شاهد..حدائق حيوان البشر كانت منتشرة بالعواصم الأوروبية بدايات القرن الـ 20

14/12/2019 02:25

بقلم/ على عبدالعال

أوائل القرن العشرين أقيم في معظم العواصم والمدن الأوروبية والأمريكية ما عرف ب (حدائق حيوان البشر).

 

والتي كان يتم فيها عرض مجموعات من البشر نقلوا كعبيد من بلادهم في أفريقيا وآسيا وأستراليا وأمريكا الجنوبية على يد المستعمر الغربي ليتم عرضهم في أقفاص كالحيوانات للمشاهدة والاستمتاع.

 

كانت حجة الرجل الغربي في إقامة هذه الحدائق أن مغامرات المستكشفين وكتاباتهم عن الأعراق والأجناس المختلفة أثارت رغبة الأوروبيين للتعرف على هذه الثقافات وأصحابها ومشاهدة عاداتهم ونمط حياتهم.

 

وبينما سعى أصحاب المال لتحقيق الأرباح المادية ساندهم علماء الأنثروبولوجي بحجة استغلال هؤلاء البشر لإجراء دراسات وأبحاث حول الثقافات والحضارات المختلفة.

 

لم تتردد السلطات الاستعمارية في جعل هذه الفكرة أمراً واقعاً، ومن ثم جلبوا عينات من هذه الشعوب.

 

غادر أكثر من 35 ألف شخص أوطانهم (رجالٍ ونساءٍ وأطفال) ليشاركوا في تلك المعارض التي اقيمت في المدن الغربية.

 

عائلات كاملة تم سحبها من بلدانهم الأصلية ووضعوا في أشباه قرى، وتم حثّهم على عمل برامج تمثيلية أمام المشاهدين.

 

وبحسب بعض التقديرات استقبلت بعض هذه الحدائق في كل من فرنسا وبلجيكا أكثر من 40 ألف زائر يوميا، من الراغبين في مشاهدة هؤلاء البدائيين وعاداتهم.

 

احدى أكبر هذه الحدائق أقيمت في الفاتيكان، وجمع فيها الكاردينال هيبوليتوس مجموعة من البشر من مختلف الأجناس (البرابرة، والمور، والتتار، والهنود، والأتراك، والأفارقة، وحتى السكان الأصليين في أمريكا) إلى جانب الحيوانات.

 

وفي فرنسا، عرفت حدائق الحيوان البشرية انتشارا بشكل سريع خلال سبعينيات القرن التاسع عشر، فأثناء حصار باريس ما بين سنتي 1870 و1871 من قبل جيوش مملكة بروسيا، أقدم أهالي العاصمة الفرنسية على افتراس الحيوانات التي كانت معروضة في حدائق الحيوان، وبدل تعويضها لاحقاً بحيوانات أخرى، فضّل مسؤولو بلدية باريس ملء العاصمة بحدائق الحيوان البشرية التي انتشرت بكثافة.

 

ثم صارت الحدائق البشرية جزءًا من دخل فرنسا الاستعماري؛ إذ استضافت باريس قُرى كاملة، وقامت ببناء منشآت مشابهة لتلك التي في المستعمرات لعرض الحياة كما كانت هناك، لكي تأتي الجماهير وتشاهد بنفسها أطيافًا مختلفة من البشر وكيف يعيشون، دون الحاجة للسفر إلى الخارج.

 

وفي العام 1906، قامت الدولة الفرنسية ببناءٍ مقلد لقرية بالكونغو، في مدينة مارسيليا، كجزءٍ من معرض استعماري، وجُلب الأسرى من الكونغو للعمل فيها.

 

وفي عام 1907 قام الفرنسيون ببناء ست قرى داخل حديقة سميت «حديقة الزراعة الاستوائية» ، وبُنِيت القرى بنفس الشكل الذي كانت عليه في بلدانها الأصلية، وجُلب البشر من بلدانهم البعيدة لتقليد الحياة كما عاشوها.

 

كان السكان الأصليون من مناطق مختلفة بالإمبراطورية الفرنسية، يشاركون كممثلين يرتدون ملابسهم الأصلية من بلدتهم الأم، وهو ما أدّى إلى تدفّق الجمهور على تلك الحدائق، إلا أنه في الوقت ذاته لم يتم حمايتهم من ظروف المعيشة المختلفة عن مواطنهم، فقتل البرد العشرات منهم، وكان يتمّ دفنهم في الحدائق ذاتها.

 

اليوم تُعتبر هذه الحدائق جزءً من التاريخ الذي تود فرنسا نسيانه، ورغم أنّ هذه الحدائق أُهملت إلا أن جدران المباني والدهانات الباهتة والرواق المستوحى من الطراز الآسيوي مازال باقيًا، وجرى فتحه أمام الجمهور عام 2006، كأطلال زمنٍ فائت.

 

أما بلجيكا فقد عرفت مدنها حدائق الحيوان البشرية وخلال العقد الأخير من القرن التاسع عشر نقلت السلطات الاستعمارية البلجيكية بالكونغو المئات من الكونغوليين من أوطانهم

بهدف عرضهم على الشعب البلجيكي.

 

وفي صيف سنة 1897 أمر ملك بلجيكا ليوبولد الثاني بإنشاء حديقة حيوان بشرية شرق العاصمة بروكسل، وتزامناً مع ذلك تم نقل حوالي 260 كونغولياً نحو هذه الحديقة، وبحسب تقارير فقد زار ما لا يقل عن 1,3 مليون بلجيكي الحديقة البشرية في شرق بروكسل من أجل مشاهدة الكونغوليين.

 

لم تكن حدائق الحيوان البشرية قاصرة فقط على المدن الأوروبية، بل تورّطت أمريكا في هذه الممارسات العنصريّة، فأنشأت حديقة خاصة بها عام 1904 في ولاية ميسوري، أطلق عليها «معرض سانت لويس العالمي»،

 

تصمنت حديقة سانت لويس 3 آلاف فرد وصفوا ب «المتوحشين» من قبائل أفريقية وآسيوية، إضافةً إلى بعض سكّان الأمريكتين الأصليين.

 

 

وفي حديقة سانت لويس، واجه السكان الأصليون تحديات؛ كان أهمها أنهم مجبرون على ارتداء الحد الأدنى من الملابس، وهي ملابس تقليدية مخصّصة لدرجات الحرارة الاستوائية، كان عليهم ارتدائها في طقس المدينة البارد والمتجمد في ديسمبر (كانون الأول).

 

كما كان الأسرى من الفلبينيين مجبرون على تأدية بعض الطقوس الخاصة بأكل لحوم الكلاب، وذلك من أجل إبهار الجمهور، ومن ثم أدّت الظروف الصحية المروعة إلى انتشار الأمراض وتوفي اثنين من الفلبينيين، وما زالت أجسادهم باقية حتى الآن في معهد سميثسونيان بواشنطن، كما تفشت الأمراض في عددٍ كبير من أطفال قبيلة بيما الهندية؛ ما استدعى الحكومة الأمريكية إلى شحنهم للعودة إلى موطنهم الأصلي.

 

فخلافا للحدائق الأوروبية التي امتلأت أساسا بالأفارقة، شهدت حدائق البشر الأمريكية تواجداً مكثفاً للعنصر الآسيوي وخاصة الفلبيني والهندي والماغولي.

 

إذ على إثر الحرب الأمريكية – الإسبانية سنة 1898 وهيمنة الولايات المتحدة على الفلبين، لم يتردد الأمريكيون في نقل أعداد من الفلبينيين لعرضهم في كبرى المدن الأمريكية.

 

وإضافة إلى الدول الأوروبية والولايات المتحدة سجلت حدائق الحيوان البشرية ظهورها بالدول الإسكندنافية ففي حدود سنة 1914 أنشأت النرويج حديقة بأوسلو وتضمنت هذه الحديقة ما لا يقل عن 80 رجلا إفريقيا جيء بهم من السنغال، ولقيت الحديقة إقبالا جماهيريا حيث قالت التقارير أن نصف الشعب النرويجي زار حديقة الحيوان البشرية للاستمتاع برؤية السنغاليين ومشاهدتهم.

 

وفي تلك الفترة، انتشرت مهنة جديدة في الولايات المتحدة والمدن الأوروبية، مهنة من عرفوا ب «وكلاء الندرة البشرية»، وهم مجموعة من التجار الذين أرادوا تحقيق ربح سريع، وتلخصت مهمتهم في جلب البشر، سواء للحدائق أو لعروض السيرك.

 

ومن المثير للدهشة، أن بعض هؤلاء الوكلاء كانوا قد بدأوا أعمالهم كرجال دين ومُبشرين في المدن البعيدة، والبعض الآخر كان من علماء الأنثروبولوجيا الذين حتمت عليهم دراساتهم التواجد في مناطقٍ نائية والاختلاط بالقبائل المنعزلة والبدائية، أما البقية فكانوا رجال أعمال سعوا للاستفادة من هذا النوع من الترفيه، وكانت تجارتهم الأساسية هي البشر.

 

لعبت الحدائق البشرية دورا هاما في الترويج لفكرة تفوق العرق الأبيض، وتزامناً مع ذلك أقدم العديد من علماء الأنثروبولوجيا على إجراء أبحاث ونشر كتب عنصرية حول نظرية التطور البشري.

 

فعلى إثر تردده على حدائق الحيوان البشرية، أقدم المحامي الأميركي ماديسون غرانت سنة 1918 على نشر كتاب تضمن العديد من النظريات العنصرية واعتبر فيه العرق الأبيض عرقا آريا وسيدا على البشرية، ولهذا السبب وجب عليه إبادة بقية الأعراق من أجل تكريس سيادته على الأرض بشكل نهائي.

 

ومما يتردد، وهو أيضا مثير للاستغراب ما ينسب للزعيم النازي أدولف هتلر من العمل على حظر حدائق الحيوان البشرية .



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق