المفكر والناقد الأدبى إبراهيم عوض..يكتب: قراقوش ونوادره

05/08/2020 06:10


د. إبراهيم عوض

من "نوادر قراقوش"، وهى من صياغة السيوطى، الذى وصف قراقوش نائب صلاح الدين الأيوبى فى مصر بأنه رجل خيِّر، لكنه كان لا يستشير فيما يحكم به أحدا من العلماء، بل يصدر عن عقله كما يتراءى له: "كان قراقوش فى كل سنة يتصدق على الفقراء بمال جزيل، ففى بعض السنين جاءته امرأة وقالت له: إن زوجى قد مات، ولا كفن له، ولا مال عندى أكفنه منه، فأعطنى كفنه أو ثمنه. فقال لها: مال الصدقة السنوية قد فرغ. فلو جئتِ قبل فراغه كنتِ أخذتِ كفنه. فإذا جاء ميعاد الصدقة فى السنة الآتية فتعالَىْ نعطك كفنه أو ثمنه إن شاء الله تعالى. فقالت: وهل يقعد الميت سنة من غير تكفين ولا تلقين؟ فقال لها: الميت زوجك، والأمر لك. فإن شئت فادفنيه، وإن شئت فى بيتك خليه. فإن دفنتيه ريحتيه، وإن خليتيته تؤذيه. فقالت له: هذا شىء لا يجوز. فقال لها: وأنا ما كلفنى الله بإعطاء صدقة الزكاة لسنة جديدة لم يأت ميعادها، ولم يوجد عندى مالها. يا غلمان، أخرجوا هذه المرأة، فإنها قبيحة، وتحب الفضيحة، ولا تقبل النصيحة. قولوا لها: تدفنه بثيابه، وعند مجىء الوقت الذى نصرف فيه الصدقة تأخذ كفنه وتكفنه به فى قبره أو تلبسه هى بدلا عنه. وهذا آخر الكلام، والسلام.

   ورأى كرديا يجامع حمارة، فقال: حُدُّوه. فحَدُّوه. ثم قال: حدوا الحمارة الأخرى. فقالوا: وما ذنبها، وهى دابة لا تتكلم ولا عقل لها، ولم يوجد فى الشرع حد الحمير؟ فقال: وهل وجدتم فى الشرع أحدا يجامع الحمير؟ حُدُّوها لأنها لو لم يكن لها غرض لرفصته برجلها أو عضته بفمها كما تشاهدون ذلك عند قرب الحمير لها إذا لم يكن لها غرض. فلما وجد منها الميل له وظنته حمارا وقفت له وتشدقت بفمها كما تتشدق للحمار عند جماعها. وقد أمرتكم بأنكم تفعلون بكل من رأيتموه يفعل بحمارة أو بغلة أو غيرها لئلا يكثر الفساد فى العباد وتقل ذرية الآدميين وتكثر ذرية الحمير وغيرها، ولثلا ينفتح باب للعصاة العازبين ويستغنون بها عن الزواج ليوم الدين.

   وأراد فراقوش أن يجامع زوجته، فلم يقم أَيْرُه، فلما حصل له الخجل منها أظهر أنه غضبان على أيره، فقال لها: والله لأبيعن هذا النذل الكسلان، وأشترى لك أيرا بدله يكون عنده نشاط دائما. فقالت له منعا لخجله: لا تبعه لأننا عرفناه, ونَذْلٌ تعرفه خير من جيدٍ لا تعرفه. ولربما اشتريتَ واحدا أكثر منه فى الكسل لا يوافقنى فى العمل. فقال لها: طاوعتُك. وإن عاد لمثلها ثانى مرة بعته من غير مشورة. ونام مكسوفا من غير جماع.

   وحدث أن جنديا نزل فى مركب، وكان فيها رجل فلاح معه زوجته، فغمز الجندى زوجة الفلاح، فشتمته، فضربها، وكانت حاملا، فأسقطت ابن تسعة أشهر، فشكاه الفلاح إلى قراقوش، فقال للجندى: خذها عندك وأطعمها واسقها حتى تصير فى تسعة أشهر، ثم ردها لزوجها كما كانت. فقال الجندى: سمعا وطاعة. فقال الفلاح: يا وزير، تركت أجرى على الله. وأخذ زوجته ورجع إلى بلده. فقال له: جزاك الله خيرا. هكذا تكون مروءة الفلاحين الحُرِّين.

   وروي أن شخصا شكا لقراقوش مماطلة مديونه فى حقه، فقال المدين: يا سيدى، أنا رجل فقير، وكنت كلما تحصلت على شىء آتيه به فلم أجده، فأصرفه على نفسى وعيالى، فجاءنى الآن وطالبني، وما معى شىء. فقال قراقوش: احبسوا صاحب الحق حتى إن المديون اذا تحصَّل على شىء يُؤْتَى به فى الحبس فى المكان المعلوم ليدفعه إليه ويظهر صدق المديون من كذبه حتى إنه لم يبق له وجه فى قوله: "لم أجده". فقال صاحب الحق: يا حضرة الوزير، تركت حقى، وأجري على الله".

   وهذا ما قاله عن قراقوش صلاح الدين الصفدى فى ترجمته بكتابه: "أعيان العصر وأعوان النصر": "الأمير بهاء الدين. كان يقال إنه ظاهري، أتى إلى صفد أميراً على طبلخاناه، وكان عنده مماليك وخدام طواشية وأولاد ناس أتباع له ملاح. وأقام في صفد مدة مديدة. وقيل إن القاضي فخر الدين ناظر الجيش كان يكرهه ويحط عليه لأنه كان في وقت قد عمل شد الدواوين بالقاهرة. وكان فيه معرفة، وعنده مجلدات، ويستنسخ الكتب الأدبية وغيرها. وحُكِيَ لي أنه كان بالوجه البحري مباشراً شيئاً من أمور الدولة، فلما وزر ابن السلعوس كتب إليه كتاباً، فأغلظ قراقوش في الجواب، ثم إن

الوزير أحضره بعد ذلك وضربه بالمقارع". وذكر ابن كثير له إنجازات إدارية وعمرانية وسياسية وحربية عظيمة وأثنى عليه ثناء كبيرا، ثم ختم كلامه عنه قائلا: "قال ابن خلكان: وقد نُسِب إليه أحكام عجيبة حتى صنف بعضهم جزءاً لطيفاً سماه كتاب "الفاشوش في أحكام قراقوش"، فذكر أشياء كثيرة جداً، وأظنها موضوعة عليه، فإن الملك صلاح الدين كان يعتمد عليه، فكيف يعتمد على من بهذه المثابة؟ والله أعلم".

   ويقول ابن تغرى بردى عند الحديث عن وفاته فى كتاب "النجوم الزاهرة": "الأمير بهاء الدين قراقوش ابن عبد الله، الأسمي الخادم الخصي المنسوب إليه حارة بهاء الدين بالقاهرة داخل باب الفتوح. وهو الذي بنى قلعة الجبل بالقاهرة، والسور على مصر والقاهرة، والقنطرة التي عند الأهرام وغير ذلك. وكان من أكابر الخدام من خدام القصر، وقيل إن أصله من خدام العاضد، وقيل إنه من خدام أسد الدين شيركوه، وهو الأصح. واتصل بخدمة السلطان صلاح الدين، وكان صلاح الذين يثق به ويعول عليه في مهماته. ولما افتتح عكا من الفرنج سلمها إليه، ثم لما استولَوْا عليها أُخِذ أسيراً، ففداه صلاح الدين بعشرة آلاف دينار، وقيل: بستين ألف دينار. قال ابن خلكان: والناس ينسبون إليه أحكاماً عجيبة في ولايته نيابة مصر عن صلاح الدين حتى إن الأسعد بن مماتي له فيه كتاب لطيف سماه: "الفاشوش في أحكام قراقوش"، وفيه أشياء يبعد وقوع مثلها منه. والظاهر أنها موضوعة، فإن صلاح الدين كان يعتمد في أحوال المملكة عليه، ولولا وثوقه بمعرفته وكفايته ما فوضها إليه".

   وكتب عنه صلاح الدين الصفدى فى ترجمته بـ"الوافى بالوفيات": "قراقوش الأمير الكبير بهاء الدين الأسدي الخادم الأبيض، فتى أسد الدين شيركوه: لما استقل السلطان صلاح الدين بملك مصر جعله زمام القصر. وكان مسعوداً ميمون النقيبة صاحب همة. بنى سور الجيزة في الدولة الصلاحية. ولما فتح صلاح الدين عكا سلمها إليه، فلما أخذها الفرنج أسروا قراقوش، فافتكّه منهم بعشرة آلاف دينار. وله حقوق على السلطان والإسلام. توفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة. وللأسعد بن مماتي كراس سماه: "الفافوش في أحكام قراقوش" مكذوب عليه فيه أشياء، فإنها ما تقع من مثل من كان السلطان صلاح الدين يعتمد عليه وينوب عنه. وعمر بالمقس رباطاً، وعلى باب الفتوح بظاهر القاهرة خان سبيل. وله وقف كثير لا يعرف مصرفه".

   وفى "شذرات الذهب" يقول ابن العماد عنه فى حوادث العام الذى توفى فيه: "قراقوش الأمير الكبير الخادم بهاء الدين الأبيض فتى الملك أسد الدين شيركوه، وقد وضعوا عليه خرافات لا تصح. ولولا وثوق صلاح الدين بعقله لما سلم إليه عكا وغيرها. وكانت له رغبة في الخير وآثار حسنة. قال ابن شهبة: أُسِر في عكا، ففداه السلطان بستين ألف دينار. وهو الذي بنى قلعة القاهرة، والسور على مصر والقاهرة، والقنطرة التي عند الأهرام. وله مع المصريين وقعات عجيبة حتى صنفوا له كتاب "الفافوش في أحكام قراقوش". انتهى".

   وأنا أيضا أرى أن ما قيل فى حقه لا يدخل العقل إلا إذا كان صاحب العقل مجنونا رسميا. كذلك من المستحيل أن يعرف أحد بما كان يدور بين قراقوش وبين زوجته فى غرفة النوم حتى يحكى لنا تلك النكتة العجيبة عن فشله فى مجامعتها بكل ما فى النكتة من كلام لا يمكن أن يكون هو قد قاله ولا يمكن أن تكون هى قد صدقته. ثم إن رجلا له كل تلك الإنجازات العظيمة من عمرانية وسياسية وعسكرية وخيرية وغيرها لا يمكن أن تكون قد صدرت عنه تلك الأقوال المنسوبة إليه ولا تلك الأعمال المعزوّة له مما أرى أن ابن مماتّى قد اخترعها اختراعا وقصد بها قصدا أن تضحك الناس منه وعليه حتى تنحط صورته فى أذهانهم، وهو ما كان. وهذا عجيب. بيد أن غايتنا هنا هى دراسة النكتة فى أدبنا وكيف كان لها شأنها حتى ليؤلف فيها كبار العلماء، ومنهم ابن مماتى، الذى لا أملك، وأنا أكتب هذه السطور، نفسى من الضحك إعجابا بحذقه وخبثه وبراعته فى تصوير الرجل على غير ما فيه ونجاحه الساحق فى نشر هذه الصورة المشوهة عبر الأزمان حتى ضُرِبَ به المثل فقيل فى كل حكم ظالم مدابر للمنطق والعقل: "ولا حكم قراقوش"! إنها نكت سياسية بامتياز. ولو كان قراقوش ظالما مستبدا غشوما غبيا كما تصوره حكايات ابن مماتِّى ما تركه دون عقاب صارم.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق