الأديب والناقد الأدبى إبراهيم عوض...يكتب: سطور من كتابى لى صدر منذ سنوات قليلة

29/09/2020 02:15


د. إبراهيم عوض

وقد احتارت الكاتبة فى تصنيف د. ندوى كما احتار، طبقا لكلامها، كل من حاول من معارفها هذا التصنيف: سواء كان المصنِّف مسلما أو غير مسلم، شرقيا أو غربيا. فهو فى نظر البعض سلفى، وفى نظر البعض الآخر منفتح. وهو فى نظر هؤلاء متشدد، وفى نظر أولئك متساهل. وهو فى نظر طائفة محب لدينه، وفى نظر طائفة أخرى متابع للغرب على ما يريد بالمسلمين من تفسخ وابتعاد عن دينهم. أما هو فيقول إنه مستقل لا ينتمى إلى جماعة أو اتجاه بعينه، ويؤثر الانتساب فقط للإسلام فى وقت كان على كل مسلم فى بريطانيا أن يحدد موقفه فيعتزى إلى هذه الجماعة أو تلك، وإلا ضاع وطاردته التهم من الجميع.

والحقيقة أن هذا يصيب كل من سار على درب الاستقلال. وقد عانيت وأعانى من هذا أنا أيضا، فلا أذكر أنى فكرت يوما فى الانضمام إلى جماعة أو حزب، إذ لا أجد نفسى إلا فى فرديتى على ما فى الفردية من عيوب أراها تتضاءل بجوار الانتساب إلى هذه الجماعة أو إلى ذلك الحزب. فهناك من يتهمنى بالانغلاق بعد كل ما كتبته عن حرية الفكر والضمير. ومع هذا فإنى فى ذات الوقت أحب أن يكون الناس جميعا مسلمين رغم معرفتى بأن هذا مستحيل بناء على أن الله قد خلق البشر، كما قال فى كتابه المجيد، مختلفين. وهناك من يتهمنى بعكس ذلك. كما أننى لا أتباطأ شعرة واحدة فى الرد على من يهاجم الإسلام أو يسىء فهمه وينشر سوء فهمه على الناس بل أنبرى له وأعرّى نقاط ضعفه بالعقل والمنطق والوثائق والشواهد.

وهناك من يرى أنى معتزلى مع أنى انتقدت المعتزلة كثيرا. وهناك من قد يظن أنى آخذ صف بنى أمية ضد الحسين، وجوابى هو أن ظُفْر قدم الحسين برقبة يزيد. ولعن الله من قتل الحسين وحرض عليه ورضى به. إن قلب المسلم ليشتعل نارا كلما فكر فيما حدث آنذاك، إلا أن الحسين لم يسلك سبيل النجاح السياسى منذ البداية، فكانت النتيجة هى فاجعة كربلاء. فمن الواضح أنه لم يكن خبيرا فى ميدان السياسة ودهاليزها وما تحتاج إليه من دهاء، فدارت الدائرة عليه وخلق مقتله بين المسلمين ميراثا من الضغائن والعداوات. وهناك من يظننى كذا، وهناك من يظننى كذا، ولكنى أقول دائما: إننى مسلم، وكفى. وإذا صح ما نسمعه من أن الإيرانيين نهضوا فى العقود الأخيرة نهضة صناعية قوية فهذا يحسب لهم رغم إنكارنا على الشيعة فى ذات الوقت تنطعهم فى موقفهم من الصِّدّيق والفاروق وابنتيهما وحرصهم على إخراج زوجات النبى كلهن تقريبا من دائرة أهل البيت مع أنهن يدخلن فيها بكل جدارة، وبنص القرآن؟ ألم تقل الملائكة لسارة زوجة يعقوب: "رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت"، فجعلوها من أهل البيت كما نرى؟ ألم يخاطب الله سبحانه زوجات النبى فى الآيتين 32- 33 من سورة "الأحزاب" بوصفهن من أهل البيت فقال: "يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا"؟ اللهم إلا إذا مزقنا رباط الآيات وفككناها لتذهب منا شَذَرَ مَذَرَ كما يفعل مفسرو الشيعة تخلصا من دخول نساء النبى عليه السلام فى أهل البيت.

ويا ليتهم قد وقفوا هنا، بل مَضَوْا بكل أسف يخرجون معظم الصحابة من الدين ولم يُبْقُوا به إلا على من رافأ عليا كرم الله وجهه. ولو جرينا على هذا النهج لأمكن إخراج جميع المسلمين من دينهم، إذ مَنْ مِن الناس لم يخرج فى هذا الأمر أو ذاك على ما تقتضيه أوامر الإسلام أو نواهيه؟ كذلك فالخوارج محقون فى القول بأن الحكم لا يورَث، بل هو شورى بين المسلمين . صحيح أن الأمر فى التاريخ قد جرى على خلاف ذلك. بيد أننا إنما نتحدث  فيما ينبغى أن يكون لا فيما وقع وكان. لكنى مع هذا لست مع الخوارج فى تنطعهم وخروجهم على علىّ بن أبى طالب والعيب عليه والظن السىء فيه وفى دينه وتصورهم أنهم يفهمون الإسلام خيرا منه، وأنهم أعظم تدينا منه. خيبة الله على التنطع والغباء وضيق الأفق.

ولو حاولت الآن  أن أعرف كيف تم انعتاقى من شرنقة المذاهب لكان أول ما ينبغى أن أتذكره وأذكره هو وعيى لأول مرة فى الثانية عشرة أن قريتنا تدين فقها بالمذهب الشافعى. كان ذلك حين تقدمت إلى المعهد الأحمدى بطنطا فى العام الدراسى 59- 1960م، إذ رأيتهم يذكرون فى أوراقى الرسمية أنى شافعى المذهب.

وهذا مسجل أيضا فى الشهادة الإعدادية التى حصلت عليها من المعهد المذكور والتى كانت آخر عهدى بالأزهر. أما القرية المجاورة لقريتنا فمالكية. وكان لكل مذهب كتابه الفقهى الذى يدرسه الطلاب المنتسبون إليه. وقد تنبهت أن صيغة التشهد عند أهل القرية المجاورة تختلف فى بعض الكلمات عن صيغتنا. كذلك أذكر، وأنا فى الإعدادية، أننى صليت المغرب ذات مرة خلف طالب من دار العلوم، فكنت أقرأ الفاتحة بعد أن ينتهى هو من قراءتها فى الوقت الذى لم يترك هو مسافة زمنية بين الفاتحة والسورة القصيرة التى كان يقرؤها فى الركعتين الأُولَيَيْن بعدها. وقد سألنى بعد الصلاة باستنكار عن الحكمة من قراءتى الفاتحة وأنا مأموم، فقلت له: لأن قراءتها أساسية فى الصلاة بحيث تبطل إذا لم أفعل. فأفهمنى أن قراءة الإمام فى الركعات الجهرية تجزئ عن المأموم، فلم أقتنع. لكننى عرفت عقيبها أنه حنفى المذهب. فكان هذا درسا لى فى اتساع الأفق ما دامت المذاهب مختلفة فى بعض التفاصيل، وكلها مقبولة عند الله. وحين دخلت الجامعة قرأت عند الشيخ محمد عبده وغيره أن التيمم يجوز لمطلق السفر سواء وُجِد الماء أو عدم رغم ما كنت أعرفه من الفقه الشافعى أنه لابد من انعدام الماء فى السفر حتى يصح التيمم. لكنى عندما تفكرت فى الأمر ألفيت محمد عبده أصح فهما للمسألة.

وفى هستنج كنت أسكن مع أسرة بريطانية، ومعنا شاب إيرانى أرسله أبوه ليتعلم الهندسة هناك. ورغم أنه لم يكن يصلى أو يصوم فقد عرفت منه أن شيخ المسجد عندهم فى إيران قد علمهم أن التيمم يكون بالمسح على الوجه واليدين فقط دون أن نصل بالمسح إلى المرفقين. وفى البداية بدا لى الأمر غريبا، إذ كان كتاب الفقه الشافعى الذى درسته فى الأزهر يقيس مسح اليدين فى التيمم على غسل اليدين إلى المرفقين فى الوضوء. لكن سرعان ما ألفيت الآية لا تقول شيئا من ذلك. إنما هو فهم بعض الفقهاء. ولما ذهبنا للحج للمرة الثالثة، أيام كنت أعمل بتربية الطائف فى النصف الأول من تسعينات القرن المنصرم أردنا أن نعرف تفصيل شعائره فى المذاهب المختلفة، فتبين لنا أن هناك من لا يوجب المبيت بمنى ومن لا يوجب تحديد رمى الجمار بالزوال، فأخذنا بهذا وذاك تيسيرا على أنفسنا ومن معنا من النسوة والأطفال. بل كنت أقوم نيابة عن كل أفراد أسرتى برمى الجمار وفَشّ غِلِّى كله فى اللعين ابن اللعين... وبهذا انهدم الاستمساك الأعمى بمذهب بعينه فى الفقه. وعلى نفس الشاكلة سار الأمر معى فى المذاهب الكلامية، وبخاصة عندما كنت بصدد تأليف كتابىَّ عن مذاهب التفسير ومناهجه، إذ انبسطت أمامى الآراء المختلفة للمذاهب الإسلامية والفِرَق الكلامية فى تفسير كتاب الله، فصرت لا أبالى بأى الآراء أخذت ما دمت مقتنعا به ويقبله تفسير الآية دون تمحك أو تمحل. بل كثيرا ما يكون لى تفسيرى الخاص بالنص مؤسسا على الدليل الصلب والشواهد الكافية والروح العامة للدين.

وهكذا يرى القارئ أننى مسلم، وكفى. لكن هل معنى هذا أننى أمثل الإسلام الصحيح مائة فى المائة؟ أكون مغرورا إن قلت: "نعم" رغم تصورى أننى أفهم الإسلام فهما سليما. لكنى مع هذا أعرف أنه ما من إنسان يمكنه أن يمثل فكرة ما تمثيلا دقيقا تامّ الدقة، إذ هناك دائما فجوة بين النظر والعمل، وفجوة أخرى بين الحقيقة وتصورنا لها. إننا جميعا ندندن حولها، أما هى فبمثابة امرأة فاتنة الجمال مختفية خلف نقاب، فضلا عن أننا لا نستطيع الكلام إليها. ومع اجتهادنا فى معرفة ملامحها لا نستطيع الادعاء بأننا متأكدون من تلك الملامح. وإنى لعلى يقين من أنه سوف يأتى اليوم الذى ينتقدنى فيه المنتقدون قليلا أو كثيرا حسب اتجاه كل ناقد. ولماذا أقول: "سوف"، وأنا من الآن أسمع أصواتا انتقادية لا ترى لى فضلا كبيرا ولا صغيرا فى دراساتى وبحوثى؟ وهكذا يرى القارئ أن هناك تقاطعات متعددة بينى وبين د. ندوى. إلا أنى أختلف عنه فى أنه، كما يصف نفسه، لا يستطيع الغضب إلا إذا بذل جهدا فى أن يغضب، وذلك من كثرة ما اجتهد وهو شاب فى تعويد نفسه الهدوء والسكينة حتى نجح فى ذلك،  وهو ما أفتقر أنا إليه، إذ إنى عصبى المزاج. وليس معنى هذا أننى نارى الطبع،  بل معناه أننى كما أرضى أغضب، وكما أنفعل تمر على أوقات أكون فيها هادئا ساكنا. لكنه فى كل الأحوال يتميز علىَّ بهذه الفضيلة. كما يتميز، طبقا لكلامه، بمراعاته المستمرة لما كان يفعله رسول الله فى حركاته وسكناته مما ليس فرضا على المسلم الالتزام به، وإن كان الأفضل التزامه. فأنا مثلا حين أدخل المرحاض قد أستعيذ بالله من الخبث والخبائث، وقد  أنس فلا أهتم بهذا



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق