إلا باستعادة مفردات هذا المعنى الذى صنع مصر التى ولَّت: أعنى معانى العلم والحكمة والعدالة، ومعها معنى الوعى بالذات الحضارية التى تتطور وتنمو وتورق شجرتها فى حديقة التاريخ، منضبطة بأدوات العقل وبركائز الضمير، ومنطلقةً بوقود الحقيقة وطاقة الإرادة الحرة للإنسان.

* ألهذا تراها أزمة وجودية؟

- هى بالفعل أزمة وجودية، استفحل خطرها حتى أفرزت كل أزمات مصر السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والثقافية، إلى آخر قائمة الأزمات التى تعيشها مصر ويعيشها المصريون … وما أعتقد أن هذه الأزمة الوجودية تنجلى ما لم يعى المصريون معنى أن يكون الإنسان مصرياً، لا بانتسابه لأى مصر أفرزتها تشوهات التاريخ، ولا بانتصار هذا الفريق من المصريين أو ذاك للشلو الذى يوافق هواه من بين أشلاء التاريخ المصرى، وإنما باسترجاعه كل المعانى الحضارية الرفيعة التى شكلت ضمير الأمة المصرية منذ فجر التاريخ؛ ولن يكون هذا إلا بتحرير العقل الذى غاب، وإلا بتحرير الضمير الذى نام، وإلا بتحرير الإرادة التى استقالت؛ فإذا لم يتحقق هذا ولا ذاك من شروط استعادة المعنى فلا أمل فى أن يكون وعى الأمة حاضراً للخروج بمصر من أزمتها الوجودية.

* وكيف سيكون تحرير أدوات التحرر هذه التى ستأخذ "مصر الحاضر" إلى "مصر المعنى"؟

- كنت ممن يرون أن العمل على حل أزمة مصر السياسية ربما كان شرطاً ضرورياً لابد من العمل على تحقيقه لتمكين مصر من حل أزمتها الوجودية، أو هو سيساعد على حل هذه الأزمة على أقل تقدير، فى حين اعتقد آخرون أن حل أزمة مصر المالية والاقتصادية هو هذا الشرط الضرورى الذى لابد من البدء بالعمل على تحقيقه؛ بيد أن واقع الحياة فى "مصر الحاضر" قد أثبت على امتداد العقود الماضية خطأ هاتين الرؤيتين، إذ لا يوفر هذا الواقع – المراد الإفلات من براثنه – شروط نجاح أى من الرؤيتين؛ ومع غياب شروط النجاح هذه دخلنا فى حلقات مفرغة ندور فيها بلا أمل فى مغادرة ما انطلقنا منه لنصل إلى ما نصبو إليه، أو نحن ابتلعتنا دوامة تاريخية لا نعرف كيف نفلت منها صعوداً لا نزولاً إلى القاع! … ربما نتعلم مما انتهت إليه محاولاتنا الفاشلة لحل أزماتنا السياسية والاقتصادية أن اتجاه التفكير كان خاطئاً، وأن السياق المصرى "الحاضر" له منطق فى التعامل معه يسير عكس اتجاه المنطق الذى اعتمده أصحاب الرؤيتين اللتين انتهيتا بنا إلى ما آلت إليه أمورنا؛ إذ قد يكون حل أزمة مصر الوجودية هو الشرط الضرورى – حتى وإن لم يكن كافياً - لمعرفة طريق الخروج من أزماتنا السياسية والاقتصادية - لا العكس - كما هو طريق خروجنا من كل ما عدا هذه وتلك من أزمات فرعية انشغلنا بها عن رؤية أزمتنا الوجودية التى أفرزت كل هذه الأزمات؛ فأزمتنا الوجودية هى أزمة معقدة، تحتاج لعقل تاريخى يفك طلاسمها غير هذا العقل المنشغل بزحام المشاكل اليومية التى تتنازع المقاصد وتتخبط فى تحديد اتجاهات السير.

* فما هى خارطة الطريق إذن – إن لم تكن خارطة الإصلاح السياسى ولا خارطة الإصلاح الاقتصادى - التى ستأخذ المصريين من "مصر الحاضر" إلى "مصر المعنى"؟

- قبل أن تكون لى أو لمصر وللمصريين معرفة بالطريق لابد من معرفة المقصد ومعرفة الاتجاه، أو هى معرفة المقاصد ومعرفة الاتجاهات؛ فمقاصد الخروج من أى أزمةٍ وجوديةٍ كثيرة ومترابطة، ولكل مقصد منها خريطة يُسترشَد بها لمعرفة اتجاه طريق الوصول إليه؛ وهى خرائط متداخلة إلى درجة التعقد، ولا يُعرف على وجه اليقين فى أى خريطة منها يمكن أن نجد بداية الطريق! فكلها يعمل فى تناغم تام، ويقيم حواراً بين بعضه البعض؛ هذا إذا كنا نريد للأشلاء أن تكون جسداً واحداً يعى وجوده المركب الذى يعلو على وعى الأشلاء بذواتها الفرعية التى استقلت وتنافرت على مدى عقود طويلة، وربما على امتداد القرون التى مضت! ... على أن معرفة المقاصد لا تؤدى بالضرورة لمعرفة الاتجاهات التى تقود إليها، وأقصر مسافة بين نقطتين ليست بالضرورة هى الخط المستقيم، اللهم إلا للطائر المحلق، ولسنا فى بحثنا عن الطريق طيوراً محلقة! ... على الأرض تبدو اتجاهات الطرق مراوغة، فما يبدو منها وكأنه يقودنا لبلوغ مقصدنا قد يكون هو الاتجاه الذى يبعدنا عنه، وما يبدو منها وكأنه يقودنا بعيداً عن هذا المقصد قد يكون هو الاتجاه الذى يقودنا إليه!

* فكيف إذن سيعرف من يريد الوصول إلى المقصد أى الاتجاهات هو الاتجاه؟

-هذا هو السؤال الأصعب بين أسئلة الطريق، وعلَّه كان السؤال الذى أوحى لهوميروس بملحمة الأوديسة؛ فرغم أن مقصد "مينلاوس" - بطل الأوديسة - كان على مقربة منه، إلا أنه جاب البحر شرقه وغربه، وشماله وجنوبه، حتى وصل إلى جزيرة تشاطئ ما نعرفه اليوم بمدينة الأسكندرية … على هذه الجزيرة كان يسكن عجوز البحر "بروتيوس"، سادن الحقيقة المراوغة، الذى جاهده "مينلاوس" حتى عرف منه إجابة سؤال الاتجاه! … هل ما زالت روح "بروتيوس" تسكن جزيرتنا رغم تشوهات التاريخ التى تجثم فوق أرضها، أو فوق ما تبقى من أرضها؟ أم أن عجوز البحر قد غادرها إلى جزيرة أخرى غير جزيرتنا لتكتب علينا الأيام أن نجوب بحر الحياة بحثاً عنها وعن سادن الحقيقة الذى يتحصن بها؟! أم تراهم قد ذبحوا كل عجائز البحر فى كل جزيرة عندما ذبحوا الحقيقة، أو هم ذبحوا الحقيقة عندما ذبحوا كل عجائز البحر فى كل جزيرة؟! … هذه الحقيقة التى هاجرت من أرضنا عندما هجرها عجوز البحر، أو عندما ذبحه أعداء الحقيقة، هى مفتاح سؤال الاتجاه؛ وها نحن نبحر فى بحر الحياة على أمل أن نجد عجوزَ بحرٍ ما زال قادراً على أن يتنفس، وعلى أن ينطق بالحقيقة، ولو فى جزيرة أخرى غير جزيرتنا، أو ربما فى جزيرة أخرى لم تعد جزيرتنا! … معرفة هذه الحقيقة - إذا ما وجدناها وكانت لم تزل على قيد الحياة - هى التى سترسم لنا خرائط الطريق، وتمنحنا مفاتيح أبواب الخروج من أزمتنا الوجودية، وعلها تعيد إلى الحياة المعانى التى وأدناها، وتمنحنا مع هذه المعانى مفاتيح أبواب الخروج إلى النهار!

* وكيف تعرف طريق الحقيقة؟ وكيف ستفرق بين هذه الطريق وبين طريق الزيف؟

- طريق الوصول إلى الحقيقة هو طريق الشك فيها! فالشك هو بداية الطريق! وهو مفتاح الاتجاه! وهو طريق اليقين!



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق