الدكتور خليل العنانى ...يكتب: نقد الشخصيات العامة بعد وفاتها

04/01/2021 06:12


د. خليل العنانى

في كل مرة يموت فيه شخص معروف سواء سياسي أو فنان أو إعلامي أو كاتب يثور الجدل حول تقييمه، ويتحول الجدل في ظل مناخ عام مسمّم ومنقسم إلى ما يشبه حرب إعلامية بين كافة الأطراف يختلط فيها الشخصي بالسياسي والديني.

حدث الأمر مرات عدة خلال السنوات الماضية وفي كل مرة كنت أمسِك نفسي عن الخوض في هذا الجدل أحيانًا احتراما للموت وهيبته، وأحيانًا لكونه جدل عقيم يستنزف العقل والروح معا، وأحيانًا ثالثة تأففاً مما أقرأه وأسمعه. ولكن هذه المرة قررت أن أتحدث ليس لعدم وجود ما سبق، ولكن لكثرة تكرار المسألة، ولعلها تكون المرة الأولى والأخيرة للحديث فيها.

مبدئياً من حق الجميع التعرض للشخصيات العامة سواء إطراء أو نقدا حتى بعد وفاتهم، وهو جزء من ضريبة الاشتغال بالعمل العام أو الشهرة وذلك لما للشخص من تأثير على الاخرين حسب مجال عمله أو تخصصه (سياسي، فنان، لاعب كرة، ناشط سياسي، إعلامي، الخ). فلكل شهرة ضريبة وثمن، ولا يجوز للشخص أن يحصل على مزاياها دون تكلفتها. ولعل هذا يكون بحد ذاته قيد ورادع للشخصية العامة التي يجب أن تحسب مواقفها، وتزِن كلامها. وإذا كان الامر ينطبق على الناس العاديين الذين يذكر الناس حسناتهم ومساوءهم بعد رحيلهم، فمن المنطقي أن يحدث مع الشخصيات العامة لتأثيرها ووزنها.

أم المناسبة هذه المرة فهي الجدل الناس والاختلاف حول وفاة المؤلف والكاتب المصري المعروف والمشهور جدا وحيد حامد الذي توفي بالأمس.

فحامد شخصية عامة، وأي شخصية عامة بحكم التعريف والدور والوظيفة تخضع للنقد والتقييم والمساءلة والمحاسبة على مواقفها السياسية، سواء أكانت حية أو ميتة، كما قلنا آنفا.

وبالنسبة لي ولجيلي فإن وحيد حامد كان من أكثر الشخصيات حضورا من الناحية الفنية ليس فقط لغزارة أعماله خلال حقبتي الثمانينات والتسعينات، ولكن أيضا لمضمونها والرسائل التي كانت تحملها دوما بمضامينها السياسية والاجتماعية والنفسية والمالية الخ. وفي حين أننا كمشاهدين قد لا نقف كثيرا عند اسم مؤلف العمل السينمائي بقدر وقوفنا عند اسم الممثل أو الممثلة، وفي أحيان قليلة عند اسم المخرج، الا أن ارتباط العمل الفني باسم ممثل كبير ومعروف كان يستدعي أحيانا اسم المؤلف، وذلك كما كانت هي الحال مع الثنائي (عادل إمام ووحيد حامد).

عموما، لم تخل أعمالهما (إمام وحامد) من رسائل سياسية واجتماعية كثيرة جدا أثرت بشكل كبير في منظور متلقيها خاصة الشباب للحياة والكون والآخر وصاغت رؤاهم ومواقفهم من هذه الأمور. ورغم ذلك تظل المواقف السياسية والايديولوجية والأخلاقية من أكثر الأمور تأثيرًا في نفسية وعقلية الجمهور. وهنا يأتي الموقف من وحيد حامد، وغيره من المشهورين بتنويعاتهم المختلفة، فالمواقف والكتابات السياسية لوحيد حامد، خاصة خلال مرحلة ما بعد كارثة ٢٠١٣، هي مواقف مخجلة ومخزية وتستحق النقد والتوبيخ بل والإدانة. واذا كانت مواقف حامد، مثل

كثير من أبناء جيله من الكتاب والمثقفين الذين يدَعون التنوير والتمدين، من مخالفيهم الأيديولوجيين خاصة الإسلاميين، متعصبة ومتطرفة وكريهة، فإنها تحولت في مرحلة ما بعد يوليو إلى بارود ساخن في بندقية العسكر الذين وظفوا مواقف هؤلاء التحريضية والمخزية من خصومهم خاصة جماعة الآخوان المسلمين للإيغال في القمع والقتل والاقصاء.

بل إن أعمال حامد السينمائية عن الإسلاميين سواء فيلم "طيور الظلام" أو مسلسل "الجماعة" تعد من أقل وأضعف أعماله، وأكثرها سذاجة وضحالة فكرية مقارنة مثلاً بأعمال أخرى مثل فيلم البرئ وغريب في بيتي ومسلسل أحلام الفتى الطائر والعائلة وغيرها.

قد يكون حامد مناهض للاستبداد والسلطوية كما جسدها في فيلم البرئ مثلا أو لشبكات الفساد المالي والسياسي كما جسدها في فيلمي "الراقصة والسياسي" و"المنسي"، ولكن موقفه الايديولوجي الفاقع من الاسلاميين أعمى بصيرته السياسية وجعلته في وقت من الأوقات حليفا تلقائيا لواحد من أسوأ وأعتى وأشرس الانظمة الديكتاتورية التي مرّت على مصر خلال تاريخها الحديث وهو نظام السيسي. صحيح أنه تراجع بعد ذلك وبدأ في توجيه النقد اللاذع لنظام السيسي بدءًا من عام ٢٠١٤ (انظر حواره في التعليقات) ولكنه ظل على موقفه التحريضي ضد فصيل سياسي مهم، وان اختلفت معه فكريًا وأيديولوجيا. بل وصل الامر به أحيانا الى المزايدة على كل من يتبنى موقفا مختلفاً عنه في رؤية المسألة، حتى وإن كان من ضمن معسكره الفكري والسياسي.فعلى سبيل المثال وحسب ما قرأت فقد اتهم بلال فضل بأنه خلايا إخوانية بسبب نقد فضل لعدم عرض مسلسله "أهل إسكندرية" عام ٢٠١٤.

نقطة أخيرة وهامة وهي أن تقييم حامد، أو غيره من الشخصيات العامة والرموز، ومحاسبته سياسياً وفكرياً بعد وفاته أمراً مقبولا ومشروعا تماما، ولكنه قطعاً لا يجب أن يكون أمراً دينياً خاصة ما يتعلق بمصير الشخص في الجنة أو النار، وكأن الناس تمتلك مفاتيحهما، فهذا في رأيي نزق وجهل وتأله على الله الذي يعلم وحده مآلاتنا ومصيرنا بعد الموت. صحيح أن الناس شهود على سيرة الشخص، ولكن الصحيح أيضا ما ورد في الحديث الصحيح المعروف

"إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفه ثم يكون علقه مثل ذلك ثم يكون مضغه مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وٍأجله وعمله وشقي أم سعيد فو الله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها".

ولعل الدرس المهم لنا من كل هذا الجدل هو أن ننظر جميعنا في أحوالنا ومواقفنا وما يريد أن نترك خلفنا بعد رحيلنا. رحم الله جميع موتانا وغفر لهم وعاملهم برحمته لا بعدله.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق