الدكتور محمد المهدى..يكتب: فقه الأزمات وإصلاح النفوس

16/03/2020 10:50


د. محمد المهدى

تتوالى الأخبار عن إغلاق المساجد ودور العبادة أمام المصلين لتلافي انتشار العدوى بفيروس كورونا , وهذا أمر يقره العقل والشرع في مثل هذه الظروف , ولكن لانجد في المقابل نشاطا دعويا دينيا مكثفا يقود الناس إلى الطريق الصحيح من وجهة النظر الدينية في مثل هذه الظروف , فالبلاءات الكونية لا تواجه فقط بالإجراءات الطبية الإحترازية أو العلاجية أو الوقائية رغم أهميتها وضرورتها , ولكنها تواجه أيضا بالتطهر الروحي للبشر ,

فالكوارث والأزمات الكبيرة التي تهدد سلامة الناس وأمنهم لها وجه آخر وهو مساعدة الناس على مراجعة أنفسهم والإستبصار بأخطائهم وخطاياهم ومظالمهم وتجبرهم وطغيانهم , وبمعنى آخر تسهيل عمليات التطهر الروحي للبشر , وهذا نفهمه من الآيات الكريمة : " ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون * فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ماكانوا يعملون * فلما نسوا ماذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون * فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين " (الأنعام 42-45) ,

هذه الآيات في مجموعها تشكل فهما عميقا لمعنى الإبتلاءات والأزمات , لذا نحتاج من علمائنا الأجلاء الخروج إلى الناس عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي ليأخذوا بأيديهم في رحلة تضرع إلى الله وتطهر روحي وانضباط سلوكي , وخاصة أن نفوس الناس تكون مهيأة لتلك الرسائل الروحية وهم تحت تأثير الخوف وتحت

تأثير الحجر والحظر والعزل الإجتماعي , وهي فرصة ذهبية للتغيير النفسي والإجتماعي والروحي , لأن الناس وهم في حالة الرفاهة والسلام والأمن لا يستمعون إلى تلك الآيات والمواعظ والتوجيهات بل يكونون في حالة كبر وغرور وإنكار لذيذ ولا يهمهم إلا اغتراف الملذات والسعي نحو المزيد , وتسكرهم مكاسب الدنيا وشهواتها , أما الآن وهم جالسون في بيوتهم حذر الموت فتكون أفئدتهم أكثر قبولا للموعظة وعقولهم أكثر قبولا للتغيير . وإذا نجحنا في ذلك فسنتجاوز الأزمة بإذن الله ونخرج منها بعائد سلوكي أيجابي عظيم , وتتحول المحنة إلى منحة .

وهناك آية أخرى في سورة البقرة تساعدنا في اجتياز المحن والأزمات , يقول تعالى : " ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون " (البقرة 155-157) , وفي هذه الآيات أدوات تأكيد عديدة على حتمية البلاء في الكلمة الأولى "ولنبلونكم" وفي تفصيل مواطن البلاء , أما كلمة "بشئ" فهي تحمل بشرى أن الإبتلاء يكون جزئيا , وهذا يعطي أمل في السلامة , فالأصل في الحياة السلامة وليس الهلاك , ثم تأتي البشرى للصابرين على البلاء , الذين يسلمون أنفسهم لله ويوقنون بالرجوع إلى رحابه الطيبة , هنا تتنزل صلوات ربهم ورحمته وهدايته عليهم . من هنا يأتي الصمود ورباطة الجأش في وجه الكوارث والمحن مهما عظمت .



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق