الكاتبة الإردنية إحسان الفقية..تكتب: يوم جثا لابن عمه الأمير… «حكاية طاغية»

10/03/2020 09:23


إحسان الفقية

■ يقال إن النمرود أتى المنجمين فحددوا له شهرًا معينًا في سنة بعينها يولد فيه مولود، يكون زوال ملكه على يديه، فلما جاء هذا الموعد حبس كل امرأة حُبلى، وجعل يقتل كل مولود في هذا الشهر.

 

ورأى فرعون مصر رؤيا فُسرت له بأنه يُولد في بني إسرائيل، ولد يكون هلاكه على يديه، فأمر بقتل المواليد الذكور، ثم أمر بأن يقتلهم عامًا ويكُفّ عامًا، ليجد وقومه من يخدمهم. ولا يزال المستبدون والطغاة من الحكام على مرّ التاريخ يعيشون في هلع على العروش، فكما أن للسلطة نشوة فلها كذلك تبعة، وهي هواجس زوال السلطة وزحف الطامعين إليها.

  

ومن أجل إزالة خوف المستبدين، كان كتاب «الأمير» لمكيافيللي هو دستورهم، يستبيحون فعل العظائم في سبيل الحفاظ على التيجان، وتدور عجلة الزمان، ويخرج حجاجٌ ثقفي جديد في أرض تحتضن مهبط الوحي، وتضم بقاعًا مقدسة، أمير ذو طموح جامح، صار له ختم الملك في حضرة أبيه الهَرِم، وعلى سمعه وبصره، فدانت له البلاد، وأذل العباد، يُنفذ حرفيا تعاليم الكتاب المقدس للطغاة، فتارةً هو جزارٌ يقطع أوصال المعارضين، وتارة أخرى هو سجّان يزجّ بالمخالفين خلف القضبان، يُكمم الأفواه ويجيع البطون، يعبث بثروات البلاد إنفاقا على ملذاته، بينما يفرض التقشف على رعيته. التمس تأمين عرشه في رضا أشقر بيتٍ أبيض ذي تاريخٍ أسود، وحتى ينظر إليه بعين الرضا ويُلقي عليه عباءة الحماية، بدّل الأمير الهوية، وغرّب الرعية، ودفع الجزية، وعادى الصديق، وصادق العدو. أودع الأمراء والوجهاء القريب منهم والبعيد السجون بحجة القضاء على الفساد، وصادر أموالهم التي هي مصدر قوتهم، حتى يتسنى له أن يدق صدره بيده ويقول: أنا ربكم الأعلى.

 

كان بالأمس جاثيا على ركبتيه يلثم حذاء ابن عمه ولي العهد، وهو يستلم مكانه، بعد أن حاك في جنح الظلام خطة لإرغامه على التنحي، فاستعرض أمام العدسات ما يُظهر للعيان، أن صنيعه حُسنَ خلقٍ، وتوقيرًا للكبير، بينما هو يزرع تحت أقدامه اللغم، يفجره لاحقا عندما تساوره مخاوف النماريد والفراعين: مخاوف زوال العرش. لكن ذلك كله لم يكن كافيا لتبديد مخاوفه على العرش، لابد من إسكات هذه الهواجس، ففكّر وقدّر، وأعانه شيطان رجيم أوعز إليه أن يبطش بذوي القربى ويقطع الأرحام، حتى لا تتجرأ أعينهم على التطلع إلى المُلك فيصلون إليه قبل أن يُنصَّب رسميا على عرش البلاد، فاستفاقت الرعية على نبأ عظيم. لقد بحث الأمير عن أقرب أفراد العائلة المؤهلين لأن يمسكوا بزمام الأمور، فأصدر أوامره للزبانية أن يعتقلوا عمه شقيق والده، وابن عمه الذي قبّل قدمه من قبل،

ونسج لهما من خيوط ظلمه ما يعد اتهاماً بالخيانة العظمى، وتدبير الانقلاب على المَلك وولي عهده، وهي تستوجب معها القتل أو قضاء بقية العمر في السجون، ولم يكتفِ بذلك، بل قبض على زمرة من رجال الجيش والأمن يظن أنهم موالون لضحاياه.

 

 

كل ذلك يتم رغم أن كلًا من العم وابن العم لم يظهر عليهما ما يدل على اعتزامهما تحدي ولي العهد ومنازعته في منصبه، فكلاهما وإن كره حكم الأمير المتهور، إلا أنه يعاني تضييق الخناق وصرامة المراقبة وفرض القيود عليه. كل تفسيرٍ لصنيع الأمير جادت به قريحة المُخرّصين، لا يمكن له أن يطغى على الحقيقة الواضحة كالشمس في رابعة النهار، الفتى الذي استبد به الطموح، يُغلق في وجه الجميع كل الطرق المؤدية إلى روما، كل الطرق المؤدية إلى العرش، ويبث رسالة مكيافيللية بأن هذا مصير كل من تُسول له نفسه التفكير في السطو على مقاليد الحكم في البلاد، أو يطرح نفسه بديلا لولي العهد. لا حاجة بالأمير إلى أن يلزم حدود المنطق والعقلانية، والالتزام بتقديم التفسيرات المقنعة لشعبه، وكما قال بعض الخبراء في أحوال المستبدين: «المستبدون لا يعوزهم اختلاق الحجج لتبرير جرائمهم، وليس قلب الحقائق بالأمر العسير على من يريد سفك الدم الحرام».

 

 

كلما تعاظم فشل الأمير وازدادت الأمور تعقيدا، تخبط وارتجل واشتد ضراوة في التعامل مع رعيته خوفًا على سلطانه، وحذرًا من استغلال ضعفه وفشله للإطاحة به. قام الأمير بحملته الضارية في وقت تغرق فيه البلاد في الأزمات:

*فشل في تأمين حدوده، بعد تسيير الجيوش وإرهاق خزانة الدولة في الإنفاق عليها، فغدت ثروة النفط في بلاده مُستهدفة مُهدّدة..

*دخلت البلاد في عهده الرشيد بأزمة اقتصادية، هبطت معها عائدات النفط واتسعت رقعة الفقر..

*تفنن في خسارة الأصدقاء الذين كانت تربطهم بدولته علاقات قوية يستفيد منها الطرفان..

*أمعن في تلويث سمعته الحقوقية، بتكميم الأفواه وتصفية الخصوم، حتى أزكمت فضائحه أنوف الناس في أقصى الأرض وأدناها..

 

 

*أثار استياء قطاعات واسعــــة من شــــعبه بسياساته التي تتجه بالدولة إلى التخلي عن شكلها المتدين المحافظ.

إنها قصة قصيرة لأمير تسوقه طموحاته الجامحة، غير أنها ليست النهاية، فهناك من ينتظر أن يخرج من قصر الأمير وذويه «موسى» يُقوّض مُلْكه، وهناك من ينتظر بعوضة النمرود على ضعفها تطيح بظلمه، فكما قيل في طبائع الاستبداد: «لا يفرحنَّ المستبدُّ بعظيم قوَّته ومزيد احتياطه، فكم من جبّارٍ عنيدٍ جُنِّد له مظلومٌ صغير»، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق