(المتمثلون)... رواية لإسماعيل بهاء الدين سليمان - قراءة لغوية

09/03/2020 04:51


د. إبراهيم عوض

(المقال مهدى لدار الفؤاد ولصالون سالمينا وللكاتب وللسادة الحضور، وأ. أحمد ربيع... مع اعتذارى عن عدم الحضور لظروفى الخاصة هذه الأيام)

 

أهدانى صالون "سالمينا" مشكورا رواية للكاتب إسماعيل بهاء الدين سليمان بعنوان "المُتَمْثَلون"،والمقصود بهم الناس الذين صُيِّروا تماثيل أو أقيمت لهم تماثيل. وهى رواية عجيبة أشد العجب، فهى كما وصفها مؤلفها: "فانتازيا واقعية جدا"، وإن كنت لم أقرأها كلها بل قرأت فقرات غير قليلة منها قراءة لغوية لما وجدت فيها من أسلوب قوى قليل الأخطاء على خلاف ما هو شائع الآن بين كثير من كتاب المرحلة الحالية من تاريخ الأدب العربى، وبخاصة فى ميدان الرواية، وإن كنت لا أدرى أذلك ناتج من قوة لغة الكاتب أم من قيام أحدهم بتدقيق الكتاب لغويا، مع ترجيحى الافتراض الأول، ولا أدرى لماذا. وقد وجدت من اللياقة أن أسجل ملاحظاتى على لغة الرواية وأضعها بين يدى جمهور حاضرى الندوة اليوم الساعة السادسة مساء فى الصالون المذكور بمدينة نصر قريبا من الجنينة مول المتفرع من شارع عباس العقاد هناك، فقد يجد فيها البعض شيئا من الفائدة.

وندخل فى الموضوع على الفور ونقف أمام عنوان الرواية: "المُتَمْثَلون". ذلك أن هذا الاسم ليس مشتقا من "م ث ل"، الذى هو أصل المادة كلها بل من اسم مشتق من تلك المادة، وهو "التمثال". ومعنى العنوان، وهو اسم مفعول من "تَمْثَلَ"، هو الأشخاص الذين نُصِبَت لهم تماثيل أو صُيِّروا هم أنفسهم تماثيل. وهذا الاشتقاق يذكرنى بـ"مُتَمَسْكِن" وكذلك "مُتَمَرْكِز"، وهو شىء مختلف عن "متركِّز"، إذ المقصود هنا وقوف الشخص فى المركز الذى حُدِّد له لا يفارقه لا أن يركِّز وعيه واهتمامه على شىء ما. ومن هذا الوادى "تمذهب"، فهى ليست مشتقة من "الذهاب" بل من "المذهب"، ومعناها "اعتنق مذهبا من المذاهب". ومنه أيضا "تَمَنْطَقَ"، أى لبس المِنْطَقة حول وسطه. وكنا نقول فى قريتى للشخص حين يقبل علينا ونحن جالسون نناقش أمرا ما: "تَمَجْلَسْ"، وليس معنى فعل الأمر هنا الجلوس بإطلاق بل الجلوس معنا فى المجلس. ففى الكلمة الجديدة ظلال من المعنى لا توجد فى "اجلس" (بدون التاء والميم)، وذلك ناتج من اشتقاقها من "المجلس" لا من "الجلوس". وهذه أول مرة تقابلنى كلمة "المتمثلون"، وهو اشتقاق موفق. وفى العقود الأخيرة وجدنا ألفاظا تشيع فى النقد الأدبى على هذا المنوال منها "تَمَوْضَعَ" و"تَمَفْصَلَ"، وإن كنت لا أستسيغها رغم أنى لا أقول بخطئها، فهى مسألة ذوق لا أكثر.

ومن الملاحظات اللغوية على أسلوب الرواية استخدام الكاتب كلمة "كافّة" مفعولا به وفاعلا ومبتدأ مثلا على خلاف من يتنطسون ويصرون على أنه لا يصح استخدامها فى غير الحال كما فى قوله تعالى: "وما أرسلناك إلا كافةً للناس بشيرا ونذيرا"، وفى قول الرسول عليه السلام: "وبُعِثْتُ إلى الناس كافة"، أى إلى عموم البشر. وينسى هؤلاء أن ما يستعمله القرآن هو أفصح الاستعمالات أو أحد أفصحها، بيد أنه لا يعنى بالضرورة أن غيره من الاستعمالات خطأ. فقد يكون ثم استعمال صائب لكن القرآن لا يورده. فالقرآن ليس كتابا فى النحو والصرف ولا هو معجم حتى ننتظر منه أن يضم كل شىء بحيث لو لم نجده فيه كان خطأ. وبالمناسبة فعدد ألفاظ القرآن الكريم دون تكرار ليس كبيرا فيما أحسب. وقد تتبعت أمس تلك الكلمة فى كتابات مؤلفينا وعلمائنا القدامى فوجدتها قد استعملت فى غير الحال فى عدد غير قليل من الكتب التى ألفت فى القرن الثانى والثالث والرابع والخامس والسادس... إلخ. فما معنى ذلك؟ معناه أن استخدامها لغير الحال استخدام صحيح. وإذا كانت هى تعنى "جميعا"، و"جميعا" حال منصوبة، فينبغى أن نعرف أن كلمة "جميع" قد تأتى مرفوعة مثلا، وفى القرآن: "وإنْ كلٌّ لما جميعٌ لدينا محضرون". ومن ثم فكما تأتى "جميعا" حالا وخبرا مرفوعا كما فى الآية الكريمة مثلا فكذلك يمكن أن تأتى "كافة" فى غير الحالية دون أية مشاكل.

أما كلمة "هِرَّاوة" فلا تأتى بتشديد الراء كما وردت فى الرواية بل بفتحها فقط. ولا أدرى من أين أتى بها المؤلف مشددة الراء. وفى هذا السياق كانت هناك طالبة من طالباتى فى مدرسة الحلمية الجديدة فى أول سبعينات القرن الماضى تنطق كلمة "بُغْيَةَ كذا": "بِغِيَّة كذا" قائلة إن المعنى هو أن فلانا "غِيَّتُه" عمل كذا أو كذا، ناسية أن كلمة "غِيَّة" بهذا المعنى كلمة عامية.

كذلك وردت (ص56) عبارة "لا تَنْسَى" نهيا لشخص من الأشخاص دون حذف الألف الأخيرة، وهذا خطأ، إذ لا بد من حذف تلك الألف لأن "لا" هنا ناهية، وهى تجزم المضارع، والمضارع المعتل الآخر يجزم بحذف حرف العلة. وعلى هذا لا بد أن نقول: "لا تنسَ يا فلان أن تفعل كذا" بدون ألف فى آخر المضارع.

وهناك تركيب رأيت المؤلف استخدمه أكثر من مرة، وهو يقوم على عطف مضافين إلى مضاف إليه واحد كقوله: "تَجْمَعُ أفرادَ أو تروسَ الآلةِ". ومثله "تنزع آخرَ وأصغرَ قطعةٍ". ومثله أيضا "إدراك معنى ومضمونَ المشهدِ". والمتشددون يقولون إن هذا لا يصح، وعلينا أن نقول بدلا من ذلك: "تجمع أفراد الآلة وتروسها". ولكنى لا أرى بما فعله المؤلف بأسا. وهناك عبارة متداولة فى كتب النحو قيلت قديما، وهى "قطع الله يدَ ورجلَ من قالها"، أى قطع الله يد من قالها ورجله. وما دام الذوق العربى عند هذا القائل قد أساغ هذا فلا داعى ولا معنى لرفض هذا التركيب، وبخاصة أن هناك مواضع فى الكلام لو لم نستخدم فيها هذا التركيب لتفككت الجملة وركَّتْ. ويمكن توجيه هذا التركيب على أنه من باب التنازع، إذ عندنا مضافان يتنازعان المضاف إليه الوحيد، أى كل منهما يدعى أنه خاص به. واللقمة الهانئة يأكلها مائة, ولا داعى للتنازع، والطيب أحسن. وقديما قال الفرزدق الشاعر الأموى:

يَا مَنْ رأى عَارِضًا أَرِقْتُ لَهُ = بين ذِرَاعيْ وَجبْهةِ الأسَدِ

أى بين ذراعى الأسد وجبهته. وبالمثل نرى الكاتب يستخدم كلمة "الغير" بألف ولام. وهناك من يخطئون استعمالها بالألف واللام لأسباب يقولونها، لكن لا ينبغى الانشغال بهم، فهى تصح بها وبدونها، وقد أجاز مجمع اللغة المصرى هذا منذ وقت طويل. ومن القدماء من استعملها بالألف واللام بأريحية كبيرة. ومع ذلك لا يزال هناك من يخطئ هذا الاستعمال حتى الآن لا لشىء سوى أنه سمع أن هناك من يخطئها، فأخذ يخطئها دون تفكير.

ولكن على الناحية الأخرى وردت فى الرواية كلمة "محفّة" (ص71، وقد تكررت) مشكولة على النحو التالى: "مَحَفَّة" بفتح الميم كما هو الحال فى العامية. والصواب كسر الميم لأنها اسم آلة على وزن "مِفْعَلَة". وميم أسماء الآلة القياسية تكسر دائما، فنقول: "مِقَشَّة، مِنْشار، مِنْجَل" على حين تفتح ميم "مفعلة" عادة فى العامية فنقول: "مَعْجَنة، مَكْنَسَة، مَقَشَّة، مَحْفَضَة، مَرْيَلَة، مَطْحَنَة، مَنْفَضَة، مَقْلَمَة...". ومثل "محفة" نرى الكاتب قد فتح الميم من كلمة "مَلَفّ" (ص73)، وهو اسم آلة كما نرى، فتكسر ميمه. والطريف أنى وجدت بعض الأساتذة الجامعيين المغاربة، وكان ذلك فى جامبيا صيف 1986م، يقولون: "مِلْف" بدلا من "مِلَفّ". كذلك رأيت المؤلف يقول: "فقدتُ يُمْنَاى، فقدتُ يُسْرَاى، فقدت الاثنين وامرأتى" (ص79). والصواب "فقدت الاثنتين" لأنهما مؤنثتان كما هو واضح. وهى فى ظنى سهو أكثر منها خطأ.

كما وجدته يقول: "الصحارِى" بكسر الراء (ص91)، وقد يظن بعضٌ أن الصواب فتح الراء. والواقع أن الاثنتين صحيحتان. وبالمثل قال المؤلف عن عوام الناس الجهلاء: "رُعَاع الناس". وقد يظن بعض الناس أنها خطأ، وأن الصواب هو بفتح الراء فقط، بينما الواقع أن من حقك ضمها أو كسرها أو فتحها. ومن ثم فالمؤلف مصيب، وإن كنت أنا قد تعودت على الفتح بعد أن غبر علىَّ زمن كنت كمعظم الناس تقريبا آنذاك أنطقها بكسر الراء: "رِعَاع".

والآن مع كلمة "بعضهم" وأمثالها فى العبارات التى تدل على التفاعل مثل "قال بعضهم لبعض"، فنحن فى العامية نقول: "قالوا لبعضهم"، وهو ما جرى عليه المؤلف فى كل المرات تقريبا التى تنبهت إليها، مثل "تضم ساقيها وتلصقهما ببعضهما"، والصواب

هو "تضم ساقيها وتلصق كلتيهما بالأخرى"، ومثل "تلتف الساقان حول بعضهما"، والصواب "تلتف الساقان إحداهما بالأخرى"، ومثل "يلف أصابع كل منها حول بعضها"، والصواب "يلف أصابع كل منها بعضها حول بعض" مثلا.

وهناك قوله: "ما أحمقنى" (ص107). وكثير من الصرفيين يرفضون هذه الصيغة ويوجبون أن نقول بدلا من ذلك: "ما أشد حماقتى" لأن الصفة المشبهة هى "أحمق"، ومن ثم يرون أننا ينبغى ألا نستخدمها لصيغة التعجب فلا نقول: "ما أبيض وجه فلان"ولا "ما أصفر الليمونة" مثلا بل نقول: "ما أحسن بياض وجهه"، و"ما أفقع صُفْرة الليمونة" منعا للالتباس. لكن هناك صرفيين آخرين لا يرون حرجا فى هذا، إذ الأمر واضح ولا يُوقِع فى الالتباس أبدا. وأنا مع هذا الرأى، ومن هنا رحبت بقول المؤلف: "ما أحمقنى".

لكن قول المؤلف: "كان السيف قد سبق العزل" خطأ (ص108)، إذ الكلمة بالذال لا بالزاى، وهذه الذال مفتوحة (وإن لم تضبط فى الرواية). وفى نفس الصفحة أيضا نقرأ قوله: "يسقط الأب مدرَّجا بدمائه" (ص108). وأغلب الظن أن هذا سهو، إذ لا يعقل أن يغيب وجه الصواب عن الكاتب فى مثل تلك العبارة التى نحفظها جميعا بالضاد، ولا تحتاج إلى ذكاء خاص. ومعنى "مُضَرَّج": مُلَطَّخ. وبالمثل فقوله: "سُدَّته ذباب، ولحمته خنافس" (ص126) صوابه هو "سَدَاه ولُحْمَتُه" وهو خيط الطول وخيط العرض فى النسيج. أما "السُّدَّة" فهى عرش الملك. وهذا غير ذاك. ولها معان أخرى لا نستخدم شيئا منها الآن. كذلك نراه ينون كلمة "أحمر" فى قوله: "بطلاء أحمرٍ فاقع" (ص141). والمعروف أن "أحمر" وكل صفات الألوان والمحاسن والمقابح التى على هذا الوزن مثل "أحمق وأعور وأصهب وأخضر وأكحل وأحور" ممنوعة من الصرف للوصفية ووزن الفعل. فكان المفروض أن يقال:"بطلاءٍ أحمرَ فاقعٍ".

وفى قوله (ص153):

"- وماذا تبيعهم اليوم فى رأيك؟

- أشياء عاديةٌ جدا، مطلوبةٌ جدا"

كان ينبغى أن يجىءالكلام على النحو التالى: "أشياءَ عاديةً جدا، مطلوبةً جدا" بالفتح لا بالضم، فالكلمتان منصوبتان لأنهما نعتان لـ"أشياء"، التى هى مفعول به، إذ أصل الكلام: "أبيعهم أشياءَ عاديةً جدا، مطلوبةً جدا". فهكذا ينبغى أن يكون الجواب على السؤال الموجود قبله مباشرة.

وهو (ص171) يقول: "ها هو يوم آخر يمر من عمرى". وأذكر أن أستاذى المرحوم سيد أحمد أبو رية، أستاذى فى مادة اللغة العربية فى التوجيهية بمدرسة الأحمدية الثانوية بطنطا عام 1966م، ذكر لى أن الصواب هو أن نقول: "ها هو ذا يوم جديد يمر من عمرى". بيد أنى وجدت شعراء كبارا كالبحترى وابن الرومى وابن خفاجة والمتنبى والصنوبرى والأعمى التطيلى يستخدمونها بدون اسم الإشارة. وتوجيهى لها أن "ها" أداة تنبيه، و"هو" ضمير شأن، وبقية الكلام مبتدأ وخبر. وبالتالى فما قاله المؤلف صواب لا غبار عليه.

ويقول المؤلف: "امرأة فى العشرينيات" (ص171) بياء نسب. وهذا لا مشكلة فيه، فالكتاب كلهم الآن تقريبا، وأقصد الكتاب الواعين بما يكتبونه، يقولون مثلما يقول المؤلف، بينما أنا الوحيد تقريبا الذى يرى أن استعمالها بياء نسب أو بدونها صواب. فإذا نسبنا كان النسب إلى كلمة "عشرين، ثلاثين، أربعين..."، وإذا لم ننسب كان ذلك جمعا لكلمة "عشرين، ثلاثين، أربعين..."، التى هى بمثابة لقب لـ"واحد وعشرين، اثنين وعشرين، ثلاثة وعشرين... إلخ". وهذا كما نقول مثلا فى الأشخاص الذين لقبهم "عوض" مثل "إبراهيم عوض، محمود عوض، محمد عوض، مختار عوض، طاهر عوض، عايدة عوض، هديل عوض...": "الأعواض" و"العَوَضِيّون" معا. ثم إن هذه الكلمة ترد فى الإنجليزية على النحو التالى: "in her twenties"، فلو حافظنا على الوضع كما هو فى لغة الإنجليز فنحن مصيبون، وإن تصرفنا ونسبنا فلا مانع أبدا. وبهذا يكفى الله المؤمنين شر القتال فى ميدان يتسع للأحباب مهما كثروا ما دام المنطق يجيز كلا الاستعمالين. وقد وجدت المؤرخ المشهور ابن تغرى بردى يقول: "العشرينات" و"العشرات" بدون ياء، كما وجدت "الأربعينات" عند عدد آخر من الكتاب القدماء.

كذلك قابلت، فيما طالعت من الرواية، عبارة "لا بد وأن..." بوضع واو بين "لا" و"بدّ". و"البُدّ" هو المفرّ، والمعنى "لا مفر من أن...". وفى النحو العربى يجوز أن تستغنى عن حرف الجر قبل "أَنْ" و"أَنَّ" فتقول مثلا: "لا بد من أن تفعل كذا" أو "لا بد أن تفعل كذا". لكنك إذا حذفت حرف الجر لا يمكنك أن تعوض عنه بالواو أبدا لأن المعنيين مختلفان. وأذكر أنى قرأت منذ زمن طويل جدا فى كتاب د. على عبد الواحد وافى عن ابن خلدون انتقادا لاستعمال ابن خلدون لـ"لا بد وأن...". وقد راجعت المقدمة الخلدونية فى بعض المواضع فألفيت صاحبها فعلا يستخدم هذا التركيب مرارا. لكنى لا أذكر السبب الذى خطَّأ د. وافى على أساسه المؤرخ الكبير، وقد وضحت أنا هنا العلة التى تدفعنى إلى تخطئة هذا التركيب.

وهناك (ص199) كلمة "خطوبة"، التى تكررت فى الرواية، وهى كلمة عامية، وفُصْحَاها "خِطْبَة" بكسر الخاء. وهناك "لا تهتمّْ يا فلان بكذا" (ص217)، بسكنة فوق الشدة، ولا أدرى كيف. والصواب وضع فتحة مكان السكون. أما إن أراد الكاتب تسكين الميم فليقل: "لا تَهْتَمِمْ" بفَكّ الإدغام، ويا دار ما دَخَلَك شَرٌّ. وهناك أيضا حذف التنوين من كاف "مالك" فى "لا يُفْتَى ومالكُ فى المدينة" وتكرير هذا الحذف فى كل مرة وردت فيها كلمة "مالك". ولا أدرى السبب فى هذا أيضا، فالأعلام لا تمنع من الصرف لمجرد العَلَمِيَّة بل لا بد أن تكون هناك علة أخرى كالعجمة مثلا أو زيادة الألف والنون فى آخر الاسم... وليس هناك شىء من هذا فى "مالك". وعلى هذا ينبغى أن يقال: "لا يفتى ومالكٌ فى المدينة". وهناك كذلك تسكين دال كلمة "حَدْقة" (ص257)، وهى سواد العين. والصواب فتحها: "حَدَقَة". وهناك "المحصِّلة النهائية" بكسر الصاد مع تشديدها (ص279)، والصحيح فتحها لأن "المحصّلة" هى ما نحصِّله، فهى إذن اسم مفعول لا اسم فاعل، وبالتالى تفتح الصاد ولا تكسر.

وأرجو أن يجد القارئ فى هذه الملاحظات شيئا من الفائدة وتدفعنا إلى الحرص على توخى سلامة لغتنا. فالأدب لغة قبل كل شىء، ومن ثم لا بد من إحسان اللغة حتى يكون إبداعنا الأدبى جميلا خاليا من الخدوش والكسور واللطخ والحُفَر.

وقد لاحظت أن المؤلف كثيرا ما يصف الشخص أو الشىء باسم جنس بدلا من صفة، فيقول مثلا: "القرد الجندى، الرجل المومياء، الرجل الخرتيبت، الناس القردة، السيارة الكافتريا، الأوتوبيس الحيوان الأسطورى، الخط القرد الأفعى...". ويمكن توجيه الكلام على أن التقدير "الرجل الذى يشبه الخرتيت، السيارة التى تقوم بوظيفة الكافتريا..."، وهكذا. وفى هذه الحالة قد يضع بين الوصف والموصوف شرطة مائلة: "الأوتوبيس/ الحيوان الأسطورى" أو لا يفصل بينهما بشىء: "الرجل الخرتيت". كذلك فإن كثيرا من كلمات الكتاب مشكَّلة، وإن لم يكن التشكيل كاملا إلا فى النادر. لكن التشكيل موجود على كل حال، وهو ما يخالف الاتجاه السائد فى الكتابات الحالية. وأنا فى استشهادى بنصوص الكتاب قد أهمل التشكيل الموجود فيها لأن المعنى واضح بدونه، وقد أشكِّل الكلمة كاملة.

كذلك لوحظ أن كاتبنا يكثر من تقطيع الجملة الواحدة الطويلة على أكثر من فقرة، وكأنه يكتب شعرا منثورا، واضعا عقب كل جزء من الجملة ثلاث نقاط كما فى المثال التالى (190)، وهو ما لا أذكر أننى رأيت شبيهه من قبل:

"وسط بقعة صغيرة لا زالت تحتفظ ببقايا خضرة شاحبة...

على مقربة من صورة ملقاة على الأرض لتمثال حضرة صاحب المعانى الملكية السامية، النور الهادى، العائد من غيبته القسرية...

جلستْ...

تنتظر منذ قرون...

وحيدة كالأصداف...

رقيقة كنسيم الأيام الخوالى...

عذبة كمياه الأيام الخوالى...

جميلة كنهار ربيع لم يأت منذ قرون...

تحتضن بكفها آخر الزهور، ترويها بالدمع ليلا ونهارا حتى لا تصرعها يد الجفاف الحاكم...

وبين لحظة وأخرى...

ترفع وجهها الحزين إلىالقمر...

تقبِّله بنظرات حيرى، تستعطفه بعبرات حارّة...

وهى تستعجل القادم الذى قد يعود إلى مدينتها...

المدينة التى أصبحت مرتعا مباحا ومستباحا للغرباء الجوّالين من كل عرق وجنس..."."-



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق