الأديب والأكاديمى المصري إبراهيم عوض..يكتب: "إياك" عشان الحبايب

28/11/2020 10:47


د. إبراهيم عوض

(فقرات من كتابى: "قراءة فى كتابات ابن حز وابن رشد وابن مضاء")

ومع كل ما قلته عن تفوق كتب النحاة التى نعرفها على كتاب ابن رشد فإنى أعلن فى ذات الوقت أنى لا أحب التفلسف الذى يبرع النحويون فيه براعة مزعجة فى توجيه الكلام وإعرابه فى كثير من التراكيب الجميلة متمحلين لها التوجيهات السخيفة القبيحة، وكأنهم مغرمون بإفساد كل شىء جميل: خذ مثلا توجيههم لقولنا فى الإغراء حين نشاهد مثلا لاعبى فريقنا الكروى وهم يتوافدون على أرض الملعب آتين من غرفة الاستراحة: "الفريقَ" أو "الفريقَ الفريقَ" بأن كلمة "الفريق" منصوبة على المفعولية لأن المقصود "انظروا الفريقَ" لكننا حذفنا الفعل وأبقينا المفعول. وأرى أن طبيعة الإغراء، ومثلها التحذير، لا تتسع لهذا، إذ المقام مقام فرحة فى الإغراء ورغبة حارقة جارفة فى لفت أنظار الآخرين إلى الشىء أو الشخص الذى نغريهم بالنظر إليه أو سماعه أو لمسه أو شمه أو التركيز فيه، وليس ثم وقت للتفكير والتقدير، وهو ما يقال معكوسا عن مقام التحذير، إذ لو رأى أحدنا أسدا مقبلا يريد أن يفتك بنا، فإنه لا يكون لديه وقت للتفكير فى فعلٍ وحذفه وما إلى ذلك، وإلا لأكلَنا الأسد هَمّ يا مَمّ قبل أن نتم الجملة، بل يستعمل كلمة التحذير ليس إلا فيقول مثلا: "الأسدَ" أو "الأسدَ الأسدَ" أو "إياكم والأسدَ" أو "حياتَكم والأسدَ"، وكفى الله المؤمنين شر وجع الدماغ فى الحذف والتقدير والإعراب الملتوى. وأرى أن "الفريقَ" و"الأسدَ" فى المثالين السابقين منصوبان على الإغراء والتحذير على التوالى. ولا فعل ولا مفعولية ولا يحزنون. ولا داعى أبدا لحشو أدمغة الطلاب بهذه التوجيهات المتصنَّعة. لقد نصبت العرب المغْرَى به والمحذَّر والمحذَّر منه فقط، فجاء النحويون وحمَّلوا الأمر ما لا يحتمل. إنها اجتهادات نحاة يمكننا نبذها ما دمنا نجدها مرهقة وتعقِّد الأشياء.

وفى تراكيب التحذير الأخرى يقال إن "إياك والمَشْىَ حافيا" تُعْرَب كالآتى: "إياك: منصوب على المفعولية بفعل محذوف تقديره: "أُحَذِّرك". والمشى: مفعول به لفعل محذوف تقديره "أُحَذِّرك" آخَر، ويكون الكلام بناء على هذا التوجيه: أُحَذِّرك، وأحذِّرك المشىَ حافيا". وفى "عَيْنَك والإبرةَ" نراهم يوجهونها بأن "عينَك" منصوبة بفعل محذوف تقديره "أَبْعِدْ"، و"الإبرةَ" بفعل آخر تقديره "تجنَّبْ"، ويكون الكلام على النحو التالى: "أَبْعِدْ عينَك عن الإبرة واجتنب الإبرة" مثلا. وفى "إياكم خُلْفَ المواعيد" يكون التقدير "أحذِّركم خُلْف المواعيد". فبالله عليكم أليست هذه الركاكة والتعقيدات المصطنعة اصطناعا والمعتسفة اعتسافا هى السخف بعينه؟ ولم لا نقول بكل بساطة وسلاسة: إن كلا من "إياك" و"المشى" منصوب على التحذير: الأول هو المحذَّر، والثانى هو المحذَّر منه، وإن كلا من "عينك" و"الإبرة" منصوب: الأول بصفته المحذَّر بسببه، والثانى هو المحذَّر منه؟ ترى أإذا فعلنا ذلك فلسوف ندخل النار مثلا أو تقبض الحكومة علينا وتُودِعنا المعتقل؟ لا هذا ولا ذاك. إنْ هو إلا كلام نحاة نقابله بكلام مثله، متصورين، فى إخلاص تام والله العظيم، أن كلامنا أَوْجَهُ وأَخَفُّ على النفوس وأحرى بأن يقلل العبء والجهد عن الأذهان فتنصرف إلى عمل آخر أهم يقتضيها بدوره جهدا وتركيزا. أما "إياكم من التصرف برعونة" فمن الواضح أن "التصرف" مجرور بالباء، ولا مشكلة هنالك.

فانظر إلى هذه البساطة وذلك الوضوح، وقارن بينهما وبين تعقيدات النحاة التى تجلب الصداع وتبرجل العقل دونما أية فائدة مستحقة. قد يقال إنها، مع ذلك، رياضة عقلية. ماشٍ، ولكن ما الجدوى منها؟ هل ستساعدنا على أن نستعمل لغتنا قراءة وكتابة استعمالا أفضل وأدق؟ لا أظن، فلو عرف المتعلم ما قلناه فى هذا الباب فلسوف يتقن تلك اللغة إتقانا، ولكن دون إزعاجات وخوتة دماغ. إن العرب، كما قلنا وسنظل نقول، استعملوا لغتهم كما وصلتنا، لكنهم كانوا خالى الأذهان مما يقوله النحاة. النحاة أرادوا أن يفلسفوا الأمور ويتعمقوا، بيد أن تعمقهم وفلسفتهم فيهما كثير جدا من التصنع والبحث عن المتاعب حبا فى التفرد ورغبة فى الشِّقَاق ودون أن يكون فى شىء من ذلك مردود مكافئ لهذه المتاعب.

جاء فى باب " التحذير والإغراء" من كتاب "النحو الوافى" لشيخ النحاة المحدثين المرحوم عباس حسن عن التحذير ما نَصُّه: "التحذير: تنبيه المخاطب على أمر مكروه ليجتنبه. والأصل فى أسلوب التحذير أن يشتمل على ثلاثة أمور مجتمعة: أولها المحذِّر، وهو المتكلم الذى يوجّه التنبيه لغيره. ثانيها المحذَّر، وهو الذى يتجه إليه التنبيه. ثالثها المحذور، أو المحذَّر منه، وهو الأمر المكروه الذى يصدر بسببه التنبيه. ولكن هذا الأصل قد يُعْدَل عنه أحيانا كثيرة، فيقتصر الأسلوب على بعض تلك الأمور الثلاثة كما سنعرف.

ولأسلوب التحذير صور مختلفة منها صورة الأمر كالذى فى قول الشاعر:

احذر مصاحبة اللئيم، فإنها

  تُعْدِى كما يُعْدِى السليمَ الأجربُ

ومنها صورة النهى كقول الأعرابى فى لغته، وقد فتنتْه:

لا تَلُمْنِى فى هواها

  ليس يُرْضِينى سواها

ومنها المبدوءة بالضمير "إيّاك" وفروعه الخاصة بالخطاب كالذى فى قول أعرابية لابنها: "إياك والنميمةَ، فإنها تزرع الضّغينة، وتفرّق بين المحبين. وإيّاك والتَّعَرُّضَ للعيوب، فتُتَّخَذ غرضا، وخليق ألا يَثْبُت الغرضُ على كثرة السّهام"... إلى غير هذا من العبارات والصور المتعددة التى تحقق المعنى السالف فى التحذير.

غير أنّ الكثير من الصور السالفة لا يخضع لأحكام هذا الباب ولا تنطبق عليه ضوابطه وقواعده لأن هذه الضوابط والقواعد والأحكام لا تنطبق إلا على خمسة أنواع اصطلاحية يسمونها: "صور التحذير الاصطلاحى" هى وحدها  المقصودة من هذا الباب بكل ما يحويه، ولا سيما اشتمال كل منها على اسم منصوب يُعْرَب مفعولا به لفعلٍ محذوفٍ مع مرفوعه. وفيما يلى بيان الأنواع الخمسة:

الأول: صورة تقتصر على ذكر المحذَّر منه، وهو الأمر المكروه، اسما ظاهرا دون تكرار ولا عطفِ مثيلٍ له عليه. والمراد بالمثيل هنا محذَّرٌ منه آخرُ كتحذير الطفل من النار بأن يقال له: "النارَ"، وكتحذيره من سيارة بأن يقال له: "السَّيَّارةَ". وحكم هذا النوع جواز نصبه بفعل محذوف جوازا هو ومرفوعه. فكلمة "النار أو السيارة" يجوز نصبها على اعتبارها مفعولا به لفعل محذوف جوازا تقديره مثلا "احذر النار، احذر السيارة"، والفاعل ضمير محذوف أيضا تقديره "أنت". ويجوز تقدير فعل آخر يناسب المعنى والسياق من غير تقيُّدٍ بشىء فى اختياره إلا موافقة المعنى وصحة التركيب، مثل "اجتنب النار، اجتنب السيارة" أو "حاذِرْ" أو "جانِبْ".

وفى كل هذه الأمثلة يصح حذف الفعل مع فاعله أو ذكرهما، فيقال: "النارَ، أو اجتنب النارَ". كما يصح ضبط المحذَّر منه ضبطًا آخر غير النصب، كالرفع، فيقال: "النارُ" على اعتباره مثلا مبتدًا خبرُه محذوفٌ. لكنه فى حالة التصريح بفعله لا يدخل فى عداد الأساليب الاصطلاحية الخمسة، وكذلك فى حالة ضبطه بغير النصب، إذ الشرط الأساسى فى التحذير الاصطلاحىّ أن يكون الاسم منصوبا على أنه مفعول به، وناصبه محذوف.

الثانى: صورة تقتصر على ذكر المحذّر منه اسما ظاهرا: إمّا مكررا وإما معطوفا عليه مثله بالواو، نحو "البردَ البردَ، البردَ والمطرَ". وحكم هذا النوع وجوب نصب الاسم فى الصورتين بعامل محذوف مع مرفوعه وجوبا. ويراعَى فى تقديره موافقته للمعنى وصحة التركيب، نحو: "احْذَر البردَ البردَ، احْذَر البردَ والمطرَ"، أو "تجنَّبْ" أو "اتَّقِ". فحكم هذا النوع وجوب النصب ووجوب حذف العامل ومرفوعه معا. ويتعين فى صورة التكرار أن يكون الاسم الثانى توكيدا لفظيّا، وفى حالة العطف أن يكون حرف العطف هو الواو دون غيرها، وما بعدها معطوف على الاسم قبلها عطف مفردات، لا عطف جمل.

الثالث: صورة تقتصر على ذكر اسم ظاهر مختوم بكافِ خطابٍ للمحذّر بحيث يكون هذا الاسم هو الموضع أو الشىء الذى يخاف عليه، سواء أكان مكررا أم غير مكرر، معطوفا عليه مثيل له، أى محذّر آخر، أم غير معطوف. ولا بد فى صورة العطف أن يكون المعطوف محذّرا أيضا كالمعطوف عليه كأن يقال لمن يحاول لمس طلاءٍ سائلٍ: "يَدَك" أو "يدَك يدَك" أو "يدَك وملابسَك". والتقدير: "أَبْعِدْ يدَك، أَبْعِدْ يدَك وملابسَك" أو "صُنْ يدَك، صُنْ يدَك وملابسَك". ويصح اختيار عامل محذوف آخر يناسب السياق والتركيب.

وحكم هذا النوع وجوب نصب الاسم السابق الذى تكرر، وكذلك المعطوف عليه. والناصب لهما عامل محذوف مع مرفوعه وجوبا، وما بعد الواو معطوف على ما قبلها عطف مفردات. أمّا الذى جاء تكرارا فتوكيد لفظىّ. فإن كان الاسم منفردا، أى ليس مكررا ولا معطوفا عليه، فحكمه حكم النوع الأول الذى يجوز نصبه بعامل محذوف جوازا لا وجوبا، فيصح إظهار عامله وحذفه كما يصح ضبطه بغير النصب. فإذا ظهر عامله أو كان الضبط بغير النصب فلن يكون من أساليب التحذير الاصطلاحى كما أوضحنا فى ذلك النوع.

الرابع: صورة تشتمل على اسم ظاهر مختوم بكاف خطاب للمحذّر، ويكون هذا الاسم كما فى النوع السالف هو الموضع أو الشىء الذى يُخَاف عليه، ولكن قد عُطِف عليه بالواو المحذّر منه، نحو "يَدَك والسكينَ، رأسَك وحرارةَ الشمس، مواعيدَك والخُلْفَ". فالمعطوف هنا محذَّر منه كالمعطوف عليه، بخلافه فى النوع السّالف الذى يكون فيه المعطوف محذّرا. وحكم هذا النوع وجوب نصب الاسم الظاهر والمعطوف، وأن يكون عامل النصب محذوفا مع مرفوعه وجوبا. والأيسر والأسهل اختيار عاملين مناسبين أحدهما للمعطوف عليه، والآخر للمعطوف. ولا يراعى فى اختيارهما إلا مناسبتهما للسياق والتركيب كأن يقال: "صن يدك وأبعد السكين، احفظ رأسك واحذر حرارة الشمس، تذكّر مواعيدك وتجنب الخلف" وأمثال هذا مما هو مناسب. وعلى هذا التقدير يكون أسلوب التحذير جملتين تشتمل السابقة منهما على الموضع أو الشىء الذى يُخَاف عليه ويتجه إليه التحذير، وتشتمل المتأخرة على محذَّر منه، وبين الجملتين واو العطف تعطف الثانية على الأولى، فيكون العطف عطف جمل لا مفردات.

الخامس: صورة تشتمل على ذكر المحذَّر ضميرا منصوبا للمخاطب، هو "إياك" وفروعه، وبعده المحذَّر منه اسما ظاهرا مسبوقا بالواو أو غير مسبوق بها أو مجرورا بالحرف: "مِنْ". فلا بد فى هذا النوع من ذكر المحذَّر ضميرا معينا ثم المحذّر منه. فمثال المسبوق بالواو قول الأعرابية لابنها: "إياك والجودَ بدينك، والبخلَ بمالك". ومثال غير المسبوق بها قولهم: "إياكم تحكيمَ الأهواء، فإن عاجلها ذميم، وآجلها وخيم. ومن أمات هواه أحيا كرامته"، وقول الشاعر:

إيّاك إيّاك المِرَاءَ، فإنّه

  إلى الشرّ دَعَّاءٌ، وللشرِّ جَالِبُ

ومثال المجرور بـ"مِنْ": "إياك من مؤاخاةِ الأحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرّك"، وقولهم: "إياك من عزّةِ الغضب الطائش، فإنها تُفْضِى إلى ذلة الاعتذار المهين".

وحكم هذا النوع وجوب ذكر المحذَّر منه بعد الضمير: "إياك" وفروعه، ووجوب نصب هذا الضمير باعتباره مفعولا به لفعل واجب الحذف مع مرفوعه تقديره: "أُحَذِّر"، والأصل: "أحذِّرك"، ثم أريد تقديم الكاف لداعٍ بلاغىّ هو إفادة الحصر، فمنع من تقديمها أنها ضمير متصل لا يستقل بنفسه، ولا يوجد إلا فى ختام كلمة أخرى. فلم يكن بدّ، عند إرادة تقديمه، من الاستغناء عنه والإتيان بضمير آخر منصوب له معناه ويمتاز بأنه يستقل بنفسه، وهو الضمير: "إياك". فصار الكلام: "إياك أُحَذِّر"، ثم حُذِف الفعل والفاعل معا مجاراةً للمأثور من الكلام الفصيح الذى يَطَّرِد فيه هذا الحذف الواجب.

أما الاسم الظاهر المذكور بعد "إياك" وفروعها فإن سبقته واو العطف وجب نصبه بفعل محذوف مع مرفوعه وجوبا. والأحسن الأيسر اختيار فعل خاص به يناسبه ويساير المقام، ويكون غير الفعل الناصب للضمير: "إياك" فيجتمع فى الأسلوب فعلان محذوفان مع مرفوعيهما. ففى المثالين السابقين: "إياك والنميمةَ، إياك والتعرُّضَ للعيوب" يكون التقدير: "إيّاك أحذّر، وأبغِّض النميمةَ. إياك أحذِّر، وأقبِّح التعرُّضَ للعيوب" بمعنى: "أُحَذِّرك وأُبَغِّض وأُقَبِّح". ويصح أن يكون التقدير: "إياك احْفَظْ

واحْذَر النميمةَ، إياك احفظْ واتْرُك التّعرضَ للعيوب"... وهكذا من غير تقيد بشىء إلا نصب الاسم بعد الواو، واختيار فعل، أىّ فعل، يناسب المقام ويساير الأسلوب الصحيح. وعلى هذا تكون الواو حرف عطف، والجملة بعدها معطوفة على الجملة التى قبلها. وبالرغم من حذف الفعل ومرفوعه فى كل جملة يراعَى المحذوف هنا فى العطف كأنه مذكور. ففى الأسلوب جملتان الثانية منهما معطوفة بالواو على الأولى.

فإن لم تكن الواو مذكورة فالأسهل إعراب المنصوب بعدها مفعولا به للفعل: "أُحَذِّر" المحذوف لأنه قد ينصب مفعولين بنفسه مباشرة. فأول المفعولين هو "إياك" وفروعه، وثانى المفعولين هو الاسم الظاهر الواقع بعد الضمير: "إياك" وفروعه. أما إذا قلنا: "إياك من النميمةِ. إياك من التعرُّضِ للعيوب" فإن الجارَّ مع مجروره متعلقان بالفعل المحذوف وجوبا، وهو: "أحذِّر" لأنه قد يتعدى أيضا لمفعولين ينصب أحدهما بنفسه مباشرة ويتعدى للآخر بحرف الجر: "مِنْ".

وفى جميع الصور السالفة يجوز تكرار الضمير: "إياك" وعدم تكراره، فلا يتغير شىء من الأحكام المتقدّمة، ويعرب "إياك" الثانى توكيدا لفظيّا للأول. ولا يصح أن يكون الضمير "إيّا" المحذَّر مختوما بغير علامة الخطاب، فلا يقال: "إياى ومعاونة الظالم" ولا "إياه ومعاونة الظالم" لأن المتكلم لا يحذِّر نفسه ولا يحذِّر الغائب. وقد وردت من هذا النوع الممنوع أمثلة نادرة لا يصح القياس عليها. لكن يصح أن يكون المحذَّر منه ضميرا غائبا معطوفا على المحذَّر، نحو "لا تصاحبِ الأحمقَ، وإياك وإياه". فالضمير: "إياه" فى حكم كلمة "النميمة" فى مثال: "إياك والنميمةَ". ومن هذا قول الشاعر القديم:

فلا تصحبْ أخا الجهـــ

  ــل، وإياكَ وإياهُ

وعلى هذا لا يكون التحذير بضميرَىِ الغائب والمتكلم شاذًّا إلا إذا كان محذَّرًا لا محذَّرًا منه.

يمكن تلخيص الأحكام السابقة كلها فيما يأتى: ١- إن كان أسلوب التحذير مصدّرا بالضمير: "إياك" وفروعه وجب فى كل الأحوال نصب هذا الضمير بعامل محذوف مع مرفوعه وجوبا، سواء فى هذا أن يكون الضمير مكررا أم غير مكرر، عُطِف عليه أم لم يعطف عليه، جُرَّ بعده المحذّر منه أم نُصِب.

٢- إن كان أسلوب التحذير غير مصدّر بالضمير: "إياك" وفروعه وجب نصب الاسم الظاهر بعامل محذوف مع مرفوعه وجوبا بشرط العطف أو التكرار. فإن لم يوجد عطفٌ ولا تكرارٌ جازَ النصب بعامل محذوف مع مرفوعه جوازا، فيصح إظهارهما كما يصح ضبط الاسم بغير النصب. وفى حالة إظهارهما أو ضبط الاسم بغير النصب، حيث لا عطف ولا تكرار فيهما، لا يتعين الأسلوب للتحذير.

زيادة وتفصيل:

ا- تضمنت المراجع المطولة جدلا يصدّع الرأس فى تقدير عامل النصب المحذوف فى التحذير، ولا سيما ناصب الضمير: "إياك" وفروعه. أهو الفعل: أحذّر، أم باعِدْ، أم اجتنبْ، أم احْذَرْ؟ أينصب مباشرة أم لا ينصب إلا على تأويل آخر؟ والأمر لا يحتاج لكل هذا. وخير ما يقال فى شأن المحذوف هو ما سجله بعض المحققين، ونصّه: "الحق أن يقال: لا يقتصر على تقدير "باعِدْ" ولا على تقدير "احْذَرْ"، بل الواجب تقدير ما يؤدى الغرض، إذ المقدَّر ليس أمرا متعبّدا به لا يُعْدَل عنه". وهذا رأى نفيس صادق يجب اتخاذه دستورا عند تقدير المحذوف فى التحذير وفى الإغراء وفى غيرهما من كل ما يحتاج إلى تقدير.

ب- يقول بعض النحاة إن الضمير: "إياك" وفروعه منصوب بفعل محذوف مع فاعله، وإن فاعله الضمير عاد فاستتر فى الضمير: "إياك"، وصار "إياك" مغنيا عن التلفظ بالفعل المحذوف. فإذا قلت: "إياك" فعندنا ضميران: أحدهما هذا البارز المنفصل المنصوب، وهو "إياك"، والآخر ضميرُ رفعٍ مستكنٌّ فيه منتقلٌ إليه من الفعل الناصب له. ويترتب على هذا أنك إذا أكدت "إياك" توكيدًا معنويًّا بالنفس أو بالعين قلت: "إياك نفسك" أو "إياك أنت نفسك"، بفصل أو بغير فصل طبقا لقواعد التوكيد المعنوى بالنفس والعين. أما إذا أكدت ضمير الرفع المستكن فيه فإنك تقول مراعاة لتلك القواعد: "إياك أنت نفسك" بالفصل بالضمير المرفوع المنفصل دون ترك الفاصل. ومثل هذا يراعَى عند العطف على الضمير المنصوب: "إياك"، فتقول: "إياك والصديقَ والسفهاءَ" أو "إياك أنت والصديق والسفهاء" بفصل أو بغير فصل. ومن الأول الذى لا فصل فيه قولهم: "إيّاكم والكِبْرَ والسُّخْفَ والعظمةَ، فإنها عداوة مجتلبة من غير إِحْنَة". وتقول عند العطف على الضمير المرفوع وحده: "إياك أنت والصديق" بالفصل.

وكل ما تقدم مبنىٌّ على أن الضمير الفاعل ينتقل من الفعل المحذوف، ويستتر فى "إياك" وإخوته. وهو رأى لا يأخذ به فريق آخر يقرر أن الفعل وفاعله حُذِفا معا، ولم يرجع الفاعل المحذوف ليستكن فى "إياك" وفروعه، فليس معنا إلا ضمير واحد هو الضمير المنصوب البارز: "إياك" وفروعه. والأخذ بهذا الرأى أولى لبعده من التكلف والتعقيد، ولأن الفريق الأول لم يؤيد رأيه، فيما رجعت إليه، بأمثلة من الكلام الفصيح يكون لها وحدها القول الفصل.

ج- يقول الرَّضِىّ: "إن المحذَّر منه المكرر يكون اسما ظاهرا، نحو "الأسدَ الأسدَ، وسَيْفَك سَيْفَك"، ويكون مضمرا كـ"إياك إياك، وإياه إياه، وإياى إياى". والأحسن العدول عن المضْمَر لندرة الأمثلة الواردة منه ندرةً لا تبيح القياس عليه، ولا سيما ضمير غير المخاطب.

د- قد يُرْفَع المكرر والمعطوف فى أسلوب التحذير وفى أسلوب الإغراء، وسيأتى قريبا. وفى هذه الحالة لا يكون الأسلوب تحذيرا اصطلاحيا. قال الفراء فى قوله تعالى: "ناقَةَ اللهِ وَسُقْياها": "نُصِبَتْ كلمة "الناقة" على التحذير. ولو رُفِعَتْ على إضمار مبتدإ مثل كلمة "هذه" لجاز، وكان التقدير: "هذه ناقة الله" لأن العرب قد ترفع ما فيه معنى التحذير".

هـ- يصح فى كثير من أمثلة التحذير المشتملة على الواو أن تكون هذه الواو للمعية إذا استقام المعنى عليها، نحو "يدَك والسيفَ، أصابعَك والحبرَ"، فلا مانع هنا أن تكون الواو للمعية، والمراد: "راقِبْ يدَك مع السيف، باعِدْ أصابعَك مع الحبر" أو نحو هذا التقدير. فالاعتبار الأول دائما هو للمعنى وصحة التركيب. فإن اقتضى العطف وحده أو المعية وحدها أو جوازهما نزلنا على حكمه كما سبق. وألحق بالتحذير والإغراء ألفاظ سنعرضها فى آخر الإغراء فى قسم الزيادة.

ز- الأغلب فى أساليب التحذير أن تكون من نوع الإنشاء الطلبى تبعا لعاملها الدّال على هذا النوع. فإن لم يكن دالا على الإنشاء الطلبىّ فهى خبرية".

ولا ريب فى أن القارئ قد اعتراه صداع فى رأسه وزغللة فى عينه واضطراب فى عقله وهو يقرأ الكلام الفائت. بل إن عباس حسن نفسه بجلالة قدره، وهو النحوجى الكبير، يقول إن للنحاة كلاما آخر يصدع العقل أضرب عنه صفحا. فالحمد لله أنْ فعل ذلك، وإلا طارت أبراج عقولنا كلها وصرنا مجانين. وكل هذا من أجل ماذا؟ يقينا أن الأمر أيسر وأبسط من هذا كله كما وضحنا آنفا. والتوجيه الذى وجهنا الإغراء والتحذير به هو توجيه منطقى ومباشر ويصيب المحزَّ ويُطَبِّق المفصل كما كانوا يقولون قديما فى مثل هذا الموقف.

على أن هناك عدة نقاط لا أحب أن أمر بها مرور الكرام، فقد جاء فى كلام المرحوم عباس حسن عن الكلام فى التحذير بـ"إيا" أن التحذير لا يصح إلا للمخاطب فلا يصلح أن نحذر شخصا غائبا فنقول: "إياه أن يرينى وجهه" مثلا. لكننا كثيرا ما نفعل هذا فى العامية فنقول: "إياه يورِّينى وشه"، أو "عَلَى اللهْ يورينى وشه" على سبيل المثال. وأرى أن الفصحى ترحب بهذا  التركيب أيما ترحيب، ولا يصح الظن أبدا أنها يمكن أن تكون أضيق عطنا من العامية فى تعبير يتماشى مع المنطق تمام التماشى. وعلى هذا فإنى لا أجد بأسا أبدا فى أن يقول الواحد منا: "إياه أن يفعل ما نهيته عنه، إياها أن تعصى أمها، إياهما أن يتخطيا (تتخطيا) حدودهما، إياهم أن يتخلفوا عن موعدهم، إياهن أن يضيعن وقتهن فيما لا يفيد".

ونحن حين نقول ذلك نتخيل الشخص الغائب أمامنا، ويكون قصدنا أن يبلغه هذا التحذير كل شخص سمعه. بل قد يكون الغائب المحذَّر حاضرا يسمع التحذير لكن المحذّر يتجاهل وجوده ويهدده بهذه الطريقة الملتوية على سبيل التجاهل نكاية فيه وتحقيرا له. وكفى الله المؤمنين شر كثرة الموانع والتخطئات دون داع. وقد ذكر عباس حسن أنه "قد وردت من هذا النوع الممنوع أمثلة نادرة". فالحمد لله أننا لم نأت شيئا إِدًّا. أما تعقيبه بأنه "لا يصح القياس عليها" فهو ما لا أوافقه عليه. وأما تحذير الشخص لنفسه فهو أمر غير متصور أصلا، ولهذا لم أفتح هذا الموضوع، وإن كان من المقبول جدا أن يقول الشخص لنفسه: "إياكِ يا نفسى أن تفعلى كذا"، إذ هو بهذا قد حول نفسه من متكلم إلى مخاطب كما هو واضح، ومن ثم فلا مشكلة.

والنقطة الثانية هى ما نقله المرحوم عباس حسن عن الرَّضِىّ، وهو أن "المحذَّر منه المكرر يكون اسما ظاهرا، نحو "الأسدَ الأسدَ، وسَيْفَك سَيْفَك"، ويكون مضمرا كـ"إياك إياك، وإياه إياه، وإياى إياى". والأحسن العدول عن المضْمَر لندرة الأمثلة الواردة منه ندرةً لا تبيح القياس عليه، ولا سيما ضمير غير المخاطب". فأما "الأسد الأسد" و"سيفك سيفك" فعلى العين والرأس، فالكلام واضح، وهو أنك تحذر شخصا من الأسد، أو تحذره من أن يجرحه سيفه أو يسرق سيفه أحد مثلا، حسب السياق. لكنى لا أفهم "إياك إياك" ولا "إياه إياه" ولا "إياى إياى"، إذ المراد غامض. نعم إن نحوينا الكبير قد ذكر أن هذه الضمائر هى المحذَّر منها. لكن عقلى لا يستطيع هضم ذلك التوجيه، فضلا عن سخف هذه التحذيرات وركاكة العبارة. ولذلك لا أجد لها مكانا فى بابنا هذا.

النقطة الثالثة والأخيرة هى قول أ. عباس حسن: "يصح فى كثير من أمثلة التحذير المشتملة على الواو أن تكون هذه الواو للمعية إذا استقام المعنى عليها، نحو "يدَك والسيفَ، أصابعَك والحبرَ"، فلا مانع هنا أن تكون الواو للمعية، والمراد: "راقِبْ يدَك مع السيف، باعِدْ أصابعَك مع الحبر" أو نحو هذا التقدير. فالاعتبار الأول دائما هو للمعنى وصحة التركيب. فإن اقتضى العطف وحده أو المعية وحدها أو جوازهما نزلنا على حكمه كما سبق". وقد رأى القارئ من قبل أنه لا مكان فى توجيهنا لشىء من هذا كله. إن المشرحة لا ينقصها جثث حتى نَدْخُل فى موشح "الواو"، وهل هى واو عطف أو واو معية؟ لقد قلنا إن المحذَّر والمحذَّر منه هنا منصوبان على التحذير، وانتهى الأمر عند هذا الحد. إن اللغة إنما خلقت لتيسير التواصل لا لتصديع المخ. ثم هل عبارة "راقب يدك مع السيف" ترتقى لتصل إلى مستوى "يدك والسيف" فى إيجازها وحسمها وجمالها؟ وهل "أصابعك والحبر" تعنى "باعد أصابعك مع الحبر"؟ لو أنه قال: "أبعد أصابعك عن الحبر" لكان أقرب إلى المراد. لكن هذا سوف يغلق الباب أمام الحديث عن واو المعية، مع أنه لا توجد هنا واو معية ولا واو عطف ولا أى واو مما نعرف. الأمر يتلخص فى أن هذه عبارة تحذيرية قالها العرب هكذا ونصبوا فيها المحذَّر والمحذَّر منه، والسلام. وبهذا ينتهى اللجاج والخصام. وللعلم فابن رشد لا يقول هنا شيئا آخر غير ما يقوله النحاة مع أن هذا هو الباب الذى كان ينبغى لفيلسوف مثله أن يحرص على الولوج منه إلى علم النحو لتسهيله بدل الإرباك السخيف الذى أحدثه فى مشهد ذلك العلم والعسلطة التعبيرية التى تسم كتاباته فى هذا المجال خاصة، وفى كتاباته كلها على العموم. وبالمناسبة فهو لا يأتى فى الإعراب بشىء غير ما يقوله النحاة ولا يفكر أبدا فى تيسير شىء. إنه مغرم بالمخالفة والتصعيب والتعقيد، والسلام

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق