الأديب والمفكر الإسلامى إبراهيم عوض..يكتب: على هامش تفسيرى لسورة"لقمان"

21/04/2020 09:08


د. إبراهيم عوض

فى موقع "الحوار المتمدن" عثرت على مقال بعنوان "امثال لقمان الحكيم في القران مقتبسة من الوثنية" لشخص اسمه صباح إبراهيم جاء فيه:" لقمان الحكيم شخصية تراثية غير اسلامية، اصل قصصه واقواله جاءت من التراث الاشوري الاسطوري القديم، اقواله تعود الى شخصية تدعى احيقار الحكيم. ترجع الى عهد الملك سنحاريب 705 - 685 ق. م. كان احيقار الحكيم عبدا حرره الملك سنحاريب لحكمته، و اصبح مستشارا للملك والكاتب الشخصي له. كان احيقار يعلم ابنه بالتبني الحكم والامثال.

جاء في التراث السرياني ان ابنه اسمه نادان، كتبه العرب خطأ بأسم ناران لعدم معرفتهم الجيدة في اللغة السريانية. خبير المخطوطات الشرقية القديمة الاستاذ محمد المسيّح يعتبر لقمان الحكيم واحقيار الحكيم شخصية واحدة بسبب تشابه الحِكَم والاقوال التي ذكرت عن الاثنين.

الأقدم تاريخيا يكون هو الاصح وجودا. من الامثال التي وردت باللغة السريانية عن احيقار الحكيم الاشوري: يا بني انظر بعينيك الى اسفل واخفض صوتك، وتطلع الى تحت، فإنه لو كان المرء يستطيع ان يبني بيتا بالصوت العالي المرتفع لكان الحمار يستطيع ان يبني دارين في يوم واحد. هذا الكلام سمعه محمد رسول الاسلام، وصاغه بعبارة مماثلة وجعله آية من رب العالمين...

من الشخصيات الاخرى المنسوب له هذه الامثال والحِكَم هو الحكيم اثيوبوس من التراث الاغريقي. كان اثيوبوس عبدا يخدم في بلاط ملك اثيوبيا، وكان يكتب الامثال والحكم، وخاصة قصص الاطفال المشهورة لحد الان.

الاستاذ محمد المسّيح يقول ان الشخصيات الثلاثة لقمان الحكيم و احيقار الحكيم الاشوري والحكيم الاثيوبي اثيوبوس هم شخصية واحدة من التراث الاشوري الاسطوري لتشابه الامثال والحكم التي ذكرت عن الثلاثة وأقدمهم هو احيقار الاشوري. انتقلت حكمه وامثاله الى الاقوام الاخرى واستبدلت بعض الاسماء و الكلمات فيها الى اسماء جديدة و تم تحويرها بما يناسب الثقافات في البيئة الجديدة. فكل ما جاء في القرآن من حكم وأمثال لقمان الحكيم ما هي الا مقتبسة من التراث الاشوري القديم عن احيقار الحكيم. اليس هذا دليلا عن ان مصادر القرآن هي من اساطير الاولين؟".

والآن سأفترض أن كل ما جاء فى هذا النص صحيح، فما وجه المشكلة فى أن يورد القرآن حكاية لقمان (أو إيسوب أو أحيقار)؟ هل قال محمد إن هذه أفكارى؟ لا لم يقل، بل ذكر القرآن بكل بساطة أن هذه الأقوال هى للقمان نصح بها ابنه. ولأنها تتسق مع قيم الإسلام فى التواضع واللياقة العالية الجميلة

فى التصرف والكلام أوردها القرآن. فأين تكمن السرقة هنا؟ إن الكاتب لا يعى ما يقول بل يرمى بالألفاظ كيفما اتفق.

وواضح أنه غير منضبط العقل والفهم، وإلا ما قال الذى قاله ولا طنطن به. كذلك فهو يهرف بما لا يعرف، إذ وصف أقاويل لقمان بأنها أمثال، وهى ليست أمثالا بل مواعظ كما قال القرآن الكريم. وللأمثال تعريف محدد لا ينطبق على كلام لقمان. وعلى نفس الشاكلة نراه يطلق على ما جاء فى القرآن فى هذا الموضوع: "أساطير الأولين" فى الوقت الذى يورد عن قائله أخبارا تاريخية حقيقية، فهو أحيقار الحكيم الذى كان متصلا بالملك الأشورى الفلانى... إلخ، وهو ما يدل على أنه يراه شخصا حقيقيا لا أسطوريا. لكن كما قلت: هو يهرف بما لا يعرف ويرمى بالكلمات كيفما اتفق. ثم هو يقول إن أقوال لقمان مقتبسة من الوثنية. فأين الوثنية يا ترى فى الحض على الإيمان بالله وإقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والصبر على البلاء والتواضع واطراح الغرور وغض الصوت؟ ألم أقل: إن الكاتب يهرف بما لا يعرف؟ ثم هو بعد ذلك كله لم يأت بشىء مما يراه مسروقا من التراث الأشورى سوى نصيحة غض الصوت، وأضاف إليها غض البصر مما لا وجود له فى نص القرآن الكريم، وترك كل ما قاله لقمان فلم يتعرض له.

ومع هذا فهذه النصيحة تختلف عما فى القرآن: ففى القرآن أن العبرة ليست بعلو الصوت، وإلا فصوت الحمار عال، ومع هذا فعلوه لا ينفى قبحه وإيذاءه للآذان. أما فى التراث الأشورى حسبما قال فهو أن بناء دار لا يمكن أن يتم بالصوت العالى، وإلا لكان بمقدور الحمار أن يبنى بيتين فى يوم واحد. والأمران مختلفان اختلافا تاما كما نرى.

وهو يقول إن أقاويل أحيقار الأشورى انتقلت إلى الأمم الأخرى فحورت فيها وغيرت. فليكن. فبحسب كلامه لقد وصلت أقوال أحيقار إلى لقمان وانتهت على لسانه إلى شىء آخر، فنقلها القرآن عن لقمان كما قالها لقمان. والقرآن ليس بحثا فى الأدب المقارن عليه أن يتتبع مصدر هذه الأقوال ورحلتها عبر التاريخ بل يورد أحيانا ما يتسق مع قيمه ومبادئه الكريمة. ولا ننس ما قلته آنفا من أن الكاتب لم يورد من كلام أحيقار سوى كلامه عن غض الصوت، وهو مختلف عما فى القرآن كما لمسنا بأنفسنا. فلم إذن كل تلك الجعجعة السمجة التى أزعجنا بها ذلك الكاتب المفتقر إلى النضج العلمى والعقلى والذوقى؟



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق