الدكتور محمد المهدى ..يكتب: وصمة كورونا .. محنة فوق المرض

05/05/2020 10:47


د. محمد المهدى

كم يعاني من يصاب بكورونا من الوصمة والعزل الإجتماعي وربما النبذ الإجتماعي , وهذا لا يتوقف عند المصاب بل حتى يطال المشتبه في إصابته , ولا يتوقف الأمر عن الحي فقط بل يطال الميت الذي فقد القدرة على العطس أو الكحة ( وهما وسيلتا العدوى الأساسية ) , ولا يتوقف الأمر عند ذلك بل إن أي شخص لديه كحة أو رشح أو عطس أصبح يثير الفزع بين الناس فيبتعدون عنه ويتوجسون منه خيفة على الرغم من هذه الأعراض كثيرة الإنتشار حيث نصاب جميعا كبشر بعدة نزلات برد أو انفلونزا عادية خلال العام خاصة في فصل الشتاء وفي الإنتقال بين الفصول . وبعد أن كنا نرى هلع الإصابة بكورونا أصبحنا نرى أيضا هلع وصمة كورونا يطارد الكثير من الناس الذين ربما لا يخشون وطأة المرض بقدر ما يخشون عار الوصمة .

وبلغت الوصمة أن رفض أهالي قرية "شبرا البهو" دفن الطبيبة " سونيا عبدالعظيم" لاشتباه إصابتها بالكورونا وهي تؤدي واجبها في رعاية المرضى في أحد المستشفيات (على الرغم من أن أهلها ذكروا أنها كانت قد تعافت من كورونا وماتت لأسباب أخرى) , ولم يتمكن أهلها من دفنها إلا تحت حراسة الشرطة . وطالت الوصمة العاملين في الفريق الطبي والتمريض , فكثيرين منهم كانوا يعانون من مخاوف أقاربهم وجيرانهم ومعارفهم منهم خاصة أو لئك الذين يتصل عملهم بمصابي كورونا , فكانوا لا يستطيعون العودة إلى منازلهم خوفا من أن ينشروا العدوى لأسرهم , وكان جيرانهم يرفضون دخولهم العمارة خوفا من نشر العدوى .

والوصمة أو السمةهي الرفض الاجتماعي الشديد لشخص أو مجموعة من الناس وذلك لأسباب اجتماعية مميزة مقبولة عند الغالبية ، بحيث أن فاعل الأمر المسبب للوصمة يكون موسوماً بها، ومميزاً عن باقي أفراد المجتمع. ويمكن للوصمة الاجتماعية أن تنشأ من مدى إدراك مفاهيم اجتماعية مثل الاضطراب النفسي والإعاقة وأمراض مثل الجذام ، بالإضافة إلى التوجه الجنسي، ولون البشرة، ومدى التدين، ودرجة التعلم وغير ذلك. والأصل في هذه الكلمة العلامة أو الوصمة التي كانت توضع على العبيد لتمييزهم .

ويمكن للوصمة الاجتماعية أن تكون على ثلاثة أشكال وذلك حسب تصنيف عالم النفس إرفنغ غوفمان:

1. التشوهات الخارجية أو الظاهرة مثل الندبة، أو الجذام أو البدانة أو النحولة المرضية.

2. انحرافات في سمات الشخصية مثل الاضطرابات النفسية أو إدمان المخدرات و الكحول، بالإضافة إلى وجود سجل إجرامي.

3. وصمات عار قبلية، وهي التي يخرق فيها فاعلها عادات وتقاليد، سواء تخيلية أو حقيقية، ضمن القبيلة أو المجموعة العرقية أو الجنسية، كما يحدث ضمن أتباع الديانات.

 

وقديما عرفنا وصمة أمراض مثل الجرب والجدري والجذام والكوليرا والطاعون وغيرها , ولكنها لم تأخذ مساحة وصمة كورونا , ربما لأن طرق انتقال كورونا أكثر وأسرع , كما أن البث الإعلامي ليل نهار , وإعلان عدد الإصابات وعدد الوفيات في كل بلاد العالم وفي كل لحظة , شكل حالة من الرعب الشديد لدى الناس فأصبحوا يتوجسون من أي شخص يحتمل أن يكون مصابا فيدفعهم خوفهم إلى الإبتعاد عنه أو نبذه اجتماعيا .

ولنا أن نتخيل قدر المعاناة والألم النفسي الذي يشعر به شخص تم عزله أو نبذه اجتماعيا , ويفر منه أقرب الناس إليه , ولا يطمئنون لوجوده أو التعامل معه حتى بعد انتهاء فترة الحجر , وحتى بعد ثبوت سلبية التحاليل لديه , وكأنه أصبح مقترنا بكورونا اقترانا لا ينفك في وعي من يعرفه من الناس .

ومن عوامل الوصمة أن أصبح يذكر اسم المصابين من المشاهير أو أصحاب المكانة الوظيفية أو العلمية في وسائل الإعلام , وهذا يحيط الشخص بدوائر متسعة من الوصمة , إذ لايقتصر الأمر على ابتعاد الناس عنه بل عن أسرته ومكان عمله ومعارفه والأماكن التي تردد عليها .

والوصمة لا تتوقف عند الأفراد أو السر المصابة , بل قد تمتد إلى بعض الشوارع أو الأحياء أو القرى أو البلدان أو المدن التي ظهرت فيها إصابات كثيرة , فقد لحقت بالصين وصمة في بداية الوباء , ثم انتقلت إلى إيطاليا وأسبانيا وفرنسا وانجلترا وأمريكا , وأصبح الكثيرون يخشون من التعامل مع سكان هذه الأماكن أو موااطني هذه الدول .

والوصمة تزداد كلما زاد الجهل بالمرض وطرق انتقال عدواه والإجراءات الإحترازية اللازمة لتفادي العدوى وتزداد مع التهويل في تصوير مخاطر المرض أكثر مما ينبغي وكأن كل من يطاله فيروس واحد سيصبح في عداد الأموات , وهذا غير صحيح , إذ أكثر من يصيبهم هذا الفيروس ( 85% أو أكثر) لن يحدث لهم شئ

, بل ربما لايشعرون بأعراض , وإذا شعروا ستكون أعراض بسيطة مثل الإنفلونزا أو دور البرد , وتمر بسلام وينتصر جهاز المناعة على هذا الفيروس ويكتسب الجسم مناعة ضده , ويحتفظ جهاز المناعه في ذاكرته بالشفرة الجينية للفيروس فيهاجمه فور محاولة دخوله مرة أخرى ويكون انتصاره عليه أسرع وأقوى .

والوصمة مرتبطة بدرجة الخوف والهلع من المرض , خاصة وأنه لايوجد لقاح أو مصل أو علاج له حتى الآن , فإذا وجدت هذه الأشياء , وقلّ الخوف من المرض تراجعت الوصمة . وهناك احتمال آخر لتراجع الوصمة , وهو أن يصاب بالفيروس أعداد كبيرة من البشر على مدى زمني معقول ويكتسبون المناعة ضده , ولم يعد يشكل خطرا كبيرا على المجتمعات أو على المؤسسات الصحية .

ومن أجل التعامل ومعالجة الوصمة الاجتماعية ، من المهم بناء الثقة في الخدمات والمشورة الصحية التي يمكن الإعتماد عليها ، وإظهار التعاطف مع الأفراد المصابين والمتضررين واعتماد تدابير واجراءات عملية فعالة للحفاظ على سلامة الناس. وتوصى منظمة اليونيسف بالإجراءات والتدابير التالية لمعالجة الوصمة الاجتماعية :

• استخدام لغة الناس الأولى (أي إحترام الناس وعدم الحط من قدرهم) ، التي تحترم الفرد وتتحدث عن المرض عن طريق استخدام نبرة إيجابية في جميع قنوات ووسائل الاتصال والتواصل، بما في ذلك وسائل الإعلام ، مثل:

o عدم إرفاق العرق والجنسية أو المواقع بالمرض ، مثل "فيروس ووهان" أو "فيروس آسيوي" واستخدام الاسم الرسمي فقط - مرض فيروس كورونا 2019 (COVID-19)

o استخدام مقولات مثل "الأشخاص الذين لديهم مرض فيروس كورونا 2019 " بدلاً من استعمال جمل مثل "حالات مرض فيروس كورونا 2019" أو "ضحايا مرض فيروس كورونا 2019" أو "المشتبهين بإصابتهم بمرض فيروس كورونا 2019"

o استخدام مصطلحات مثل ، "اكتساب" أو "التصاق العدوى" بمرض فيروس كورونا 2019 بدلاً من استعمال مصطلحات مثل، نقل "مرض فيروس كورونا 2019" أو "إصابة الآخرين" أو "نشر الفيروس" لأنه قد يحمل معنى ضمني بأنه فعل مقصود أو على انتقال مقصود ويلمح باللوم

o عدم استخدام المصطلحات التي تجرم أو تحط من قدر الإنسان وتجرده من إنسانيته بطريقة تخلق انطباعًا بأن الأشخاص المصابين بالمرض قد ارتكبوا امرا خاطئًا وشنيعا؛ الأمر الذي من شأنه ان يغذي إزدياد الوصمة

o التحدث عن الحقائق حول مرض فيروس كورونا 2019 بدقة ، بحيث يكون بناءً على البيانات العلمية وأحدث النصائح الصحية الرسمية

o عدم تكرار أو مشاركة شائعات غير مؤكدة ، وتجنب استخدام مصطلحات مبالغ فيها مثل "الطاعون" أو "الوباء" أو "نهاية العالم" للدلالة على أو لوصف الجائحة

o التأكيد والتشديد على فعالية تدابير وإجراءات الوقاية والعلاج ، بدلاً من التركيز على السلبيات أو على رسائل تتسم بالتهديد.

• نشر حقائق دقيقة ومحدثة ، مثل:

o استخدام لغة بسيطة وتجنب المصطلحات الطبية العلمية المعقدة التي من الصعب فهمها من قبل عامة الشعب

o إشراك الأشخاص الذين يعتبروا مؤثرين إجتماعيين ، مثل الزعماء الدينيين أو السياسيين والمشاهير، من أجل تضخيم الرسالة وزيادتها بطريقة جغرافية وثقافية مناسبة

o تضخيم قصص وصور وأخبار تتعلق بالسكان المحليين الذين استعادوا صحتهم وعافيتهم بعد إصابتهم بمرض فيروس كورونا 2019، أو قصص وأخبار عن أشخاص دعموا أحد أحبائهم خلال التعافي والشفاء من المرض

o تصوير وتمثيل الجماعات العرقية المختلفة ، واستخدام الرموز والأنماط المحايدة التي لا توحي أو تشير لأي مجموعة عرقية معينة

o ممارسة الصحافة التي تتميز بالأحترافية و الأخلاقية: التقارير التي تركز بشكل مفرط على مسؤولية المريض يمكن أن تزيد من وصمة العار للأشخاص الذين قد يعانون من المرض. الأخبار التي تتكهن أصول مصدر مرض فيروس كورونا 2019 في كل بلد أو دولة، على سبيل المثال ، يمكن أن تزيد من الوصمة الإجتماعية تجاه هؤلاء الأفراد.

o الارتباط والتواصل بالمبادرات الأخرى التي تعالج وتتعامل مع الوصم الاجتماعي والقوالب النمطية والأفكار المسبقة

o قم بتصحيح التصورات الخاطئة ، مع الاعتراف والفهم أن مشاعر الناس وسلوكهم اللاحق حقيقي، حتى ولو كانت افتراضاتهم الكامنة خاطئة.

o شارك الأخبار والقصص التي يسودها التعاطف والتي تضفي صفة إنسانية حول كفاح الأفراد والجماعات المتأثرة بالمرض

o إظهار وتوصيل الدعم للعاملين المتواجدين في الخطوط الأمامية لمكافحة المرض

 

ومن الضروري التوعية بمخاطر الوصمة لأنها لا يتوقف ضررها على الجرح النفسي والمعنوي للشخص الموصوم , وإنما هي تجعل الكثيرين من المصابين أو المشتبه في إصابتهم لا يعلنون عن مرضهم ولا يطلبون المساعدة حتى لوتدهورت حالتهم خوفا من الوصمة والنبذ الإجتماعي .



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق