المخرج العملاق "حاتم على" في غرفة الموت: مَن يحرّك مجاميع التاريخ الآن ؟

01/01/2021 03:42

بقلم/ أية طنطاوى

في اللحظة التي يطرق فيها الموت أبوابنا نكون وحيدين تمامًا، ما من أحد يقف معنا على عتباته، تتسلل أرواحنا بعيدًا تاركة أجسادنا ممددة على أسرّة النوم، ولا يبقى منا سوى ظلال تلوح في ذاكرة الآخرين تخبرهم كم أنّ مرورنا كان خفيفًا ومؤثرًا في آنٍ.

        

“مسؤولو فندق الماريوت عثروا على المخرج السوري متوفى في غرفته، صباح اليوم”.. بهذه الكلمات نطقت وكالات الأخبار، أمس الثلاثاء، بوفاة حاتم علي، المقيم في القاهرة.

 

في اللحظة التي قرأت فيها خبر وفاته تخيلت جثته وحيدة في لحظة دخول عمال الفندق عليه في غرفته.. مشهد جسده وحيدًا.. المخرج الراحل على سرير لا يخصه.. يبدو المشهد مؤلمًا.. ثمّ تخيلته فجأة يقف منتصبًا في صحراء شاسعة محاطًا بجموع الممثلين الممتطين خيولهم استعدادًا لتصوير مشهد معركة كبرى في مسلسل “ربيع قرطبة” أو ربما مسلسل “عمر”، كأنه آخر فارس يترجّل عن صهوة جواده.

 

كانت الكتابة شغفه وحلمه..

 

في عام 1986 كان خياره الأول في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق هو دراسة النقد والدراسات المسرحية، لكن الحظ لم يحالفه، فقرر الالتحاق بقسم التمثيل، وخلال سنوات دراسته أدرك أن ثمة مكانًا خلفيًّا يليق به ويداعب أفكاره وأحلامه.. إنه مقعد المخرج، صانع العمل، ومذ قعد على هذا المقعد واحترف مهنته قرر اعتزال التمثيل، وصار حاتم علي، المخرج السوري صاحب المدرسة والرؤية التي شهدت نقلة فنية كبرى في صناعة الدراما التاريخية في سوريا والوطن العربي.

 

لم يتخلَّ “حاتم” عن حلم الكتابة، وشهدت بداياته أعمالاً درامية وسينمائية من تأليفه وإخراجه مثل فيلم “آخر الليل” والسهرة التليفزيونية “الحصان”، إلى أن اتسعت خطواته وبدأ تعاونًا جديدًا مع الكاتب ياسر العظمة، واستكمل إخراج المسلسل الكوميدي “مرايا 98″ و”مرايا 99”. ثم جاءت مصادفة جديدة بعد سنوات قليلة جمعته مع الكاتب السوري الدكتور وليد سيف ليبدآ معًا سلسلة من الأعمال الدرامية تتكئ على سواعد التاريخ العربي الإسلامي وتعيد ربطه بجذوره المنسية في ذاكرة المشاهدين.

 

 

شجون تاريخية

لا يتردد اسم الكاتب وليد سيف دون ذكر حاتم علي.. ثنائي فني شكل صفحات جديدة من الدراما التاريخية تعود بنا إلى جذورنا العربية وتاريخنا المهمل.

 

بدأ تعاونهما الأول بمسلسل “صلاح الدين الأيوبي” عام 2001 وانتهى بمسلسل “عمر” عام 2012.. وُلد التصاقهما الفني بفكرة حاتم ورغبته في تقديم عمل تاريخي عن “صلاح الدين”، وكان وليد سيف هو الشخص والنصّ المناسب والاختيار الأول لشركة سوريا للإنتاج الفني..

 

من هنا رسم الاثنان فكرتهما وبدأت رحلة نسجت أول خيط في سلسلة من الدراما المشبعة بالتاريخ أو التاريخ المشبع بالدراما.

 

في حديث له عن شراكته الفنية مع وليد سيف، يقول حاتم: “ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا، ليس فقط على الصعيد الفكري، ولكن على الصعيد النفسي والشخصي أيضًا”.

 

لم ينكر الراحل حاتم علي دور الإنتاج في ثالوث النجاح الذي حققته أعماله الدرامية، وهو بلا شك عامل رئيس في تغيير شكل الأعمال التاريخية السورية والعربية في السنوات العشرين الأخيرة.

 

بإمكاننا الآن أن نستحضر من ذاكرتنا البصرية صورة الأعمال التليفزيونية قبل حاتم علي وبعده، تحديدًا الدراما السورية والمصرية التي قدمت أعمالاً تاريخية بأدوات إنتاجية ضعيفة لا تخرج بعيدًا عن الإستديوهات وتعتمد على لقطات مقربة من وجوه الشخصيات والإغراق في المؤثرات الصوتية، كأننا على خشبة مسرح لا تكشف حدود الخارج، بل تتحايل علينا بتخيله.

 

لكن المشاهد العربي، الذي بات منفتحًا ومطلعًا على الأعمال الهوليوودية، ويرى التاريخ مجسدًا في كل عناصر الصورة السينمائية، لم تعد تكفيه تلك الأدوات المتواضعة لتقديم أعمال عربية تاريخية تليق به وبذائقته، وتليق بتاريخه الذي يعيد اكتشافه بعين جديدة.

 

من هنا بدأ حاتم خطواته في بذل جهد أكبر لتطوير أدواته ولغته الفنية الخاصة ليقدم رؤية فنية ملمة أكثر بتفاصيل الحقبة الزمنية التي يناقشها العمل، ودراسة طبيعة الديكورات والأزياء والمدن، وحتى الطريقة التي تمشي بها الجموع في الأسواق، اختيارات فنية تعيد تجسيد الماضي بكامل تفاصيله وبصورة

تليق بالتاريخ الذي تُعاد كتابته على شاشة التليفزيون، ويخاطب فئات عريضة من الجمهور لم تعد تستهويها الدراما التاريخية.

 

 

يمكننا ببساطة لمس التطور في شكل الأعمال الدرامية التاريخية بتتبع مسيرة حاتم علي بداية من مسلسل “الزير سالم” عام 2000 وصولاً إلى مسلسل “عمر” الذي أثار ضجة كبيرة قبيل ظهوره في رمضان 2012، وعبر هذه السنوات قدّم حاتم ثلاثية الأندلس الشهيرة “صقر قريش، ربيع قرطبة، ملوك الطوائف” ثم “التغريبة الفلسطينية” و”الملك فاروق”، إلى أن انتهت مسيرته الدرامية بأحدث المسلسلات المصرية، “أهو ده اللي صار”، الذي يتنقل في الزمن بين مصر بين عصرين، الملكي والجمهوري الممتد.

 

 

مأدبة رمضان

ثمة ارتباط عاطفي ينشأ بين صناع الأعمال الدرامية الرمضانية وبين الجمهور العربي، مشاعر خاصة تجعل الصناع أفرادًا مقربين من أصحاب البيوت التي يحلون ضيوفًا عليها، وفي العام الذي يحل فيه اسم حاتم علي فوق تتر أحد المسلسلات يعني أن شهية جديدة تُفتح على تلقي عمل درامي تترقبه كل أسرة في موعد ثابت حتى نهاية الشهر.

 

لكن المختلف أن اسم حاتم علي لم يقتصر يومًا على البيوت السورية، بل صار معروفًا ومحل ثقة في البيوت المصرية والخليجية والمغاربية أيضًا، وارتباطه الأكبر بالشاشة المصرية جاء من أوسع أبوابه عندما قدم لنا عام 2007 مسلسل “الملك فاروق”، بطولة تيم حسن ووفاء عامر، وتأليف لميس جابر.

 

ورغم أنه تعرّض للهجوم من عدد من الأقلام الصحفية من باب أن مخرجًا وممثلاً سوريين يقدمان عملاً دراميًّا عن آخر ملوك مصر، فإن حاتم -بنبرة دبلوماسية وثقة واضحتين- تحدث عن طبيعة الشاشات الفضائية التي صارت مفتوحة أمامنا جميعًا، كأن الحدود العربية بيننا ذابت وتكسرت بين الأقطار، ما من فارق الآن بين سوري أو مصري، ما يهم في العمل هو قدرة الفنان على أداء دوره على أكمل وجه دون الالتفات إلى هويته.

 

في تصريح آخر له يقول إن “المشاھد العربي لا یزال یتابع ویحب الأعمال الجادة التي تبحث في تاریخه وتوثقه بنحو علمي ودقیق”.

 

لهذا السبب كان نجاح أول أعماله في مصر، “الملك فاروق”، علامة هامة يختبر بها قدرته على المنافسة في سوق الإنتاج المصرية بعمل تاريخي ينافس الأعمال الدرامية العادية، بل ويعيد الثقة من جديد في الأعمال التاريخية التي تراجعت جماهيريتها لسنوات طويلة على الشاشة المصرية، وبدلاً من تقديمها في ساعات متأخرة من ليالي رمضان صارت منافسًا قويًّا أمام نجوم رمضان المنتظرين كل عام.

  

مدن متخيلة

لم ينكر “حاتم” حبه للصعوبات التي تفرضها عليه كتابة شريكه الفني وليد سيف، مشاهد صعبة ومعارك تحتاج إلى مئات الجموع، تحديات تزيد حماسه كمخرج غير عابئ بالمستحيل. فإن كان صعبًا، في مسلسل “عمر”، أن تُصوَّر مشاهد من المسلسل في مكة المكرمة فإن إعادة بناء مدينة مكة في صحراء المغرب كان الحل الأنسب لحاتم وفريق العمل المصاحب له من مصممي ديكور وعمال وفنيين، فالماضي الذي يحيا بين صفحات الكتب بإمكاننا إعادة إحيائه في مدن جديدة وشخوص جدد عبر ذاكرة الفن البصرية، الفن الذي نلتف حوله ونستقي منه رؤيتنا للعالم.

 

ها هو حاتم علي مطوِّرًا أدواته ومقدِّمًا صورة جديدة للدراما تقترب في تكنيكها من السينما، ليعطي فسحة للتاريخ يعيد فيها تقديم نفسه للأجيال الحالية بقراءة متوازنة تنتصر للجذور والأصل، وتبتعد عن الصورة النمطية القديمة لشخصيات الأعداء على الجانب الآخر من صفحات التاريخ.

 

ما زال خبر رحيل حاتم علي صدمة للكثير من محبيه في المجال الفني والجمهور، الذي شعر فجأة أن عقدًا مبرمًا بينه وبين “حاتم” قد مُزق وانتهى إلى الأبد، وغيابه المفاجئ يثير الحيرة حول الفجوة التي يصعب أن يحل أحد غيره محلها، رغم ظهور العديد من الأعمال التاريخية.. فبصمة حاتم لا تزال مختلفة ومؤسسة لرؤية فنية بكاملها، وضع هو سطورها الأولى، ورحل قبل أن يختتم فقراتها الأخيرة.

 

المؤسف أن ثلاثية الأندلس لن تنتهي بالحلم الذي أرادته الجماهير لترى المشهد الأخير لسقوط غرناطة، رحل الفارس تاركًا الساحة لفرسان جدد يشيدون الماضي من جديد.

"المصدر: ذات مصر"



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق