المفكر الاقتصادى إبراهيم نواره..يكتب: الدولة عندما تعيد إنتاج الفقر على نطاق أوسع

28/02/2020 11:42


د. إبراهيم نواره

من الصعب جدا أن يصدقك احد وانت تصيح بأن الحياة أصبحت أفضل، بينما يزيد انتشار الفقر بين الجمهور. الحديث عن تحسن مستوى المعيشة والحياة الأفضل يكتسب مصداقية فقط عندما ينحسر انتشار الفقر، وتزيد درجة عدالة توزيع الدخل، ويرتفع مستوى الرفاهية بين الناس.

 

وتكمن فلسفة تحديد خط يفصل بين الفقر واليسر، في أن ذلك يوفر أداة يمكن استخدامها لرسم خريطة توزيع الدخل والإنفاق ، ولبيان مدى كفاية الدخل المتاح للفئات الإجتماعية المختلفة، لتدبير أمور المعيشة اليومية، ومن ثم قياس مستوى المعيشة ودرجة الرفاهية او المعاناة للمواطنين في حياتهم اليومية. وتمتد أهمية تحديد خط الفقر إلى بيان الشروط الأولية لإعادة إنتاج قوة العمل وتجديدها وتطويرها، بما يتلاءم مع احتياجات تحقيق أهداف التنمية الإقتصادية والإجتماعية والبيئية.

 

ومن الضروري أن نسجل هنا أن انتشار الفقر يقود إلى تردي قوة العمل، وانخفاض كفاءة الأيدي العاملة، فتطغي على عرض العمل صفات السوق الردئ، من حيث سوء التغذية، وانخفاض مستويات الصحة والتعليم والثقافة والتدريب. ويتسبب انتشار العمل الردئ في انخفاض إنتاجية العمل، وفي ضعف مرونة عرض الأيدي العاملة، وصعوبة الإحلال في القطاعات المختلفة، من القطاعات الاقل تقدما إلى القطاعات الأكثر تطورا، فيبقى عرض العمل حبيسا إلى درجة كبيرة في القطاعات الدنيا، التي لا تحتاج إلى ايدي عاملة ماهرة مثل قطاعات الزراعة والمقاولات والخدمات الدنيا مثل النظافة والنقل والخدمات المنزلية والفندقبة الرديئة. ومن ثم فإن زيادة انتشار الفقر يكون دليلا علي فشل التنمية وانعدام مصداقية الحديث عن النمو او عن تحسين مستويات المعيشة للأفراد.

 

لكل ذلك فإن الأمم المتحدة وضعت هدف التخلص من الفقر واجتثاثه نهائيا على رأس أهداف التنمية في نهاية الألفية الأخيرة، كما اهتمت الدول الجادة في تطبيق سياسات تهدف إلى تعزيز القدرات التنافسية وزيادة كفاءة عرض العمل، بالتخلص من الفقر، وتوفير الموارد الكافية لرفع مستويات المعيشة للفئات الاجتماعية ذات الدخل المحدود.

 

الحد من انتشار الفقر ليس هدفا خيريا يتم التعامل معه بالعطف والإحسان وتقديم الصدقات، من خلال أدوات مثل برامج تكافل أو كرامة، لكنه هدف تنموي يعيد للإنسان الفرد شعوره بكرامته الإنسانية، وبقيمته كمواطن كامل الحقوق والواجبات في عملية صنع التنمية والتقدم، يتعلم ويعمل ويعيش في مسكن لائق ويحصل على خدمات الرعاية الصحية بالكم والكيف الضروريين.

 

ويعتبر الحد من الفقر والعمل على اجتثاثه أول معايير الحكم على التجربة التنموية والسياسة الإقتصادية لأي بلد في العالم. ولذلك فإن تقييم التجربة المصرية في التعامل مع ظاهرة الفقر يمثل أداة من أدوات تقييم السياسة الإقتصادية بشكل مكشوف وصريح. وسوف نتناول تقييم التجربة المصرية في التعامل مع ظاهرة الفقر من عدة وجوه.

 

الوجه الأول، هو إلقاء نظرة عامة على حصاد السياسة الإقتصادية فيما يتعلق بالفقر منذ عام 2000 حتى الآن، وذلك إعتمادا على الأرقام الرسمية المستخلصة من بحوث الإنفاق والاستهلاك التي يجريها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء مرة كل عامين.

 

الوجه الثاني، هو مقارنة خط الفقر القومي الذي تستخدمه الأجهزة الإحصائية وصناع السياسة الإقتصادية بخط الفقر العالمي الذي حدده البنك الدولي منذ العام 2018، وكذلك بتكاليف المعيشة الحقيقية في مصر.

 

أما الوجه الثالث، فسوف نقارن فيه حصاد التجربة المصرية مع تجارب بعض البلدان الأخرى ذات الظروف الشبيهة مثل فيتنام وتايلاند وتشيلي، وتأثير ذلك على بعض المتغيرات الإقتصادية والإجتماعية، التي تمثل محركات أولية للتنمية مثل المعرفة والتقدم التكنولوجي والاستثمار.

 

وسوف نبدأ هنا بعرض سريع لحصاد تجربة مكافحة الفقر في مصر حسب الأرقام الرسمية. وننبه إلى أن الأرقام تشير إلى السكان الذين يعيشون (تحت خط الفقر) أي ما دون المستوى الذي يحفظ مقومات الحياة

الضرورية، من الناحيتين الطبيعية، مثل الأكل والشرب، ومن النواحي الإجتماعية مثل السكن والتعليم والرعاية الصحية.

 

- في العام 2000 أدى تغلغل الفقر في مصر إلى ارتفاع نسبة من يعيشون تحت خط الفقر إلى حوالي 16.7% من الأفراد. في ذلك الوقت كان عدد السكان حوالي 70 مليون شخص ، هذا يعني أن عدد ما دون الفقراء كان في حدود 11.7 مليون شخص. وطبقا للاحصاءات الحكومية الرسمية، فإن معدل انتشار الفقر زاد في كل عام بعد ذلك عن العام الذي قبله.

 

- على سبيل المثال زادت نسبة من يعيشون تحت خط الفقر في 2005 إلى 19.6%، وفي عام 2010 إلى 21.6% ، وفي عام 2015 إلى 27.8% ، وفي عام 2018 قفزت النسبة إلى 32.5% من عدد السكان. هذا يعني عمليا أن نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر تضاعف تقريبا خلال الفترة منذ عام 2000 وحتى عام 2018 (زيادة بنسبة 95% تقريبا)، بينما نحن نتغني بزيادة معدلات النمو الإقتصادي، والتوسع في استخراج النفط والغاز.

 

- واذا نسبنا معدل انتشار الفقر إلى عدد السكان ، فسوف نجد ان عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر القومي، حسب الإحصاءات الحكومية زاد من 11.7 مليون فرد في عام 2000 إلى 32 مليون فرد عام 2018، أي ان عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر القومي زاد خلال الفترة المذكورة إلى 3 أمثال ما كان عليه تقريبا في بدايتها.

 

ومن المؤشرات التي تبعث على الألم في إحصاءات انتشار الفقر في مصر، أن السياسات الإقتصادية للحكومات المتعاقبة فشلت في الحد من ظاهرة تركز الفقر في الأرياف وفي الوجه القبلي وقراه، حيث يعيش ما يقرب من ثلثي السكان تحت خط الفقر.

 

كذلك فإن السياسات الإقتصادية فشلت في الحد من انتشار ظاهرة الفقر بين المتعلمين، ومن بينهم حملة الشهادات الجامعية وما فوق الجامعية.

 

- وطبقا للإحصاءات الأخيرة للعام 2017/2018 فإن معدل انتشار الفقر بين الحاصلين على مؤهلات فوق الجامعية بلغ 5.5% مقارنة ب 2.9% في عام 2015، كما ارتفعت نسبة من يعيشون تحت خط الفقر من حملة المؤهلات الجامعية إلى 12% تقريبا (مقارنة ب 7% عام 2015)، وسجل انتشار الفقر بين حملة الشهادات الثانوية الفنية والمؤهلات فوق المتوسطة نسبة صادمة اقتربت من 50% (48.7%) مقارنة ب 33% عام 2015. أما عن الأميين فإن معدل انتشار الفقر بينهم استمر ثابتا تقريبا في حدود 39% عام 2018 مقارنة ب 40% عام 2015.

 

إن الحديث عن معدلات نمو اقتصادي مرتفعة يتواري خلف هذه المعدلات المخجلة لانتشار الفقر في مصر منذ بداية القرن الواحد والعشرين حتى الآن. ولا تستطيع أي أرقام، صحيحة كانت او مطبوخة، أن تخفي حقيقة أن زيادة انتشار الفقر يعني زيادة إنعدام الكرامة الإنسانية، كما يعني تضاؤل امكانات تحقيق التنمية المستدامة، التي تعتمد اول ما تعتمد على الإنسان الذي يعيش حياة كريمة.

 

السياسة الإقتصادية التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة منذ العام 2000 حتى الآن على الأقل ، كانت في حقيقة الأمر أداة لإعادة إنتاج الفقر في مصر على نطاق أوسع، عاما بعد عام.

 

في الأسبوع القادم، اذا أحيانا المولي عز وجل، سأتناول الوجه الثاني من أوجه تقييم تجربة مكافحة الفقر في مصر منذ بداية القرن الحالي حتى الآن، بالتركيز على كيفية قياس الفقر في مصر وأسس تحديد خط الفقر القومي ، ومقارنة قيمة خط الفقر القومي بتكاليف المعيشة الحقيقية، وايضا بالمعايير العالمية التي يعتمد عليها البنك الدولي في قياس انتشار الفقر في العالم، خصوصا بعد التغيرات طرأت على الفكر الإقتصادي العالمي فيما يتعلق بتعريف الفقر ومكوناته وفلسفة القضاء عليه.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق