إسرائيل..ومبارك..وحسين سالم..جريمة وطنية مكتملة الإركان..قصة تصدير الغاز المصرى إلى إسرائيل (1)

03/06/2020 07:19


د. عبدالخالق فاروق

لقد حصلت إسرائيل وحدها وفقا لتفاهمات ( السادات – بيجين ) ، أو ما سمى أتفاقية السلام المصرية – الإسرائيلية ، على 21.2 مليون طن من الزيت الخام خلال الفترة الممتدة من عام 1981 حتى عام 1990 ( أى بمتوسط سنوى 2.12 مليون طن سنويا ) ، ثم حصلت خلال الفترة الممتدة من عام 1991 حتى العام 2000 على كمية قدرها 16.6 مليون طن ( بمتوسط سنوى 1.66 مليون طن ) ، ثم أنخفضت الكميات المصدرة إليها بعد ذلك إلى حوالى 160 ألف طن سنويا فقط خلال الفترة من عام 2001 حتى العام 2008 (5) ، أى أن ما حصلت عليه إسرائيل من البترول المصرى بعد توقيع ما يسمى " أتفاقية السلام المصرية – الإسرائيلية " ، يقدر بحوالى 39.2 مليون طن ، وهو ما يعادل 20% تقريبا من إنتاج الآبار المصرية حتى ذلك التاريخ .

لقد بدا  واضحا أن هناك إنخفاض ملحوظ وغير مبرر فى إنتاج مصر من الزيت الخام ، حيث أنخفض من 920 ألف برميل يوميا فى عام 1999 ، ثم أخذ فى التناقص والتذبذب نزولا  حتى فبلغ 638 ألف برميل / يوميا عام 2007/2008 ، ليصل إلى 675 ألف برميل / يوميا عام 2011/2012(6) . وهذا الانخفاض فى الزيت الخام لا يمكن فهمه وتبريره مع هذا الزخم الكبير الذى تعبر عنه الزيادة المستمرة فى عدد الأتفاقيات الجديدة مع الشركات الأجنبية والعربية ، ولا مع العدد الكاسح للشركات العاملة فى السوق المصرية للبترول من كل صوب وحدب ، والتى تجاوز عددها 357 شركة ، منها 189 شركة أجنبية ، و111 شركة استثمارية مصرية وعربية بالإضافة إلى 44 شركة مشتركة ، وأخيرا 13 شركة مملوكة للحكومة المصرية حتى عام 2014 (7) .

أما بالنسبة للغاز الطبيعى الذى بدا واعدا بثروة هائلة منذ عام 1994 ، فقد تنبه وزير البترول د. حمدى البمبى (مايو 1991 – أكتوبر 1999 ) فى ذلك الوقت إلى أهمية التعامل مع إحتمالات مبشرة للغاز الطبيعى فى مصر ، فأصدر القرار الوزارى رقم (32) لسنة 1997 لتشكيل لجنة متخصصة داخل الوزارة لبحث شئون الغاز لطبيعى ، الذى تحول بعد تولى الوزير سامح فهمى (أكتوبر 1999- فبراير 2011)  إلى مغارة كبرى ، حيث جرى إدارته بأسلوب أقرب إلى سلوك الجريمة المنظمة وعصابات المافيا ، وشارك فى هذه الجريمة أعلى السلطات فى الدولة المصرية فى عهد الرئيس المخلوع حسنى مبارك ، بداية من الرئيس ذاته ونجليه ، مرورا برئيس جهاز المخابرات العامة ( لواء عمر سليمان ) إنتهاء بوزير البترول ، وبعض قيادات وزارته ، هذا بالاضافة بالطبع إلى عدد من كبار رجال الأعمال وعلى رأسهم الرجل المتعدد المهام والأدوار(حسين سالم) ، الشريك الأكبر للرئيس مبارك فى شبكة تجارة السلاح الدولية منذ عام 1980 ، حينما كان حسنى مبارك نائبا للرئيس السادات (8) .

ومنذ أكتشافاته الأولى عام 1994 ، غابت عن الدولة المصرية فكرة التخطيط ، ورسم سياسات جادة للتنمية الاقتصادية قائمة على دور للدولة فى توجيه الموارد ، وتركت لعوامل السوق تخصيص وتوجيه تلك الموارد ، فلم تجد من وسيلة للتعامل مع هذه الثروة الجديدة ، سوى فكرة التصدير الخام  رغبة فى زيادة موارد النقد الأجنبى ، بدلا من إستخدامه فى توسيع قاعدة الانتاج الصناعى ، وتخفيف العبء عن المواطنين والفقراء من خلال توسيع شبكات توصيل الغاز الطبيعى إلى المنازل فى المناطق الفقيرة والمحرومة ، بدلا من الإختناقات المستمرة والدورية التى تحدثها أنبوبة البوتاجاز ، كما ترك لمصانع القطاع الخاص فى كافة المحافظات إنتاج النسبة الأكبر من أنبوبة البوتاجاز، مما أدى إلى إختناقات متكررة بسبب التلاعب فى الكميات المطروحة فى الأسواق وتسريب جزء كبير منه إلى السوق السوداء ، وتحقيق أرباح طائلة لمافيا إدارة هذه الشبكة الكبيرة من المتلاعبين بهذه السلعة الحيوية (9)

.

أما توزيع الاستهلاك المحلى من الغاز على قطاعات الانتاج المختلفة فكانت على النحو التالى :

                                    هنا جدول

وأندفعت الدولة ، ووزارة البترول فى توقيع عقود تصدير الغاز إلى أكثر من 21 عقدا وبرتوكولا للتصدير، إلى ثمانى دول كانت كلها – دون إستثناء واحد – تؤدى إلى إهدار هذا المورد الحيوى ، وبيعه بأبخس الأسعار كما سوف نعرض فى بعض الحالات والنماذج التفصيلية ، وخصوصا حالات إسرائيل والأردن وأسبانيا وإيطاليا وفرنسا .

فإسرائيل التى تراقب كل واردة وشاردة فى مصر ، ليلا ونهارا ، كانت قد أدركت أن تفاهمات ( السادات – بيجين ) فى موضوع إمدادها بالزيت الخام ، يكاد يقترب من نهايته بسبب تدنى الانتاج المصرى ، وسيطرة رجال المال والأعمال ، والشركات الأجنبية على الحصة الرئيسية فيه ، ومن هنا ، وبمجرد أن بدا فى الأفق ثروة غازية مصرية واعدة من خلال الكشف الغازى الكبير الذى تم بمعرفة شركة ( خالدة ) المصرية فى حقل ( طارق ) عام 1987 ، وتصاعد نبرة التصريحات والصيحات الرسمية المصرية حول هذا القطاع الواعد والمبشر .

وعلى الفور دخلت إسرائيل على الخط ، وبدأت منذ عام 1995 نصب شباك عمليتها الكبرى داخل مصر ، وساعدها فى ذلك كنزها الاستراتيجيى من ناحية ، وملفاتها الهائلة التى أحتوت كافة الأسرار لكبار القادة المصريين السياسيين منهم أو التنفيذيين بما فيهم قيادات قطاع البترول ، وتاريخهم فى تقاضى العمولات والرشى من الشركات الأجنبية ، هذا بخلاف ملفات علاقاتهم الشخصية والنسائية ، كما سهل لها المهمة ، متابعتها للسياسة الحكومية المصرية فى قطاع البترول الذى بدأ منذ عام 1992 ببيع بعض الحقول المصرية العامة إلى مستثمرين مصريين وعرب وأجانب ، بما يشبه عملية خصخصة منظمة وتدريجية فى هذا القطاع ، الذى لا يمكن لعاقل أن يدعى أن الحقول تخسر مثلما هو الحال فى شركات القطاع العام الأخرى .

فكيف تشكلت جماعة المصالح الجديدة فى إهدار ونهب الغاز المصرى لصالح إسرائيل والأردن وغيرهما ؟

نستطيع أن نشير إلى أربعة مكونات أو عناصر شكلت لوبى المصالح الجديد فى هذا القطاع :

الأول : قيادات سياسية مثل الرئيس الأسبق حسنى مبارك و ونجليه جمال وعلاء ، المستشار السياسى للرئيس أسامة الباز ، والسفير المصرى فى إسرائيل ورجل المخابرات السابق محمد بسيونى ، وقيادات أمنية وفرت الغطاء وبثت الرعب لأية عناصر تنفيذية قد تعارض أو تتردد فى تنفيذ الاتفاق مع إسرائيل ، وفى طليعتهم رئيس المخابرات العامة المصرية " اللواء عمر سليمان " ( أنظر الوثيقة رقم 8 والوثيقة رقم 9) .

الثانى : رجال مال وأعمال ذو صلات عميقة بالقيادات السياسية والأمنية وفى طليعتهم " حسين سالم " رجل المهام السرية المالية والاستخبارية والصديق الصدوق لرئيس الجمهورية حسنى مبارك وأنجاله (10) .

الثالث : قيادات فى قطاع البترول والغاز وبعض الشركات الأجنبية والمشتركة  وفى مقدمتهم الوزير سامح فهمى الذى جىء به وزيرا فى أكتوبر عام 1999 لسابق تعاونه الحميم مع الإسرائليين فى مجال البترول .

الرابع : قيادات أمنية ورجال أعمال فى إسرائيل ، ومن أبرزهم الجنرال (شبيتاى شافيط) رئيس جهاز الموساد السابق ، ورجل الأعمال (يوسى مايمان) ، و( د. نمرود نوفيك ) نائب رئيس مجموعة شركات ( مرهاف ) المملوكة لرجل الأعمال ( يوسى مايمان ) .

فكيف جرت هذه العملية المعقدة والتى ترتب عليها أسوأ إتفاقيات فى تاريخ قطاع البترول فى مصر ، خسرت البلاد بموجبه ما 30.0 مليار دولار  منذ عام 2002 حتى عام 2012 ؟ أما إسرائيل التى بدأ توريد الغاز المصرى إليها فعليا عام 2008 ، فقد خسرت مصر ما يقارب 3.98 مليار دولار حتى عام 2012 حينما توقف التصدير عبر أنابيب سيناء بسبب الظروف القاهرة .

أنتهى الجزء الأول ويتبع غدا



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق