الشيخ محمد سعد الأزهرى..يكتب: حى على الفلاح يا شباب

22/11/2020 03:53


محمد سعد الأزهرى

من ضمن المعضلات الكبرى التي تقابل الشباب الآن منزلة العقل أمام النصوص القرآنية والنبوية.

فلا إيمان إلا بوجود العقل، إذ أنه لا تكليف على المجنون ولا المغمى عليه ولا الصغير لعدم استعداد العقل للتكليف، فكيف نكلف مجنوناً بالصلاة وهو لا يعقلها؟!

وفى نفس الوقت فالنصوص مطلقة والعقول نسبية، فكيف يحكم النسبي على المطلق؟!

فلابد من وضوح الرؤيا للشباب وبيان هذه الموضوعات بالطريقة التى تناسبهم مثل أن نتسائل معهم:

هل العقل حاكم على نصوص الشريعة أم مستسلم لها؟ !

أم أنّ هناك نصوص قاطعة، ولا مناص لتدخل العقل فيها كالغيبيات، حيث مالا يراه الإنسان وليس عنده قدرة لا بالرأي ولا بالعقل أن يصفه أو يتحدث عن تفاصيله دون رسول كريم.

كمثال الملائكة والجن، فهذا غيب بالنسبة لنا، ويرونا ولا نراهم والقرآن مليء بالحديث عنهم فهل هناك مجال للعقل في إثبات وجودهم من عدمه؟!

وهناك كذلك نصوص ظنية الدلالة وتحتمل أكثر من وجه في الحكم، كقوله تعالى (والمطلقات يتربّصن بأنفسهن ثلاثة قروء) والقرء في اللغة مشترك بين معنيين أحدهما الحيض والآخر اَلطُّهْر، فمن طُلقت فهل عدتها ثلاثة حيض أم أطهار؟ !

فهذا خلاف يحتمله النص والعقل بضوابطه له أثر في الترجيح

إذاً العقل أحد أهم أسباب الترجيح بين المعاني، وليس هو من يخترع معانٍ جديدة لم تأتى بها اللغة، فالعقل يسعى داخل دائرة لها ضوابط وأسوار ومحارم ولا يحق لأحد أن ينتهك هذه المحارم بحجة التحرر من القديم أو عدم الواقعية أو قِدَم الزمان أو غير ذلك من مصطلحات النصب والتضليل العلمانية!

والدليل العقلي أن الله سبحانه وتعالى هو خالق العقل، فالمخلوق مرئي والخالق محسوس ومن علامة المحسوسية وجود المخلوق، فهو أحد آياته العظمى والمتكررة وبناء عليه فإن هذا الخالق هو الأعلم بهذه العقول وما يناسبها من أحكام سواء بالإباحة أو بالمنع فهو يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.

وكذلك عندما نشترى جهاز كمبيوتر فهو عند عامة الناس جهاز معقد، ومعه عدة أوراق تُسمى بالكتالوج وظيفتها أن نتعامل مع الجهاز بالطريقة الفلانية حتى يتم استعماله على أكمل وجه، ولا نجد أحداً من الناس يتعامل مع هذه الأجهزة بدون هذه التعليمات، أو يتعامل معها على خلاف صانعها، أو بطريقة لا تلائم الجهاز وإلا فإن مصير جهازه إلى الخراب، ولا يعارض في ذلك أحد من أصحاب العقول.

إذاً فعقلنا هو الآخر يحتاج إلى الكتالوج الذي يناسب الفطرة التي خُلق عليها، ولما كان من المناسب أن يخاطب العقل عقل مثله فأرسل الله من البشر رسلاً اختصهم وحباهم واصطفاهم على العالمين ليبلغوا هذه الرسالة "وهى الدين" بما يفهمه الناس، لأن الدين فطرة وضرورة بشرية، وعبودية الإنسان لخالقه أمر مركوز في فطرته، فأقل العبارات مع نسق القرآن المُعجز، وكذلك معجزات وأخلاق ومعاملات الرسول عليه الصلاة والسلام كفيلة بإيمان المرء، أو على الأقل بوصول البلاغ المبين إليه، وحينها فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر فإن حقيقة الإيمان سيكون لها ثمن في الجنان، وحقيقة الكفر سيكون لها ثمن في النيران!

فهل يمكن أن يخرج علينا عاقل ويقول إن المخلوق هو الأدرى والأعلم والأفهم بالعقل الذي لم يخلقه ولم يصنعه ولا يعرف حقيقته أصلاً كما ينبغي؟ !

هل نلتزم بكتالوج المخلوق للمخلوق ولا نلتزم بكتاب الخالق وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام بحجج واهية تجعل العقل حاكم على ميزان الخالق من باب التفكير والتفكّر والسعي

لإيجاد أبواب وهمية يسيطر بها الإنسان على الإنسان حتى يحرره من سيطرة الخالق على المخلوق!

الخلاصة: العقل يحتاج للإعْمَال لا للتقديس، فالقرآن أثنى على العقل عندما يتفقّه ويتجه نحو ما ينفعه، ولن يُثنى القرآن على عقلٍ يشرب الخمر أو المخدرات لأنه سيكون عقلاً مغيباً عن الحقائق وبعيداً عن الفضائل وقريباً من الرذائل!

بل المولى سبحانه وتعالى يقول: ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) يعنى حثَّ على العلم لا الجهل، وحثَّ على التفكير لا السكون، وحثَّ على التذكّر لا الغفلة، كل ذلك من أجل أن يظل الإنسان سعيداً بعقله منتفعاً به، وإلا لو كان الدين خرافات كما يدَّعى المبطلون لما كان الحث على العلم والتفكر والتدبر؟ !

وعندما تناقش شاباً حاول أن تُبين له أن العقل جزء من جسم الإنسان، طاقته محدودة بحد، والعقول لا تتساوى بين الناس، ومن غير المعقول أن نحمِّل جزءً من جسد الإنسان فوق طاقته، فهل يمكن أن يحمل الشاب صاحب المائة كيلو جرام ما يساوى حمولته ألف كيلو جرام؟!

بالطبع لا، لما؟ لأن طاقة الإنسان لا تستوعب ذلك مطلقاً!

وهكذا فإن عقل الإنسان خُلق وهناك ما قد يستوعبه، وهناك ما يحتاج فيه إلى التسليم والإيمان، لذلك أرسل الله الرسل حتى يبين للناس هذه المعاني، خصوصاً الغيبية والتي لا قدرة للعقل على استيعابها كما هي، وكما أن اليد تعجز عن حمل ما فوق إمكانياتها فالعقل كذلك، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

لا بد من أن تقول لهذا الشاب إن الله حرم الخمر لأنها تُغيِّب العقل، وحرم الإسراف لأنه يَعِيبُ العقل، وحرّم ترويع العقل بالإيذاء حتى يذهب عن صاحبه وجعل فيه الدية كاملة لمن تسبب في ذلك!

كل ذلك لماذا؟ لمكانة هذا العقل في الإسلام دون إفراط أو تفريط.

لا بد من أن يدرك الشباب أن الإسلام يرفض الخرافة لأنها تخبر العقل أن يتوقف عن التفكير الصحيح، والإسلام أيضاً يرفض تأليه العقل لأن ذلك يؤدى إلى التهكُّم بالنصوص الشرعية لأن العقل المخلوق لم يستوعب أو يفهم كلام الخالق!

خلاصة الخلاصة: نريد برامج حوارية وأخرى على نمط السؤال والجواب، وكذلك مقالات شيقة وقصيرة ومقسمة إلى عدة مقاطع، كل مقطع فيها يُعالج جزءً من علاقة العقل بالنص، وقبل أن يجيب على شبهات القوم فإنه يعلمهم أصول الفهم في هذه القضية، ويبين عظمة الخالق وصدق الرسل وكذب الضالين المضلين، ثم يرسخ هذه المعاني بالإجابة على بعض شبهات القوم مثل: هل هذه النصوص تستوعب أحداث الحياة وتعقيداتها خصوصاً بعد توقف الوحي وموت النبي عليه الصلاة والسلام؟ !

وهل هناك نصوص شرعية تخالف المصالح المعتبرة للناس؟!

وهل العقل لو حاكم على النص، فهل إذا لم يكن هناك رُسل أو كتب سماوية سيكون العقل حينها دليلاً للإنسانية نحو الأخذ بيديها للهداية والإيمان؟ '

فإذا كان العقل تاماً وحاكماً فلمِ الحاجة للرسل وللكتب؟ '

لابد من إيجاد أرضية عقلية مدعومة بالإيمان لتعيد الشباب إلى التعقّل وليس التغوّل فيما ليس للإنسان به علم، حتى لا يضل ولا يُضَل!

أيها الدعاة؟

أيها الشباب؟

أيها الكبار

انتبهوا لهذا الموضوع فإنه يحتاج إلى مزيد عناية ومزيداً من الهدوء وكثيراً من الحكمة فكما قال تعالى: ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا، وما يتذكر إلا أولوا الألباب.

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق