أسامة شفيع..يكتب: سر الإبداع بين البَداء.. الإلهي والمباغتة في فن القول الإنساني

11/02/2021 06:09


د. أسامة شفيع السيد

كتبتُ عن شاعرة الثغر جيهان بركات، فكان مما أثنيتُ به على شعرها أن فيه "تصرفًا في التصوير والتخييل بريئًا من التعقيد والتركيب، وإن لم يكن خِلْوًا من التعجيب الذي تثمره المباغتة"، ثم ذيلت مقالتي بهذه الكلمة: "والمباغتة في التصوير والتعبير سِيمَا الكبار وعنوان العبقرية!". وقد رجعت إلى هذا المعنى ألتمس له مستندًا في الإلهيات، على ما أعتقده من أن لكل حق في هذا العالم المخلوق حقيقةً إلهية أسمائية يكون منها إيجاده وإمداده، فذكرت "البداء" الذي يُنسب إلى الشيعة الإمامية القولُ به في حق الله تعالى. و"البَدَاء" مصدر، يقال: بَدَا الشيء بَدْوًا، وبُدُوًّا، وبَدَاءً: ظهر. وبدا لي بداء: تغير رأيي عما كان عليه. والبداء أيضًا: استصواب شيء عُلم بعد أن لم يعلم، والبَدائية: قوم جوزوا البداء على الله تعالى. وفي صحيح البخاري، في حديث الثلاثة من بنى إسرائيل: الأبرص، والأقرع، والأعمى، قال رسول الله ﷺ: "بدا لله أن يبتليهم، فبعث إليهم مَلَكًا..." الحديث، وعلق الحافظ ابن حجر على لفظة "بدا لله" بقوله: "(بدا لله) بتخفيف الدال المهملة، بغير همز؛ أى سبق في علم الله فأراد إظهاره، وليس المراد أنه ظهر له بعد أن كان خافيًا؛ لأن ذلك محال في حق الله تعالى". وهذا المعنى الأخير الذي أحاله الحافظ في حق الله تعالى هو الذي يَنسُب أهل السنة القولَ به إلى طائفة من الشيعة، كما ذكره الأشعري في مقالات الإسلاميين، ودأب علماء أصول الفقه من أهل السنة على ترديده عند تفرقتهم بين النسخ والبداء في "مبحث النسخ" من مباحث الأصول، ويعلق الشوكاني على ذلك بقوله: "وهذه مقالة توجب الكفرَ بمجردها".

على أني وقفت على بعض كتبهم، فلم أرهم يذكرون البداء على المعنى الذي يكفرهم به أصوليو أهل السنة، وإنما قولهم بدا لله معناه بدا منه، وهو معهود في اللسان، كقول العرب: "سمعت له صراخًا"؛ أي منه، وكقول جرير:

لنا الفضل في الدنيا وأنفك راغمٌ ** ونحن لـكم يـوم القيمة أفضل

يريد: منكم أفضل.

قال الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان (ت٤٣٢هـ) من أئمتهم: "المعنى في قول الإمامية بدا لله في كذا؛ أي ظهر له فيه، ومعنى ظهر فيه: أي منه، وليس المراد منه تعقب الرأي ووضوح أمر كان قد خفي عنه. وجميع أفعاله تعالى الظاهرة في خلقه بعد أن لم تكن فهي معلومة فيما لم يزل "؛ ولذلك قال بعض متأخريهم: "النزاع في هذه المسألة بيننا وبين أهل السنة لفظي لأن ما ينكرونه من البداء الذي لا يجوز على الله تعالى تبرأ الشيعة منه، وممن يقول به براءتها من الشرك بالله من والمشركين ".

وهم لا يطلقون (البداء) إلا على ما وقع من الأفعال الإلهية خلافًا لما يظنه البشر أنه يقع ظنًا يقارب اليقين، كفداء السيد إسماعيل ؛ فإنه وأباه كانا يظنان أنه مذبوح لا محاله، فجاء الفداء الإلهي إخلافًا لهذا الظن. ومعنى هذا أن "البداء" إنما هو خصوص وصف للتصريف الإلهي حين يأتي على خلاف الحسبان البشري، وذلك حين ينفض العبد يده من التعلق بالأسباب والعلائق، فيتحقق بالاضطرار الذي هو لازم العبوديةُ، وهو الذي قرنها بالعرفان، حتى قيل في تفسير قوله تعالى: "وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون"؛ أي ليعرفون. ومن هنا قال صاحب الحِكَم العطائية: "العارف لا يزول اضطراره"؛ إذ لو زال عنه لتنكب سبيلَ العرفان، ولظهر عنه وصف العبودة التي تعني العبادة على المشاهدة والعِيان. وإذا كان كذلك، فالعارفون مع البداء أبدًا، لأنه ما من كائنة تكون إلا وهم فيها على غير أمنة من المكر الإلهي، ولعل هذا من معاني قول الصديق الأكبر رضي الله عنه: "لو أن إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارجها لم آمن مكر الله"، وقول بعض الأولياء، لو صحبت رجلا على التوحيد زمنًا، ثم حالت بيننا شجرة، لم أقطع أنني رجعت إليه وهو على الحال التي تركته عليها"، أو كلامًا هذا معناه.

فإذا عدلنا عن حديث "البداء" إلى حديث "المباغتة في الفن القولي البشري"، ذكرنا أن هذه المباغتة تكون في التصوير والتعبير جميعًا، ومن أمثلتها قول لبيد بن ربيعة:

وجلا السيولُ عن الطلول كأنها ** زُبُرٌ تُـجِدُّ متـونَـها أقلامُها

و"الطلول والأطلال" ما شخَص من آثار الديار، والمعنى أن السيول أزالت التراب عن هذه الأطلال، فأظهرت الرسومَ بعد انطماسها، وأَذْكَرَتِ النفس بما كان من أحوال أهلها، فكأن هذه الطلول -وهذه هي المباغتة في

التصوير- كُتُبٌ ضربتها يدُ البِلى، فمحت كتابتها، ثم جددتها أقلام النُّساخ، فأبرزت ما انطمس من الكلام بأثر الزمان، كما أبرزت السيول رسوم الديار. وقد قيل: إن الفرزدق مر بقوم ينشدون هذا البيت، فخر ساجدًا، وقال: أنتم أعلم بسجدة القرآن، ونحن أعلم بسجدة الشعر! وليس ذاك إلا من هول المباغتة في التصوير؛ إذ أتى الشاعر بصورة لا تخطر ببال السامع، بل إنها فاتت ما يتشوف إليه الفنان نفسه حتى ألجأته إلى السجود، وما أرى سجوده إلا لما داخله من معنى أن هذا النمط من الفن لا يكون مخترعًا، ولا هو بسبيل الصناعة والطبع البشريين، وإنما هو أقرب إلى الإلهام.

ومن المباغتة في التصوير أيضًا قول الشريف الرضي:

وتلفتت عيني فمذ خفيت ** عني الطلولُ، تَلَفَّتَ القلبُ

فقد وقف على الأطلال حتى مسَّ ناقتَه اللغوب، وضج صحبه من الانتظار، واستحثوه على المسير، فلم يزل في مسيره يتلفت بعينيه نحو هذه الرسوم الشاخصة، ويستعذب العِيان، حتى خفيت عنه الطلول، فأبت عليه نفسه إلا أن يتلفت قلبه، فإنه ليس دون رتبة العيان إلا رتبة الإيمان، ومحلها القلب. فهذه مباغتة في التصوير تبهر الألباب، لأنه لو كان قال مثلا: "تحسر" القلب أو ما في معناه، لأصاب معنى حسنًا، ولكنه مألوف متوقع، فلما عدل عنه إلى "تلفت" ارتفع بالبيت عن رتبة الحسن إلى غاية الحسن.

ومن المباغتة في التعبير قول المتنبي يصف سيف الدولة بمضاء العزم:

أمضى إرادته فـ"سوف" له "قدٌ" ** واستقرب الأقصى، فـ"ثَمَّ" له "هنا"

فـ"سوف" التي لا تكون إلا للمستقبل، وهو محض غيب، إذا قالها سيف الدولة نزلت عنده -لقوة شكيمته وعلو همته في إمضاء إرادته- بمنزلة "قد" عند غيره، فإذا قال: "سوف أفعل"، فلْيَعدَّها سامعه "قد فعلت". وكذلك "ثَمَّ" التي تدل على بعد المكان، لا اعتبار لها عنده، فإنه إذا طلب شيئًا -مهما بَعُدَ- أصابه، فكل "هناك" عنده "هنا".

ومن المباغتة أيضًا قول إقبال في "حديث الروح" (بترجمة العبقري الصاوي شعلان):

لقد فاضت دموعُ العشق مني ** حديثًا كان عُلـويَّ النداءِ

فـحلَّق في رُبى الأفلاك حتى ** أهاج العـالم الأعلى بكائي

فقوله: "أهاج العالم الأعلى بكائي" مباغتة في التصوير معجزة؛ إذ لا يخطر للسامع أن الشاعر بالغٌ هذا المبلغ من الإحساس بالانسجام الكوني، ثم صائغٌ له -على جلالته- هذه الصياغة المحكمة في عَجُز بيت، وكأنه نظر فيه -بمفهوم الخطاب- إلى قوله تعالى: "فما بكت عليهم السماء والأرض" (الدخان: ٢٩)، فإنهما إذا كانتا لا تبكيان الكافر، فإنهما تبكيان المؤمن، وفي كتب التفسير عن مجاهد: ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحًا، قال الراوي: فقلت له : أتبكي الأرض؟! فقال: أتعجب؟! وما للأرض لا تبكي على عبد، كان يعمرها بالركوع والسجود؟! وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتكبيره وتسبيحه فيها دوي كدوي النحل؟! فهذا انسجام كوني توجبه أخوة الإيمان، فإن السموات والأرض قيل لهما: "ائتيا طوعًا أو كرهًا، قالتا: أتينا طائعين" (فصلت: ١١)، وعن الحسن البصري: "لو أبيا عليه أمره لعذبهما عذابا يجدان ألمه"، وكذلك العبد المؤمن سمع دعاء الحق، فقال: "سمعنا وأطعنا"، فاشتركوا جميعًا في الطاعة الإيمانية، فاتصلت بينهما أسباب الموالاة، والمشاركةُ في الآلام من أظهر ما يكون من معانيها.

ومن المباغتة في التصوير كذلك قول نزار:

كم قلت إني غيـر عائدةٍ له ** ورجعتُ، ما أحلى الرجوع َ إليه!

فإن قوله: "ما أحلى الرجوع إليه!" مباغتة نفسية غير منتظرة ولا مرتقبة؛ لأنها فَذْلَكَةٌ أجملت للسامع في الختام ما وقع به تمامُ التفصيل في المبادي والحشو، وبينت كيف يكون انتقال القلب من النقيض إلى النقيض، وفيها من المعاني العلية ما جاء عن بعض العارفين، وسئل: بم عرفتَ الله؟ فقال: بنقض العزائم!

فها أنت ذا قد رأيت الواشجة الواصلة بين البداء الإلهي (في معناه الاصطلاحي المحمود) والمباغتة في الفن القولي البشري، ففي كليهما إبداء ما لم يخطر ببال المتلقي، مما يقع فوق تصوره، ويرقى به إلى مراتب من المعاني والإشارات تجاوز خياله. فإذا عقَلت هذ المعنى، فليس يخفى عليك لم وصلناه بالفن القولي خاصة دون سائر الفنون الإنسانية، فإن كوائن العالم الحادث قاطبةً راجعةٌ إلى القول الإلهي: "كن"، فكان القول البشري أوصل الفنون نسبًا بمنشأ العالم، وأولى بأن يكون مجلى له، ولعل هذا من معاني اختصاص القرآن بإعجاز الكلمة.

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق