الأديب والمفكر الإسلامى إبراهيم عوض..يكتب: تعليقات على سورة "الفلق":

22/03/2020 11:05


د. إبراهيم عوض

"الفَلَق" هو نور الصباح، الذى ينفلق عنه ظلام الليل. فالنور هو الأنس والراحة والاطمئنان، وكم من مسهد قلق ينبو جنبه عن الفراش ولا يواتيه النوم من شدة القلق والوساوس والتشاؤم ما إن يطلع النهار حتى تسكن نفسه ويرنق فى عينيه النوم وينال قسطه من الراحة ويزول عنه القلق والتشاؤم وتذهب عنه الوساوس التى كانت تحيل ليله عذابا وشقاء.

من شر ما خلق: والشر فى الدنيا كثير ومتنوع، فهناك شرور البشر، وهناك شرور الحيوانات المفترسة، وهناك شرور الأمراض والمكروبات والجراثيم والفيروسات، وهناك شرور الفلسفات والأفكار والعقائد الضالة المضلة، وهناك شرور الحقد والتخذيل والكسل والجهل والبلادة والخيانة والشك والقلق واليأس والتشاؤم والشائعات الضارة.

والغاسق إذا وقب هو الليل والظلام إذا انتشر فى الآفاق. ذلك أن الليل مظنة العثار والاصطدام بألوان من الأذى لا نراها. وفيه يكمن العدو لعدوه فلا يستطيع أن يتقيه. كما أنه يزيد القلق والتوجس والتشاؤم قوة وهولا، وتتضخم فيه مشاعر الوحشة والعزلة.

أما النفاثات فى العقد فإن كان المقصود بهن الساحرات على ما كان الناس قديما يعتقدون فالمقصود هو الرد على دعواهن القدرة على إيقاع الضرر بالآخرين عن طريق السحر الذى يزعمون ممارسته رغم أنه ليست له فى الواقع حقيقة، فكأنك تقول: فليكن الأمر كما تزعم أولئك النفاثات فى العقد، فأنا أستعيذ بالله منهن ومن شرهن، وأفوض أمرى إلى الله: كناية عن اللامبالاة بهن والاحتقار لهن وإعلان تكذيبك لما يزعمن. وقد كان هناك فى مصر سحرة استعان بهم فرعون، وذكر القرآن ذلك، ولكن ذكر فى نفس الوقت أن السحر مجرد تخييل وأنه باطل وأن الساحر لا يفلح أبدا. فهذا مثل هذا.

وشر الحاسد هو ما يدفعه إليه الحسد من محاولة الإضرار بالمحسود لتفوقه عليه أو تمتعه بنعمة من الله لا يتمتع هو بها، وبدلا من السعى لاكتسابها نراه يسعى لعرقلة المحسود أو لإيذائه، وربما قتله إذا لزم الأمر وهاجت عقارب شره. وقد كان الحسد سببا فى قتل ابن آدم لأخيه لأن الله تقبل من أخيه قربانه ولم يتقبل منه هو. وقد علق الله سبحانه شر

الحسد على هيجان الحسد فى نفس صاحبه، أما إن كمن الحسد ولم يتحرك فى النفس لم يكن هناك شر. والحسد شعور طبيعى جدا، لكن الفرق إنما يكون بين حسد وحسد: فحاسد يسيطر على مشاعره ويكفكف من غربها وشرها، وحاسد يتخذ من حسده سلما إلى الاجتهاد والعمل الدائب كى يصل إلى ما وصل إليه محسوده إن لم يتفوق عليه، وحاسد يترك حقده يستشرى ويحرق من يحسدهم ويحرق قلبه أيضا معهم، إذ الحاسد لا يرتاح أبدا لأنه مهما فعل لا يمكنه أن يمنع تفوق الآخرين عليه. وقد يسمى الحسد الحسن: غبطة.

وقد تحدَّث عنه الرسول عليه السلام قائلا: "لا حسد إلا فى اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلّطه على هلكته فى الحق، وآخر آتاه الله حكمة فهو يقضى بها ويعلمها". والمعنى أنه لا ينبغى أن يحسد الواحد منا الآخرين إلا فى عمل الخير بحيث ننافسهم ونعمل مثلهم أو نتفوق عليهم. وليس معنى الحديث أن هذين هما المثالان الوحيدان للحسد الممدوح، بل كل من يجتهد ليلحق بأى متفوق فى أى ميدان نتيجة لشعوره بالحسد، أى بالضيق لأن أحدهم قد تفوق عليه، فإنه يضاف إلى هذين المثالين.

والحسد شىء، والعين شىء آخر، وليسا شيئا واحدا كما يظن معظم الناس. الحسد حق، ولكن العين الضارة بمجرد النظر أو النطق ببعض الكلمات لا حقيقة لها، إذ الكون قائم على نظام صارم وقوانين معلومة، ولا يمكن أن تتغير هذه القوانين بألفاظ تقال أو نظرات توجه ناحية المحسود، وإلا لكانت الدنيا قد خربت منذ البداية، إذ الناس لا يكفون طول الوقت عن النظر بحقد إلى من هو أحسن منهم أو عن التلفظ بألفاظ السخط والمرارة عنه.

كذلك لو كانت العين حقا كما يظن كثير منا ما بقى على ظهر الأرض متفوق فى أى مجال لأن الحساد الذين يصوبون عيون الحقد نحوه وينالونه بالكلام الممرور لا يُعَدُّون ولا يُحْصَوْن. لكننا ننظر فنجد المتفوقين يملأون الدنيا ولا تؤثر فيهم عين ولا ألفاظ، ولكن قد تؤثر فيهم المؤامرات التى تحاك لهم، والشائعات التى تعمل على هدمهم، والوشايات التى تتغيا الإطاحة بهم.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق