المفكر السورى مجاهد ديرانية..يكتب: حتى لا تضيع الفرصة الأخيرة (2)

12/02/2020 02:02


مجاهد ديرانية

القراءة المتأنية للموقف التركي تدل على انقلاب جذري أنتجته تراكمات عديدة ليس هنا مجال الإسهاب فيها، وكانت محصلته اقتراباً من المحور الأمريكي وابتعاداً عن المحور الروسي الإيراني. وهذا يعني أن الموقف التركي صار أكثر انسجاماً مع الثورة وأن مساحة المصالح المشتركة عادت إلى الاتساع بين الطرفين.

 

هذه الظروف تمثل ما يمكن أن نسميه فرصة جيدة للثورة لو أنها جاءت قبل سنتين وثلاث سنين، أما الآن والحال هو الحال فإننا ينبغي أن نصفها بوصف أكثر دقة: إنها فرصة تاريخية مصيرية قد يترتب على حسن استغلالها إنقاذ الثورة من الانهيار بإذن الله، أو المزيد من الخسائر لو لم نحسن استغلالها لا قدّر الله.

 

* * *

 

لنتفق أولاً على حقائق مهمة يعرفها الجميع، وإنما أستعرضها هنا بإيجاز من باب التوكيد والتذكير:

 

لا الداعم مسؤول عن ثورتنا ولا نحن مكلفون برعاية مصالحه، فالدول والثورات ليست جمعيات خيرية، وهي لا تقدم شيئاً إلا من أجل مصالحها بالدرجة الأولى. عندما تدخلت تركيا في سوريا كانت تبحث عن مصالحها، ولحسن حظنا وسوء حظ النظام فإن مصالحها تقاطعت مع مصالحنا بدرجة كبيرة. أيضاً عندما تدخلت روسيا في سوريا كانت تبحث عن مصالحها، ولسوء حظنا وحسن حظ النظام تقاطعت مصالح روسيا مع مصالحه بدرجة كبيرة. وفي الحالتين لم تكن العلاقة متكافئة بين الطرفين، فروسيا هي الطرف الأقوى في العلاقة مع النظام وتركيا هي الطرف الأقوى في العلاقة مع الثورة. وفي الحالتين أيضاً كان الطرف الأضعف بحاجة حقيقية للطرف الأقوى، النظام كان بحاجة للدعم الروسي بعدما أشرف على الانهيار، والثورة صارت بحاجة لتركيا بعدما تحولت معركتها مع النظام إلى حرب مفتوحة مع روسيا وإيران.

 

لكي نستمر في المقارنة: النظام قدم لروسيا كل التنازلات التي طلبتها منه لكي يحافظ على وجوده في الحد الأدنى، ولكنه كان يبذل جهده -في الوقت نفسه- لتقليص حجم خسائره في هذه العلاقة غير المتكافئة وزيادة حجم مكاسبه، واستثمر بأكثر دهاء ممكن حاجةَ حليفين مختلفين لخدماته وتنازلاته، فمارس الابتزاز الخفيّ ولعب على المتناقضات وحقق مكاسب نسبية كثيرة.

 

بالمقابل تعالوا ننظر إلى الثورة. منذ البداية تعاملت بعض القوى الثورية مع الداعمين بطريقة حَدّية وبمنطق الاستعلاء، فكان المطلوب من الحليف دعماً غير محدود مقابل صفر تنازلات. الفصائل التي انتهجت هذا المنهج تأثرت بتكوينها الأيديولوجي وخلطت بين منهج الدعوة ومنهج الثورة، فلم تلبث

أن خرجت من معادلة التوازنات الثورية كلها لأن العلاقات الدولية لا تحتمل المواقف الحدّية الصارمة التي حبست نفسها فيها وحاولت فرضها على الآخرين.

 

فريق آخر في الثورة ذهب إلى النهاية المقابلة، فانبطح للداعم وتحول إلى خادم مخلص له فخسر احترامه وثقته، لأن من لا يكون حريصاً أميناً على مصالح نفسه لن يكون كذلك مع الآخرين. وخسر أيضاً قدرته على خدمة مصلحة الثورة عندما فقد قراره الثوري، فحُرمت منه الجبهات الساخنة في وقت اشتدت فيه حاجتها إلى الدعم والمساندة والمساعدة، وكان لتقصيره في تقديم ذلك كله أثر واضح في انهيار الجبهات.

 

* * *

 

كلا الموقفين ألحقا الضرر بالثورة، فلا الذين أفرطوا بالتشبث بما اعتبروه ثوابت استطاعوا أن ينفعوا ثورتهم، ولا صنع ذلك الذين فرّطوا بمصالح الثورة وقدموا عليها مصلحة الداعم الخارجي. فكيف يمكن تدارك هذه الحالة وما الذي نستطيع أن نستفيده من تركيا في هذه الأيام المصيرية؟

 

إن تركيا تمر بمرحلة انقلاب إستراتيجي في علاقتها مع روسيا وقد ازدادت مساحة الخلاف والتناقض بينهما في كل الملفات، في سوريا وليبيا والقرم وأوكرانيا، ولكن أحداً لا يستطيع أن يضمن استمرار هذه الحالة لوقت طويل، فقد تبقى كذلك لسنة وسنتين وقد تتحسن العلاقات بعد شهر أو شهرين، وهذا يعني أن على الثورة أن تتحرك بحكمة وبسرعة للاستفادة من الموقف التركي الجاد والصارم لتحقيق مكاسب ثورية على الأرض.

 

المكاسب المطلوبة يمكن حصرها في نوعين، حماية المناطق المهددة ومنعها من السقوط واسترجاع المناطق التي سقطت منذ وقت قريب (كمعرة النعمان) لأن سيطرة النظام وحلفائه عليها ما تزال هشة واسترجاعها سهل نسبياً. لتحقيق هذه المكاسب يجب على فصائل الجيش الوطني أن تنشئ علاقتها مع الطرف التركي على التكافؤ والاحترام المتبادل والقرار المستقل والتعاون في المساحات المشتركة، فالطرف التركي مسؤول عن مصالحه وعليه أن يسعى لتحقيقها ونحن مسؤولون عن مصالحنا وعلينا أن نسعى لتحقيقها، ومن الواجب على كل واحد من الطرفين أن يهتم بمصالحه دون الإضرار بمصالح الطرف الآخر.

 

* * *

 

الخلاصة: لقد كان الارتهان الكامل لأوامر الداعمين الخارجيين وفقدان القرار الثوري أحد أسباب الانهيار السابق، وإن استرجاع القرار الثوري المستقل هو أفضل الأعمال التي يمكن عملها لعكس الانهيار ووقفه، وهو الذي سيمكّننا من استثمار الظروف الجديدة لتحقيق ما يمكن تحقيقه من انتصارات بإذن الله.

 

(وللحديث بقية)



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق