الصراع العثمانى المملوكى.. الجزء الثالث :

10/01/2020 03:03


أحمد كامل

سليم الأول إتضايق جداً من حياد سلطان المماليك قَنصوة الغورى .. من وجهة نظره دى كانت سلبية غير مبررة .. إيه اللى يخليك متقفش فى صفى و إحنا على نفس المذهب و الصفويين بيمثلوا نفس الخطورة علينا إحنا الإتنين سواء عسكرياً أو عقائدياً .. يبقى ليه متساعدنيش .. سليم من اللحظة دى بدأ يشك فى نوايا الغورى و لكن بسبب أولوية القضاء على الصفويين قرر إنه يأجل الخلاف معاه ..

ـــــ

 

أول قرارات سليم كان زيادة عدد القوات الإنكشارية فى الجيش و تسليحها بأحدث الأسلحة الموجودة فى الوقت ده .. سليم رغم إنه كان رجل حرب و معندوش مانع يدخل حرب لسنين إلا إنه فى حرب الصفويين بالذات كان عاوز يتأكد من تفوق جيشه .. كان عاوز يدخل الحرب و هو متأكد إنه منتصر ..

 

ثانى القرارات كان إعدام التركمان الشيعة اللى عايشين فى حدود دولته و اللى طلعوا فى النهاية حوالى 40 ألف شخص ما بين جنود و مدنيين و ده تحسباً لقيام ثورة مضادة منهم أثناء حربه ضد إسماعيل الصفوى .. طبعاً دى دموية مفرطة من سليم مهما كان تبريرها لكن صدقونى هتحسوا إن الرقم ده قليل جداً لو قارنتوه بضحايا إسماعيل الصفوى و اللى وصل تعدادهم فى بعض الروايات لأكتر من مليون سنى ..

 

ثالث القرارات كان عرض أمر الحرب على رجال الدولة العثمانية و فقهاءها مع بيان الأدلة و البراهين اللى بتأكد على خطر الصفويين على الأمة الإسلامية لحد ما قدر بالفعل ياخد موافقتهم على دخول الحرب .. خلال 3 أيام بس إتجهز جيش عدده 140 ألف مقاتل منهم 40 ألف جندى إنكشارى .. فى مارس 1514 إتحرك الجيش العثمانى من مدينة إدرنة و إتجه مباشرة تجاه الشرق ..

 

ـــــ

 

إسماعيل الصفوى زى ما قلنا مكانش سهل و عيونه كانت بتوصله تحركات العثمانيين فكان كل ما يتقدموا ناحيته كان هو بيتراجع للداخل و هدفه من ده كان جر العثمانيين للمناطق الجبلية اللى جيشه متعود عليها أكتر منهم .. إسماعيل كان بيهدف لحاجة كمان من التراجع ده .. كان بيهدف لإنهاك جيش العثمانيين و إجبارهم على التوغل لأبعد مكان ممكن من حدود دولتهم .. ليه .. لإنه كان بيتبع سياسة الأرض المحروقة .. كل ما كان يعدى على مدينة كان بيحرق الحبوب و المؤن اللى فيها فلما سليم كان يعدى من نفس المكان ميلاقيش مؤن كفاية لجيشه و ده طبعاً كان بيعطله كتير بخلاف إن كتير من الدواب كانت بتهلك من الجوع .. سليم طبعاً كان فاهم اللى بيحصل بس مكانش عنده خيار تانى .. رغبته فى القضاء على الصفويين كانت أقوى من إنه يتراجع ..

 

فى وسط ده كله بدأ جنود العثمانيين يحسوا بالإرهاق و الملل و كان لازم سليم يتصرف .. ده خلاه يبعت رسائل لإسماعيل الصفوى عشان يستفزه لبداية الحرب فقاله فى واحدة منها :

 

( أنا زعيم و سلطان آل عثمان .. أنا سيد فرسان هذا الزمان .. أنا الجامع بين شجاعة و بأس افريدون الحائز لعز الإسكندر و المتصف بعدل كسرى .. أنا كاسر الأصنام و مبيد أعداء الإسلام .. أنا خوف الظالمين و فزع الجبارين المتكبرين .. أنا الذى تذل أمامه الملوك المتصفون بالكبر و الجبروت و تتحكم لدى قوتى صوالج العزة و العظموت .. أنا الملك الهمام السلطان سليم خان ابن السلطان الأعظم بايزيد خان أتنازل بتوجهى إليك أيها الأمير إسماعيل يا زعيم الجنود الفارسية .. و لما كنت مسلماً من خاصة المسلمين و سلطاناً لجماعة المؤمنين السنيين الموحدين و إذ أفتى العلماء و الفقهاء الذين بين ظهرانينا بوجوب قتلك و مقاتلة قومك فقد حق علينا أن ننشط لحربك و نخلص الناس من شرك )

 

ميردش إسماعيل و يستمر فى تنفيذ خطته بالتراجع فيضطر سليم إنه يبعتله رسالة تانية قاله فيها :

 

( إن علماءنا و رجال القانون قد حكموا عليك بالقصاص يا إسماعيل بصفتك مرتداً و أوجبوا على كل مسلم حقيقى أن يدافع عن دينه و أن يحطم الهراطقة فى شخصك أنت و أتباعك البلهاء .. و لكن قبل أن تبدأ الحرب معكم فإننا ندعوكم لحظيرة الدين الصحيح قبل أن نشهر سيوفنا .. و زيادة على ذلك فإنه يجب عليك أن تتخلى عن الأقاليم التى اغتصبتها منا اغتصاباً و نحن حينئذ على استعداد لتأمين سلامتك )

 

و أرفق مع الرسالة دى جلباب مقطع و عكاز و سبحة و بخور و دى الحاجات اللى بيستعملها عادة الدراويش و بكده هو بيفكره بأصله و بجده صفى الدين الأردبيلى اللى إتكلمنا عليه فى الجزء اللى فات .. إسماعيل فى المقابل رد عليه بإنه بعتله صندوق صغير من الذهب حطله فيه أفيون و كتبله رسالة قاله فيها :

 

( أعتقد أن هذا الخطاب كُتب تحت تأثير المخدر )

 

بعد عدة مراسلات بين الطرفين حاول إسماعيل يكسب بيها شوية وقت بعتله رسالة بيعرض فيها الصلح مع العثمانيين لكن سليم رفضها و إتأكد إن إسماعيل بيحاول يصيب الجنود العثمانيين بالملل و ده ممكن يتسبب فى تمرد فى الجيش فكتبله رسالة قاله فيها :

 

( إن كنت رجلاً فلاقنى فى الميدان .. و لن نمل انتظارك )

 

و بعتله مع الرسالة بعض الملابس النسائية دلالة على ضعفه و هروبه المستمر .. عندها إضطر إسماعيل إنه يستجيب و إلا منظره قصاد جيشه هيبقى سيء جداً و

هيبان إنه فعلاً جبان .. بعدها بدأ كل طرف منهم يحرك عيونه لحد ما عرفوا إن مكان المعركة هيبقى فى منطقة إسمها جالديران فى أقصى شرق تركيا حالياً ..

 

ـــــ

 

فى أغسطس 1514 وصل سليم الأول لجالديران و إحتل المناطق العالية فيها و بالتالى بقى له أفضلية نسبية ضد عدوه و بدأ التجهيز للمعركة .. جيش العثمانيين كان عدده أكثر و تجهيزه أعلى و بالتالى النتيجة كان شبه معروفة .. هزيمة كاسحة للصفويين .. خسائر بشرية مهولة .. آلاف القتلى و الجرحى و الأسرى لدرجة إن كل قادة جيش الصفويين إما قتلوا أو تم أسرهم حتى إسماعيل الصفوى نفسه إتصاب فى المعركة و فلت من الأسر بأعجوبة .. الأدهى بقى إن واحدة من زوجات إسماعيل تم أسرها فى المعركة و سليم مرضيش يرجعهاله و إمعاناً فى إهانته جوزها لواحد من مساعديه إنتقاماً منه ..

 

المعركة أثرها كان كارثى على الصفويين الحقيقة .. خسروا تبريز عاصمة دولتهم و خسروا معاها غنائم لا تعد و لا تحصى .. خسروا مكانتهم اللى فضلوا يبنوها على مدار أكتر من 75 سنة و طموحهم التوسعى وقف لمدة 100 سنة تقريباً .. أما بالنسبة للعثمانيين فالمكاسب كانت خرافية .. كسبوا مساحة أرض جديدة و ثروات و موارد عظيمة و كمان ثبتوا رجليهم كقوة عظمى وحيدة فى المنطقة ..

 

فى الوقت ده سليم كان عاوز يكمل فى الهجوم على الصفويين و يطردهم من مناطق السنة نهائياً إلا إن بعض قادة الإنكشارية تمردوا و إبتدوا يكونوا جبهة ضده لإن الدخول فى المناطق دى مش هينتهى فى شهر أو إتنين .. فى الغالب الموضوع هياخد سنة أو أكتر و دى بلاد طبيعتها الجغرافية جديدة عليهم و هيدخل عليهم موسم الشتاء و لو إتبع إسماعيل نفس السياسة اللى كان بيتبعها قبل كده فمش هيلاقوا مؤن كافية و بالتالى الجنود و الدواب هيهلكوا .. سليم شاف إنه مش هيقدر يجبر القادة على الإستمرار فاضطر إنه يستجيبلهم و رجع تانى على إسلامبول لكنه أول ما رجع أعدم كل القادة اللى وقفوا ضده فى تبريز فى رسالة واضحة للجميع إن محدش يفكر يعارضه بعد كده ..

 

السؤال هنا .. ليه سليم مرجعش يكمل حربه مع الصفويين زى ما كان عاوز ؟

 

إجابة السؤال ده محتاجة إننا نرجع شوية لورا ..

 

ـــــ

 

فى الفترة اللى كان سليم بيبعت فيها رسائل لإسماعيل الصفوى فى رسالة بعتها لواحد إسمه ( علاء الدولة بوذقارد بن سليمان ) حاكم إمارة ذى القدر و طلب منه فيها إنه يساعده فى حرب الصفويين إلا إن علاء الدولة رفض و إتحجج بإنه معندوش القوة الكافية لمساعدته و كمان لإنه بيتبع دولة المماليك سياسياً و ميقدرش ياخد قرار ذى ده دون الرجوع للسلطان قنصوة الغورى .. الكلام ده ضايق سليم جداً مش عشان علاء الدولة رفض يساعده و لكن لإن علاء الدولة ده يبقى جده .. أه و الله .. علاء الدولة يا جماعة يبقى والد كلبهار خاتون زوجة السلطان بايزيد الثانى و أم سليم الأول ..

 

إمارة ذى القدر كانت إمارة مستقلة أه و لكنها تعتبر تابعة للمماليك سياسياً و ده خلى المراسلات بين الغورى و علاء الدولة متتقطعش .. الغورى كان بيدعم علاء الدولة ضد سليم فى السر و لكن فى العلن بيظهر الحياد .. سليم لما شاف رفض علاء الدولة بعت رسالة للغورى عشان يعرفه اللى حصل فرد عليه الغورى برسالة قاله فيها :

 

( إن علاء الدولة عاصٍ أمرى فإن ظفرت به فاقتله )

 

بعدها على طول يقوم باعت رسالة لعلاء الدولة يشكره على اللى عمله و يشجعه على قتال سليم و يطلب منه إنه ميساعدهوش بأى مؤن أو يبيعله أى حاجة .. رسالة الغورى أغرت علاء الدولة و خلته يغلط غلطة عمره .. فى لحظة تهور غير محسوبة يقرر علاء الدولة إنه يغدر بسليم و يهاجم مؤخرة جيش العثمانيين و يسببله خساير كبيرة .. سليم و بحكم إنه عصبى جداً كان هيرجع له عشان ينتقم منه لكنه سابه عشان كان عاوز يسبق إسماعيل الصفوى فى الوصول لجالديران .. حركة زى دى أجبرت سليم على إنه يسيب جيش مكون من 40 ألف جندى عشان يأمن ضهره من أى محاولة غدر تانية و راح لإسماعيل ب 100 ألف جندى بس ..

 

ـــــ

 

الحقيقة اللى عمله الغورى ده مكانش مفهوم .. ليه تضحى بحليف ليك و ترميه فى نار سليم لوحده .. إيه وجه الإستفادة اللى هتعود عليك غير إنك خسرت حليف كان ممكن يساعدك فى المستقبل .. لا انت وقفت مع العثمانيين و لا انت حالفت الصفويين و فوق ده ضحيت بحليفك و كشفته .. يبقى إيه وجه الإستفادة ؟ .. الحقيقة أنا معنديش تفسير للنقطة دى غير إن الغورى كان كبر و خرف .. الراجل فى الوقت ده سنه كان وصل 75 سنة و مبقاش فاضى غير للم فلوس من أمراء المماليك و من المحتسب بركات بن موسى اللى الناس تعرفه بإسم الزينى بركات .. راجل ألهته ملذات الحياة و قدراته العقلية مأسعفتوش على قراءة المشهد بشكل صحيح ..

 

المهم إن اللى عمله علاء الدولة ده مش هيعدى بالساهل ..

 

سليم بعد ما خلص عالصفويين قرر إنه يصفى حساباته مع اللى خانوه ..

 

علاء الدولة .. و من بعده قنصوة الغورى ..

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق