المحلل السياسى خيرى عمر..يكتب: انتهاء معارضة مصرية في المنفى

31/07/2020 02:04


د. خيرى عمر

بينما تعالت ثورة التوقعات في بداية نشأة معارضة المنفى المصرية، سارت سنواتها السبع على نحو أفقدها كثيرا من الجدارة، وجعلها في حال من الانحسار، وخصوصاً على مستوى حراكها الداخلي ونضوب أفكارها السياسية، وهو ما يثير الجدل بشأن بقائها، فالتطورات اللاحقة لنشأتها تكشف عن عيوبٍ جوهريةٍ لازمتها في مشوار المنفى، ولم تستطع التكيف مع البيئة المتغيرة.

 

وتعد تجربة المعارضة من المنفى فكرة حديثة في الخبرة المصرية، ولم يسبق لها التواصل مع تجارب أخرى، بحيث تبدو فقيرةً في الخبرة السياسية. وهذا ما يثير الجدل حول كيفية تكوين نفسها في السنوات الأولى، وكذلك التقييمات الأولية لانتقال نشاط المعارضين إلى الخارج ومحاولاتهم المستمرة لبناء مسار سياسي، وخصوصاً ما يتعلق بوجود فرصة، أو حل بديل عن التضييق عليهم.

 

من البناء إلى الانفراط

وظل معارضو المنفى يدورون في حلقة مفرغة، وذلك على الرغم من توفر الفرصة لتقديم أنفسهم للمجتمع المصري قادة للتغيير، لكنهم على العكس، دخلوا في صراعاتٍ، أدت إلى انقسامات متتالية، فقد ظهر "اتحاد دعم الشرعية" رد فعلٍ على خلافاتٍ غامضة مع كياناتٍ أخرى، كما كان طرح فكرة "الجمعية الوطنية" محاولة تأطير المطالب السياسية، لكنها أحبطت لدخولها في اشتباكاتٍ غير عقلانيةٍ مع مكونات المعارضة، كما أنها عانت من عيبٍ تأسيسيٍّ عندما وضعت أهدافها على افتراض سقوط الحكومة. وبمرور الوقت، انحسر تأثيرها في مصر، كما لم تدرك التغيير في النظام السياسي والدستوري.

 

وقد دخلت المعارضة، سواء من الأحزاب المدنية أو الإسلامية، عام 2019 في حالة انقسام داخلية. وكشفت وفاة الرئيس السابق ، محمد مرسي، حالة الترهل والميوعة السياسية، ففيما كان التوقع بانطلاق مرحلة جديدة، ظهرت تباينات سلبية أدت، في النهاية، إلى انزياح سلس لمطالب الشرعية، من دون ابتكار بدائل أخرى. وبهذا المعنى، يمكن الإشارة إلى ملمحين، الأول أن الأجندة التي تبنّاها المعارضون كانت تعبيراً عن أزمة خروجهم من مصر، لا محاولة لتطوير دورهم السياسي. أما الثاني، فهو أن حداثة اشتغال الغالبية بالعمل السياسي تفسّر قدراً كبيراً من انسحابهم التلقائي، وفراغ المشهد من محاولات تنشيط البدائل الفكرية والتنظيمية. ولذلك، لم يكن مستغرباً أنه مع انقضاء شعار الشرعية يحدث انزواء للمناشط وإهمال لمطالب التغيير والإصلاح.

 

ونتيجة إخفاق التوقعات المبكرة بانهيار السلطة في مصر في العام 2014، اتجهت المعارضة إلى تأسيس "كيانات ثورية" في الخارج، باعتبارها ركيزة لتطوير المسار الثوري، وتأسست، في البداية على فكرة استعادة الشرعية. ولاحقاً، ظهرت اتجاهات تطالب بفكرة استعادة الديمقراطية، وكان من الممكن اعتبار ذلك تنوعاً، غير أن ضيق الأفق ساهم في تحويله إلى استقطاب وإزاحات أدّت إلى إهدار كل محاولات العمل المشترك، فقد أعيد تنشيط تحالف دعم الشرعية على غرار تجربته في داخل مصر، ولكن سرعان ما ظهرت أفكار أخرى لإعادة التشكل تحت مسمى "المجلس الثوري المصري"، حلفاً تضامنياً ورافعة لمقاومة السلطة واستعادة الثورة والشرعية، غير أنه، بعد وقت قصير، شهد انقسامات داخلية، ترتبت عليها إعادة تأسيسه بمجموعة غير سياسية، ينتمي أغلبها لجماعة الإخوان المسلمين. كانت هذه النقطة بداية الانحدار العام لمعارضي المنفى، إذ ترتب عليها ظهور خلافاتٍ حول بدائل العمل في الخارج.

وقد حالت الانهيارات دون ظهور كيانات قابلة للاستمرار، فقد اتسم العمل المشترك بالسيولة الحركية، وتم إحباط "الجبهة الوطنية للتغيير"، بسبب نقصان الأرضية المشتركة والتنازع على الصدارة. وبسبب غموض الاستجابة للتحدّيات السياسية، بدت ظاهرة الانسحاب التدريجي وانهيار الروافع القائمة والمحتملة للمعارضة، وتحوّلت مكونات المعارضة، لتكون أفنية خلفية لحركة الإخوان المسلمين.

 

على أية حال، مثلت المسألة التنظيمية حجر الزاوية في انهيار معارضة المنفى، بسبب غياب تعريف الكيانات الجديدة وقدراتها السياسية، وأيضاً، نشوب صراعاتٍ وهميةٍ على الهوية، بحيث صارت العلاقات التنظيمية أقرب إلى الشبكات البدائية، ما أتاح فرصةً لانصراف مكوناتها للتعبير عن مشروعاتها الخاصة، وتجنّب تكرار محاولات العمل المشترك التي ثبت فشلها على مدى السنوات السابقة، ولعل انزياح مطالب الشرعية يدفع مكونات المعارضين إلى إعادة التفكير في وضعهم السياسي ومستقبل تنظيماتهم.

 

أفكار سياسية

 

من الناحية الفكرية، ظهرت تحوّلاتٌ عجيبةٌ في الموقف من استعادة الشرعية، وهذا ما يرجع إلى حالة الفراغ الفكري، فبينما نافح "الإخوان المسلمون" عن عودة محمد مرسي حلا أخيرا، فإن وفاته وضعتهم أمام حيرةٍ في النظر إلى المستقبل. وهنا، يمكن الإشارة إلى عيبين ظاهرين: الأول أن حركة الإخوان تعمل بطريقة انفعالية وقتية، على الرغم من تغير المسارات استراتيجياً، فقد جعلت من استعادة الوضع القانوني لما قبل يوليو/ تموز 2013 كل همها، ولم تفطن إلى احتمالية انقضاء موضوع الخلاف. أما الثانية، فتتعلق بتواضع مواقفها تجاه التغيير السياسي، فمن جهةٍ تلوم المحبوسين على التزامهم، وتحمّل تبعات ارتباطهم بالإخوان. ومن جهة أخرى، بدت قليلة الحيلة بعد وفاة مرسي، وأكثر استسلاماً للوضع القائم.

وبغض النظر عن شعار "إسقاط الانقلاب"، افتقدت مجموعات المعارضة وجود قضية مركزية. ولذلك لم تستقر على أجندة أهدافٍ، عبر تلك الفترة، وتأرجحت ما بين استعادة الشرعية والتسوية، وربما تكون الحيرة أو التردّد سبباً جوهرياً في ندرة ظهور صياغات واضحة لأهدافها، بحيث ظلت شعاراتٍ دعائية سريعاً ما يطويها النسيان. وبشكل عام، شهدت بيانات المعارضة تكراراً للمحتوى، وكان آخرها وثيقة التوافق المصري، 28 ديسمبر/ كانون الأول 2019، وهي تبدو تعبيراً إضافياً عن الكسل

في تطوير الموقف السياسي.

 

أولويات متنافرة

 

مع انحسار الأجندة السياسية، شغلت أوضاع المحبوسين نوعاً من الجدل في أغسطس/ آب 2019. وبغض النظر عن محتوى ما هو منسوب للمحبوسين، تباينت مواقف معارضي المنفى إزاء تقييم مطالب المحبوسين، فبينما كان اتجاه الشباب والكيانات الصغيرة بضرورة أخذها على محمل الجد، والتوصل إلى تفاهماتٍ لأجل تحسين أوضاعهم، ذهبت حركة الإخوان المسلمين، في البداية، للتشكيك في صحة ما هو منسوبٌ للمحبوسين، وأنها أقرب إلى تسريباتٍ من الأجهزة الأمنية، ثم لاحقاً أوضحت أنها لا تلزم بالبقاء عضواً في الجماعة، أو تقديم التماس للعفو السياسي. يعكس الفارق بين التوجهين جوانب ضعف المعارضة وانخفاض قدرتها على تكوين موقف مشترك، والميل نحو التفكّك، وإنكار المسؤولية السياسية والأخلاقية عن التداعيات اللاحقة للأزمة السياسية.

على أية حال، لقيت مطالب المحبوسين اهتماماً ثانوياً، وخصوصاً مع تسارع احتجاجات سبتمبر/ أيلول 2019، وفيما ظهرت مواقف تتبنّى التوصل إلى تسوية سياسية، عبر تفعيل المادة 241 من الدستور، المتعلقة بالعدالة الانتقالية. كانت استجابة، إبراهيم منير، نائب المرشد العام، 18 أغسطس/ آب على قناة الجزيرة، بأنه يمكن للأفراد التبرؤ من الجماعة وتخليص أنفسهم، فالجماعة ليست هي المسؤولة عن استمرار اعتقالهم، كما أن الانضمام لها اختياري، وقد أثارت هذه الطريقة عاصفة من الانتقادات، كان أهمها متمثلاً في عدم إدراك الجماعة لطبيعة المسؤولية السياسية.

 

وخلال الفترة سبتمبر/ أيلول – ديسمبر/ كانون الأول 2019، ظهر موقفان مختلفان: الأول، حين سكتت الجماعة عن التعليق على احتجاج 27 سبتمبر، فيما كشف توجه بعض المدونين لوصف ما يحدث بكونه استحقاقا خاصا بتضحيات الجماعة، غير أنه مع انتهاء اليوم، ومع فشل الاحتجاج، ظهرت نوعيةٌ أخرى من التعليقات، ترجّح أن فشل الاحتجاج يرجع إلى عدم مشاركة الإخوان وانخفاض الثقة في الداعين إليه.

 

والثاني، حين بدت مسارعتهم في تأييد مقترح ورقة "وثيقة التوافق المصري"، وتضامنهم مع الترتيبات الخاصة بالتظاهر في يناير/ كانون الثاني 2020، وذلك عبر اتصال بين إبراهيم منير والمعارض الجديد، محمد علي. ولعل ما يثير التساؤل هو ما يتعلق بالدوافع وراء تغير موقف "الإخوان" بعد تشكيكهم في قدراته ونياته. قد تكون النقطة المحورية مرتبطةً بأنه بعد وفاة محمد مرسي، تراجع ظهور "الإخوان" وتعليقاتهم على مجريات الأحداث.

 

وبمرور الوقت، صارت الجماعة تواجه نزيفاً سياسيا، بسبب طول فترة أزماتها الداخلية ومع الدولة. وهنا، يشير تثبيت الأحكام على قيادات "الإخوان المسلمين" إلى وصول الأزمة مع الدولة، إلى مستوىً غير قابل للتراجع، فالأحكام الصادرة عن محكمة النقض توطّد تصنيف الجماعة منظمة إرهابية، بما يتيح فرصة عزلها سياسياً، وتجريدها من مواردها المالية، وهي تأتي عملية مترابطة لعزل المعارضة عن السياقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

 

مشكلات نافية للإنجاز

 

بشكل عام، عانت المعارضة المصرية من مشكلتين: تجنب مكوناتها إجراء مراجعة داخلية، وعدم القدرة على تطوير المطالب السياسية. وهنا، يمكن الإشارة إلى أن فقدان الديمقراطية الداخلية ومحدودية الانتشار عوامل حاسمة في انحدار أدائها، ثم توقفها عن العمل. ولعل هذا المناخ شكل الأرضية الملائمة لتعثر مراكمة كتلة حرجة، أو بناء نموذج للتنمية والإصلاح، فعلى مدى سبع سنوات، شكل التخندق التنظيمي واحداً من الملامح المستمرّة للكيانات السياسية، فقد غلب الطابع الثأري على تصرّفات كثيرة. وعادة ما يظهر في مناسبات الأزمات السياسية. قد يعكس ذلك جزئياً حالة فقر الأفكار وندرة التضامن الداخلي. ولذلك ظل الملاذ التنظيمي الحل الوحيد للتعبير عن الموقف السياسي، ولعل هذا ما يفسر انكسار العمل المشترك، واضمحلال فرصة تقديم بدائل حركية أو سياسية. وهنا، ظهر تباين من جانبين؛ دخول التنظيمات في معارك جانبية بسبب الخلاف على الترتيبات الاحتفالية. وبهذا المعنى، خلقت بيئة متنافرة لم تستطع معها بناء صورةٍ ذهنيةٍ تلقى احترام المجتمع. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى توقف نشاط المعارضة على مدى عام مضى، فيما تزايدت خلافاتها الداخلية.

قد تساعد الثقافة السياسية في تفسير الأداء المخيب للآمال، فعلى الرغم من تلاقيها على معارضة الحكومة، فإنها عانت من صراعٍ حول قيادة معارضة السلطة، ما أدى إلى ظهور نوع من ثقافة التخوين، وتغير الولاء لمجرد اختلافٍ في تفسير بعض الحوادث، أو طرح وجهات نظر مختلفة. وقد غطت هذه العيوب على فرصة طرح نماذجها للمجتمع والدولة والتنمية، ومن ثم انصرافها إلى التنافسية الداخلية والدعاية السياسية وعدم التمييز ما بين السلطة والدولة، وروّجت احتمالية سقوط الحكومة بسبب أزمة "كوفيد - 19" أو سد النهضة، ما يمثل ثقافة شموليةً، لا تميز بين مناط الخصومة والعداء.

 

وفقاً للقواعد العامة، يتوقف مستقبل أي عمل سياسي على مدى الاستقلال الذاتي. وفي حالة المعارضة المصرية، يمكن الإشارة إلى ارتكانها الكثيف إلى الدعم الخارجي، بداية من الشكوى لحكومات أجنبية إلى التمويل السياسي. وقد اتضح أن كفاءتها في توظيف هذه الموارد متواضعة للغاية، بسبب الفلتان التنظيمي ونقص الكفاءة في إدراك مصالح الدول، ولعل فقدان بوصلة التحرك الرشيد يرجع إلى غياب المشروع الوطني، حيث ظلت على مدى الفترة ككيانات استهلاكية للشعارات والدعم السياسي للتحوّل إلى عبءٍ على داعميها. وعلى هذا الأساس، تقع المعارضة المصرية تحت عيبين حاسمين: صعوبة إعادة البناء واستمرار تحلل الكيانات المعارضة، و مرورها بحالةٍ من الاغتراب السياسي والأخلاقي.

 

"المصدر: صحيفة العربى الجديد التى تصدر من لندن



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق