هل يصاب المؤمن بالإكتئاب ؟

05/12/2019 07:52


د. محمد المهدى

عبارة وردت على لسان الدكتور مصطفى محمود يرحمه الله مفادها أن الإنسان المؤمن لا يصاب بالإكتئاب لأن إيمانه بالله يحميه من الإكتئاب , وقد تواترت هذه العبارة كثيرا على ألسنة الكثيرين من علماء الدين والدعاة وانتشرت بين عوام الناس ومثقفيهم , فما مدى صحة هذه العبارة من الناحية العلمية ؟ .

أولا : الإكتئاب مرض نفسي له خصائص تشخيصية محددة إذا توافرت وكانت بالشدة التي تعوق الإنسان عن أداء وظائفه وممارسة هواياته ومواصلة علاقاته الإجتماعية , وأن تستمر الأعراض لفترة لا تقل عن أسبوعين , وهذا يفرقه من حالات الحزن أو اعتلال المزاج العابرة والتي تحدث لكل الناس بسبب ظروف الحياة .

والإكتئاب يحدث نتيجة خلل كيميائي في المخ واضطراب في توازن الهورمونات المختلفة واضطراب في وظائف بعض مراكز المخ , أي أنه في الأساس اضطراب عضوي في المخ .

وهو قد يحدث دون أسباب مباشرة ويكون مرتبطا ببعض العوامل الوراثية , وقد يحدث بسبب فقد عزيز أو فقد مال أو مكانة أو وجود ضغوط حياتية مزمنة .

وبما أنه مرض ينطبق عليه خصائص الأمراض فهو يصيب أي شخص بصرف النظر عن إيمانه أو ضعف أو حتى عدم إيمانه , وهو يشبه في ذلك مرض السكري , فمثلا في الإكتئاب يكون هناك نقص في السيروتونين أو الأدرينالين أو الدوبامين أو الثلاثة مجتمعين , وفي مرض السكري يكون هناك نقص في الإنسولين , وفي كلا المرضين يكون العلاج بإعطاء المواد الناقصة أو تحفيز إفرازها أو محاولة الإبقاء عليها في المشتبكات العصبية .

ولم يقل أحد بأن المؤمن لا يصاب بالسكري , وإلا لكان كل مرضى السكري متهمون بضعف الإيمان . واتهام مريض الإكتئاب بضعف الإيمان أو ضعف الإرادة أو ضعف الشخصية يزيد من حدة مرضه ويضاعف من إحساسه بالذنب ويؤخر شفاءه كثيرا وربما يدفعه للإنتحار لأن مريض الإكتئاب

يكون شديد الحساسية ولديه ميل كبير للإحساس بالدونية والإحساس بالتقصير والإحساس بالذنب , فإذا جاء من يقول بأن المؤمن لا يصاب بالإكتئاب فإنه يتهم كل من أصيب بالإكتئاب بضعف الإيمان , وهذا ما يحدث فعلا من المحيطين بالمكتئب من أقاربه وأصدقائه , إذ ينهالون عليه بالنصائح بأن يقوي إيمانه الضعيف , وأن يحمد الله على ما أعطاه من النعم ولا يكفر بهذه النعم , وكأنه حين أصيب بالإكتئاب كان ذلك بسبب بعده عن الدين وكفره بنعم الله , وهذا غير صحيح كما أسلفنا فالإكتئاب وباقي الإضطرابات النفسية مثلها مثل الأمراض الجسمانية تصيب المؤمن وغير المؤمن .

ومع هذا لا ينكر أحد أن الإيمان والتدين الصحيح والأصيل يعطي قدرة على الصمود في وجه مصاعب الحياة , ويكون عاملا مهما في سرعة التعافي من الأمراض بما يمنحه للإنسان من معاني الصبر والرضا والتسليم بأقدار الله وتقبل الإبتلاءات , ولكن مرة أخرى لا يمنع حدوث الأمراض بشكل مطلق ولكن يعطي مناعة نسبية ويسرع عملية التعافي .

وإلصاق تهمة ضعف الإيمان بمن أصيبوا بالإكتئاب يزيد من وصمة المرض النفسي ويجعل المريض عازفا عن الإعتراف بمرضه النفسي وعازفا عن محاولة البحث عن علاج , ويكتم مرضه في نفسه إلى أن يستفحل المرض أو يتحول إلى اضطرابات جسدية خطيرة مثل ارتفاع ضغط الدم أو الذبحات والجلطات القلبية أو الجلطات المخية أو نزيف المخ , أو يقوم المريض بإيذاء نفسه والذي قد يصل إى الإنتحار .

ثانيا : هناك دليل من حديث للرسول صلى الله عليه وسلم أن المؤمن يمكن أن يصاب بأعراض نفسية (تماثل الإكتئاب) وأعراض جسدية , وأنها تكون اختبارا له ويؤجر على صبره عليها . يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " ماأصاب المؤمن من هم ولا غم ولا حزن , حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله من خطاياه" (رواه مسلم) .

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق