الكاتب السورى مجاهد ديرانية..يكتب: حتى لا تضيع الفرصة الأخيرة (3)

21/02/2020 07:06


مجاهد ديرانية

هل تعلمون متى بدأ انهيار الثورة ومتى بدأ سقوط إدلب؟ لا بد أن تتفاوت الأجوبة لأن لكل واحد "تأريخه الخاص" للثورة وحوادثها، أما أنا فأحفظ تاريخين حزينَين لحادثتين مشؤومتَين، أعتبر أولاهما البدايةَ الحقيقية لانهيار الثورة بعد صعودها الرائع، والثانيةَ البدايةَ الفعلية لمسلسل سقوط إدلب والشمال الذي نعيش أحدث فصوله في هذه الأيام العصيبة.

 

الحادثة الأولى هي الجريمة التي ارتكبتها داعش في إعزاز في تشرين الأول عام 2013، عندما فتكت بلواء عاصفة الشمال على مرأى ومسمع من فصائل ثورية كبيرة من بينها أحد أكبر فصائل الثورة في ذلك الوقت. كانت تلك أول تصفية قسرية لفصيل ثوري أبلى في الثورة أحسن البلاء وأثخن في العدو غاية الإثخان، فتشرد الفصيل وبقي في سجلات التاريخ الموقفُ النبيل العظيم الذي وقفه قائدُه الشهيد عمار داديخي من أجل أسيرات الثورة (اللائي لم يجدنَ من سائر فصائل الثورة ما يليق بهنّ من اهتمام، هُنّ وأسرى الثورة جميعاً، فبقي هذا الملف الكئيب عاراً في أعناق أكثر فصائل الثورة حتى اليوم).

 

الحادثة الثانية هي الجريمة التي ارتكبتها عصابة النصرة في الأتارب والفوج 46 في آخر شباط 2015، عندما فتكت بحركة حزم بعد سلسلة متصلة من البغي والعدوان استمرت لعدة أشهر وبلغت ذروتها في الشهر الأخير. يومها نشرت مقالة بعنوان "نداء عاجل إلى مجاهدي الشمال: افصلوا بين النصرة وحزم بسرعة وحزم قبل أن يقول القائل: كانت في سوريا ذات يوم ثورة!" ولم يفعلوا، بل تركوا الفصيل الذي لم يثخن في دبابات العدو ومدرعاته فصيلٌ مثله، تركوه وحيداً لتأكله النصرة التي ما لبثت أن أكلتهم جميعاً في السنوات التاليات.

 

الذي حصل لاحقاً هو ما كان منتظَراً أن يحصل؛ لمّا أكلت النصرة الثور الأبيض وسكتت سائر الثيران ما لبثت أن التهمتها النيران، نيران الجبن والصمت والخذلان، وصولاً إلى أحرار الشام، الفصيل الأكبر الذي جلس على مقعد المتفرجين خلال الجولات العشرين السابقة قبل أن يصبح هو نفسه الثور الموؤود في الجولة الأخيرة.

 

تبخّر الفصيل ولم تبقَ غير كلمات تُتلى على قبره، فنشرتُ نعيه في مقالة بعنوان "الجمعة الحزينة: ماذا حصل في سوريا قبل يومين؟" كتبت في أولها: "يوم الجمعة، الحادي والعشرون من تموز. احفظوا هذا التاريخ، فإنه يوم حزين سنتذكره جيداً ونعود إليه كثيراً في الآتي من الأيام. إنه اليوم الذي بدأت فيه نهاية أحرار الشام، وفيه بدأت نهاية فيلق

الشام وحركة الزنكي وبقية "الفراطات" الثورية، وبدأت نهاية إدلب ونهاية الثورة السورية".

 

ربما بدا في ذلك اليوم أنني بالغت في التشاؤم، ولكن ما حصل في الشهور الثلاثين التالية أثبت أن الثورة بدأت فعلاً بالانهيار المتسارع منذ ذلك التاريخ الذي "احتل" فيه الجولاني الشمال المحرر. وحتى لا تتكرر المأساة كتبت الكلمات الآتية.

 

* * *

 

لا أحد يعلم الغيب، ولكن الإرهاصات التي نشاهدها على الأرض توحي بأن الأسابيع القادمة ستحمل بعض الخير للثورة بمشيئة الله وتوفيقه. فإذا تحققت أي مكاسب في أي بقعة سيكون الجولاني أحرص الناس على استثمارها والاستيلاء على أي أرض تملكها الثورة، وسوف يعود إلى تصفية الوجود العسكري الثوري في تلك المناطق كما صنع قبلُ في سائر الأرض المحررة.

 

لو أن الجبهة الوطنية ترددت أمام النصرة وتهاونت في ردعها وسمحت للجولاني بالاعتداء على أي فصيل ثوري أو بوضع اليد على أي أرض بعد اليوم فسوف تكون بداية كارثة جديدة لا قدر الله. إن الطريقة الوحيدة الصحيحة للتعامل مع الجولاني وعصابته هي الطريقة التي تتعامل بها المؤسسة الطبية مع فيروس كورونا وأمثاله؛ لا يمكن أن يقول قائلها: هذا المريض سنتركه بغير حَجْر ولا علاج وسوف نكتفي بعلاج ذاك الآخر. إنهم يعلمون أن أي تهاون في محاصرة المرض واسئصال سببه سيتحول سريعاً إلى جائحة عامة يفقدون السيطرة عليها فتفتك بالأبرياء والأصحاء في كل مكان.

 

* * *

 

الخلاصة: لقد تسبب الضعف والتخاذل أمام جبهة النصرة في الماضي في تغوّلها وتفردها بالفصائل وإنهاك الثورة وإنهاء كثير من فصائلها القوية المؤثرة وحرمان الثورة من السلاح الثقيل، وبعدما بدّد الجولاني القُوى الثورية في المناطق المحررة ونهب سلاحها سلم الأرض للعدو بلا قتال. فصار من أوجب الواجبات على الثورة -وهي تكافح اليوم للبقاء- أن تنهي نفوذ جبهة النصرة في المناطق المحررة وأن تستعيد منها سلاح الثورة الثقيل وتحرر أحرار الثورة المعتقلين في سجونها، وأن تَحْذر من كشف الظهر لها لأنها ستطعن أي ظهر مكشوف.

 

لقد علمتنا التجارب الأليمة مع داعش والنصرة (لو كنا نتعلم) أن التردد في كف شرها وقطع يدها الممتدة بالعدوان هو أم الرذائل وأُسّ الخطايا، وأن الضعف والخوَر في موقف واحد يتبعه انهيار متسارع مآلُه الحتمي هو خسارة الأرض والثورة. فهل سيسمح أحرار الثورة بتكرار الكارثة ذاتها مرة أخرى لا قدر الله؟



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق