الحاجب المنصور .. ما له وما عليه... (الجزء الأول)

02/03/2020 12:44


محمد كامل

بعد سقوط الدولة الأموية فى المشرق على يد العباسيين ملقاش بنى أمية قدامهم غير الهروب بعيد عنهم قدر المستطاع .. واحد من الأمويين إسمه ( عبد الرحمن بن معاوية ) لجأ لأخواله من قبائل ( نفزة ) فى طرابلس الليبية حالياً وفضل هربان لمدة 5 سنين بيتنقل من مكان لمكان لحد ما قدر إنه يتواصل مع بعض عمال بنى أمية فى الأندلس عشان يمهدوا لدخوله البلاد وبالفعل دخل عبد الرحمن للأندلس وكون جيش من أنصاره قدر عن طريقه إنه يخضع الأقاليم واحد ورا التانى وقضى على الثورات اللى خرجت ضده لحد ما أسس الدولة الأموية الثانية فى الأندلس .. عبد الرحمن إتعرف تاريخياً بإسم ( عبد الرحمن الداخل ) على إعتبار إنه كان أول من دخل من بنى أمية للأندلس بعد سقوط الخلافة فى المشرق ..

 

بتعيش الأندلس لأكتر من 150 سنة ما بين هدوء وإضطرابات لحد ما بيوصل الأمر للأمير الثامن من بنى أمية وهو ( عبد الرحمن الناصر ) والراجل ده للأمانة بيرجع ليه الفضل بعد ربنا سبحانه وتعالى فى إعادة الهيبة للمسلمين فى الأندلس بعد ما الإمارات المسيحية فى الشمال كانت طمعت فى دولتهم .. وهقولكم على السبب ..

 

ــــ

 

الراجل ده إتولى المسئولية فى ظروف غاية فى الصعوبة .. الأمير السابع للدولة كان جده ( عبد الله بن محمد ) وده كان راجل كبير فى السن وفى عهده زادت حركات التمرد والإنشقاقات فى كتير من أقاليم الدولة لحد ما انحصرت سلطته فى قرطبة وضواحيها بس عشان كده قرر إنه يعين إبنه ( محمد ) كولى للعهد عشان يشيل المسئولية من بعده ولكن التعيين ده معجبش واحد من ولاده إسمه ( المُطَرَّف ) فضرب إسفين بين محمد وبين أبوه لحد ما أمر بحبسه ومات فى السجن وقيل إن ( المطرف ) هو اللى قتله .. مع الوقت إتضحت براءة ( محمد ) وده خلى الجد يراعى حفيده ( عبد الرحمن ) إبن محمد اللى إتسجن ظلم .. العلاقة بين الجد والحفيد بقت وطيدة جداً وإداله فيها عصارة خبرته وعبد الرحمن إستفاد جداً من العلاقة دى لحد ما فهم أصول الإدارة وتميز فيها ..

 

يموت الجد ( عبد الله ) ولكن بعد ما يعين حفيده ( عبد الرحمن ) كولى للعهد ومحدش فى البيت الأموى كله يعترض على التعيين ده مش عشان بيحبوه وكده ولكن لإن الدولة كانت تقريباً بتنهار ومحدش منهم كان عاوز يشيل المسئولية فى الظروف الصعبة دى .. ( عبد الرحمن بن محمد ) اللى هيبقى إسمه بعد كده ( عبد الرحمن الناصر ) بيستلم السلطة وهو عنده 23 سنة بس وبيقدر يقمع كل الثورات والفتن اللى ضربت جنبات الدولة .. أقال وزراء وعين غيرهم و إستحدث مناصب ونظم دولته إدارياً بعد ما اختار القيادات بناءاً على معيار الكفاءة .. دعم الجيش كويس جداً وكان بيخرج بنفسه على رأسه فالجنود كانت بتستحى من الهزيمة فى وجود أميرهم الجديد .. قضى على التمرد فى غرناطة وإشبيلية وملقا فى الجنوب ومورسية وفالنسيا و سرقسطة فى الشرق وبطليوس وشلب وشنتمرية فى الغرب وطليطلة فى الوسط ..

 

قضى على تمرد ( عمر بن حفصون ) وأولاده من بعده ودول من زعماء المولدين والمولدين هما أهل البلد الأصليين اللى أسلموا بعد دخول الإسلام للأندلس ولكن بعضهم أسلم لمهادنة المسلمين مش أكتر زى بنى حفصون كده اللى تمردوا على مركزية الدولة وكانوا عاوزين يستقلوا .. قضى كمان على بنى مروان فى مدينة بطليوس ودول مولدين برضه ولكن أصولهم بترجع لمدينة جليقية فى أقصى الشمال الغربى ودول تمردهم تواصل ضد الأمويين لأكتر من 40 سنة لحد ما قدر عبد الرحمن الناصر إنه يقضى عليهم .. قضى كمان على مقاومة بنى ذو النون فى سرقسطة وضواحيها زى مدن سوريا و شنتبرية .. فوق كل اللى فات قدر الناصر إنه يحصن الأندلس من خطر الدولة الفاطمية اللى إمتدت من مصر شرقاً للمغرب غرباً وسيطر على ميناء ميليلية ومدن سبتة وطنجة فى المغرب ووزع أسطوله فى مياه البحر الأبيض المتوسط لحماية الدولة ..

 

عبد الرحمن الناصر قضى فى الحكم 50 سنة قضى أغلبهم فى قتال المتمردين داخلياً ورد خطر القوات المسيحية فى الشمال وخطر الشيعة فى الجنوب ونجح نجاح كبير فى ده فكانت ملوك ممالك ليون وقشتالة ونافارا وبرشلونة دايماً بيلجئوا للصلح معاه درءاً لخطره عليهم .. فى فترة حكم عبد الرحمن الناصر إتوحد الأندلس وزادت قوة الجيش وإزدهر الاقتصاد وتطورت الدولة عمرانياً بشكل سريع .. أموال الجزية والمكوس كانت بتتجمع فى قرطبة كل سنة فكانت بتكفى إحتياجات الدولة وتفيض لدرجة إن الناصر لما لقى الخير كتير قرر إنه يبنى قصر الزهراء وده كان تحفة معمارية محصلتش قبل كده بمقاييس زمانه .. 50 سنة قضاها الناصر فى جهاد مستمر لدرجة إنه لما إتوفى لقوا ضمن مقتنياته بيان بخط إيده كتب فيه الأيام اللى عدت عليه فى الحكم بدون مشاكل قال فيه :

 

( أيام السرور التى صَفَت لى دون تكدير فى مدة سلطانى يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا )

 

فلما

أحصوا الأيام دى لقوها 14 يوم بس .. 14 يوم راحة فى 50 سنة شغل وجهاد وحروب وتطوير داخلى للدولة لحد ما ساب الدولة على أكمل ما يكون لإبنه وولى عهد ( الحَكَم المستنصر بالله )

 

ـــــ

 

( الحكم بن عبد الرحمن ) أو المستنصر بالله ورث دولة قوية منتصرة على كل خصومها سواء داخلياً أو خارجياً .. ورث نهضة إقتصادية وعمرانية وعلمية كبيرة جداً فقضى فترته فى ترسيخ دعائم الملك ده .. معاهدات سلام ووفود ممالك رايحة جاية عليه عشان تقدم طلبات للصلح وهو كان بيوافق عليها والواضح إنه مكانش ميال للحروب والغزو أوى وإن الموضوع ده كان بتفرضه عليه الظروف مش أكتر .. هو اهتم بالجيش طبعاً وشارك فى حروب ضد تحالف للملوك المسيحيين بعد ما نكثوا عهدهم معاه وكمان بعت جيش كبير لتحجيم قوة الدولة الفاطمية اللى حاولت تستولى على المغرب مرة تانية بعد وفاة والده الناصر وبالفعل نجح فى كده ودخلت المغرب كلها تحت لواء دولته ..

 

فى المقابل بقى وبحكم الاستقرار النسبى اللى عاشها الأندلس تحت قيادته فالراجل وجه كل طاقته لتحويل الأندلس لمنارة للعلم .. المستنصر صرف مبالغ مهولة لتجميع نفائس الكتب فى شتى المجالات وبنى ليها مخصوص المكتبة الأموية واللى تعتبر أعظم مكتبات العصر ده وفضل الوضع بالشكل ده لحد ما طرقات القصر إتملت من كثرة الكتب اللى بتوصل للأندلس فأمر مهندسى الدولة ببناء ملحق كبير بالمكتبة ينقل ليه كل الكتب اللى فى القصر .. إبن حزم بيقول إن من كثرة الكتب فى القصر الأموى قاموا بفهرستها فكتبوا فهرس من 44 بند فى كل بند 50 ورقة مفيهومش غير أسماء الكتب بس بدون أى معلومات تانية ..

 

وصل العلم فى الأندلس ذروته فى عهد الحكم لدرجة إن الأمية إنتهت تماماً وبقى عامة الناس متعلمين يجيدوا القراءة والكتابة فى الوقت اللى كان كتير من ملوك أوروبا آميين وانتشرت المدارس وازدهرت جامعة قرطبة أكبر جامعة فى العالم وقتها وبقت الناس تتنافس مع بعض فى تأسيس مكتباتها الخاصة .. إبن حيان لما حب يوصف الحكم المستنصر بالله قال عنه :

 

( ولم يسمع فى الإسلام بخليفة بلغ مبلغ الحكم فى اقتناء الكتب والدواوين وإيثارها والتهمم بها .. أفاء على العلم ونوه بأهله ورغب الناس فى طلبه ووصلت عطاياه وصلاته إلى فقهاء الأمصار النائية عنه )

 

ـــــ

 

الحكم لما تولى الخلافة الأموية كان عمره 48 سنة ومكانش له ولد وده طبعاً كان مضايقه بالتأكيد .. مسئولية الدولة يقدر أى حد من الأسرة إنه يشيلها ولكن هو كان نفسه فى الولد طبعاً .. الحكم كان عنده جارية إسمها ( Aurora ) أصولها ترجع لإقليم الباسك فى مملكة نافارا .. أوروا يعنى فجر أو صبح باللغة الإسبانية وعليه تم تسمية الجارية بإسم ( صبح البشكنجية ) يعنى صبح الباسكية ولكن بالنطق العربى وعشان محدش يتلغبط فى موضوع أسامى الأفراد أو المدن فأنا هكتبلكم فى الأجزاء الجاية الإسم بالعربى و جنبه الإسم بالإسبانى عشان لو حد حب يبحث عنه ..

 

المهم .. صبح دى كانت واحدة من جوارى الحكم .. ملك يمينه يعنى .. الراجل فى عمر الخمسين ربنا رزقه منها بولد سماه ( عبد الرحمن ) و لكن للأسف توفى بعد فترة قصيرة .. بعد حوالى سنة ربنا بيرزقه منها بولد تانى سماه ( هشام ) ومحدش يستغرب من موضوع الإنجاب من الإماء والجوارى لإن ده كان الطبيعى وقتها لدرجة إن كل حكام الأندلس بداية من عبد الرحمن الداخل لحد الحكم المستنصر كلهم كانوا من أبناء الإماء وملك اليمين .. طبعاً مش محتاج أوصفلكم حالة الحكم كانت إيه .. هشام ده بالنسبة له كان الدنيا وما فيها .. الحكم كان عمره وقتها 52 سنة وكمان توفى له ولد من فترة قصيرة .. حب هشام تغلغل فى قلب الحكم بشكل مرعب وده فى الظروف الطبيعية ممكن يبقى عادى لإن أى أب بيحب ولاده ولكن لما يتعلق الأمر بإدارة دولة الموضوع لازم يختلف ولازم الحاكم يحط المصلحة العليا للدولة فوق المصالح الضيقة من حب الولد وإلا الدنيا هتبوظ ..

 

الدولة الأموية كان فيها كفاءات من بنى أمية ولكن الحكم ساب الموضوع عايم ومعينش ولى لعهده لحد ما وصل عمره ل 64 سنة وقبل ما يموت يقرر إن ولى عهده هو إبنه ( هشام ) اللى يدوبك كان مكمل 12 سنة .. طيب دولة بقوة الأندلس وقتها ينفع يحكمها صبى صغير زى ده .. دولة بتحكم مساحة مش صغيرة وأعداءها محاوطينها من كل الإتجاهات المتاحة .. ممالك نصرانية من الشمال ودولة شيعية من الجنوب .. الطبيعى لأ .. لكن قادة الدولة ساعتها إجتمعوا وقرروا تنفيذ وصية الخليفة الراحل ونصبوا ( هشام ) بالفعل كخليفة على البلاد وسموه ( هشام المؤيد بالله ) ولكن تحت وصاية والدته صبح البشكنجية ..

 

مين بقى قادة الدولة دول ؟

 

حاجب الدولة ( جعفر بن عثمان المصحفى )

 

ومعاه الرجل القوى داخل القصر ( محمد بن أبى عامر )

 

ـــــ

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق