بلال فضل..يكتب: فيتامينات للذاكرة (شهادة خطيرة من مطبخ الدولة الشائخة عن مبارك وضحاياه المنسيين)

16/10/2019 02:58


بلال فضل

في كتابه المهم (الثورة التائهة: صراع الخوذة واللحية والميدان) يروي الكاتب الكبير عبد العظيم حماد رئيس تحرير صحيفة (الأهرام) السابق، تفاصيل مهمة عن طريقة تعامل القوات المسلحة مع كارثة غرق أكثر من ألف ومائة مصري في مياه البحر الأحمر، حين غرقت في فبراير 2006 عَبّارة (السلام 97) التي كان يملكها رجل الأعمال ممدوح اسماعيل المقرب من حسني مبارك وزكريا عزمي.

كانت بشاعة الكارثة قد دفعت عددا من الأصوات في الصحف ولأول مرة إلى توجيه أسئلة حول تقاعس القوات البحرية في التعامل مع الكارثة مما زاد من عدد الضحايا، ولكي يتم تحجيم الموضوع قبل أن يبهوق إعلامياً ويُهيِّج غضب أهالي الضحايا، تم تشكيل لجنة تقصي حقائق كان من البديهي أن يرأسها النائب حمدي الطحان رئيس لجنة النقل والمواصلات وقتها، والذي كان منتخباً عن الحزب الوطني، وربما لذلك لم يأخذ المسئولون "خوانة" فاطمأنوا إلى أن لجنة تقصي الحقائق ستمارس دور تلك اللجان المعتاد في "تخصي" الحقائق، خاصة وأن اللجنة كانت تضم من بين أعضائها رجل الأعمال محمد أبو العينين الذي تم اختياره متحدثا باسم اللجنة، لضمان سيطرة الحزب الوطني على كل ما يخرج منها، قبل أن يفاجأ المسئولون بالموقف التاريخي المحترم الذي اتخذه النائب حمدي الطحان حين قام بتأدية واجبه كاملاً في تقصي حقيقة ما حدث لضحايا العبارة الغارقة.

 

في كتابه يروي الأستاذ عبد العظيم حماد شهادة خطيرة من النائب حمدي الطحان عن لقاءات لجنة تقصي الحقائق بمسئولي القوات المسلحة خلال إعدادها للتقرير الذي كان الرأي العام ينتظره بشغف، حيث جرى اللقاء الأول يوم 16 فبراير 2006 وضم حمدي الطحان ومحمد أبو العينين والنائب أمين راضي كممثلين للجنة، أما ممثلو القوات المسلحة الذين حضروا اللقاء فقد كانوا كلا من "اللواء مصطفى السيد رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة وقتها ومحافظ أسوان بعد الثورة واللواء مختار السعيد رئيس مركز البحث والإنقاذ بالقوات المسلحة آنذاك، واللواء ممدوح شاهين رئيس فرع المؤسسات الدستورية والسياسية بالأمانة العامة لوزارة الدفاع وقتها، وشخص غير محدد الهوية يرتدي الملابس المدنية".

 

كانت البداية ساخنة جدا على عكس ما توقع الجميع، حيث يروي الطحان أن اللواء السعيد قال أن الحادث وقع في منطقة لا تشكل جزءا من منطقة البحث والإنقاذ الواقعة في دائرة اختصاص القوات المسلحة، فرد عليه الطحان بشكل قانوني قائلا له أن مصر وقّعت على اتفاقيتين دوليتين يلزمانها بألا يكون البحث ضمن حدود المياه الإقليمية فقط، وعندما أسقط في يد اللواء السعيد من الناحية القانونية إذا به يرد على الطحان بحجة أخرى، وهي أن الإدارة تتلقى مئات الإشارات المستغيثة للبحث والإنقاذ، ولا يمكن تلبيتها جميعا، وقال بالعامية بسخرية واضحة "هو كل ما تيجي إشارة نطلع؟"، فرد الطحان "ياسيادة اللواء أنت ضابط فهل ما تقوله معقول؟"، فرد بعدوانية واضحة "يعني إيه ضابط؟"، فقلت "بلاش ضابط أنتم جيش"، فقال بدرجة عدوانية أعلى "عرفني يعني إيه جيش"، فقلت متمالكا أعصابي "إن البلد تنفق على الجيش لغرض واحد هو الدفاع عن أمنها وأرواح أبنائها وإذا لم يقم الجيش بهذا الواجب فلا داعي إذن لوجوده"، ليحتدم الموقف ويتدخل اللواء مصطفى السيد مقترحا استراحة قصيرة لشرب القهوة.

 

بعد الاستراحة تم استدعاء وفد اللجنة للقاء بالمشير طنطاوي في مكتبه، ليدخل عليهم بعد ربع ساعة مشدودا ومتجهما، مما يوحي أنه كان يتابع اللقاء من مكتبه، ليفاجأ الجميع به يبادر الطحان بقوله "القوات المسلحة لا تُسئل ولا يُحقق معها، القوات المسلحة فوق المساءلة وفوق التحقيق، هي تحمي الشرعية ولا يؤتى بسيرتها حتى في مجلس الشعب"، ردا على ما قاله الطحان في مجلس الشعب من أن القوات المسلحة لم يكن لها أثر في اليوم التالي لوقوع الحادث، وكان المشير يتوقع أن يسكت الطحان بعد كلامه، لكنه فوجئ به يرد عليه بهدوء شديد، قائلا أنه لم يكن يوجه اتهامات بل كان يسأل عن وقائع محددة حول تأخر القوات المسلحة في تلبية نداءات الإستغاثة، فرد المشير قائلا أن أحدا لم يبلغ القوات المسلحة، لكن رده كان مرتبكا هذه المرة مما جعل الطحان يقول في شهادته لعبد العظيم حماد أنه أدرك حين ذاك أن المشير ليس بالحزم والصرامة الذين حاول أن يبدو عليهما.

 

إدراك الطحان جعله فيما يبدو لا يكتفي بما قاله المشير، بل يستغل فرصة مواجهته به ليثير نقطة أخرى في غاية الأهمية والأسى، وهي أن حادث غرق العبارة

وقع يوم الجمعة، ومع ذلك فحتى صباح الأربعاء لم يكلف أحد خاطره بإرسال سيارات ثلاجة لنقل جثث الضحايا، مما دفع الطحان إلى الإتصال بزكريا عزمي رئيس ديوان حسني مبارك "ليحث الجهات المسئولة على إرسال عشر سيارات نقل بثلاجات لنقل جثامين الضحايا إلى ذويهم لدفنها بدلا من تركها مرصوصة في العراء، مما يفوق طاقة الإحتمال البشري، وبما يضاعف آلام الأسر والأقارب، وأنه بادر إلى الإتصال بمحافظ البحر الأحمر مطالبا إياه بالطلب نفسه، لكن المحافظ تعلل بأن محافظته لا تملك هذا النوع من السيارات، فقال له: استأجرها يا أخي، ولكن لا رئيس الديوان ولا المحافظ فعلا شيئا، فأين كانت إذن القوات المسلحة وأنا أعلم أن لديها عددا كبيرا من هذه السيارات. وهنا مرة أخرى قال المشير: لم يعطنا أحد خبر ولم يطلب منا أحد شيئا"، والغريب أنه بدلا من أن يستغل المشير هذه الفرصة لبحث كيف يمكن تفادي ما حدث من تقصير، قرر كما يروي لنا عبد العظيم حماد أن يلجأ إلى الطريق الأسهل من وجهة نظره وهو البحث عن وجود دوافع خفية لدى الطحان تجعله يثير كل هذه الأسئلة، "فإذا به يغير مجرى الحديث ويسأل الطحان: لماذا تتخذ موقفا عدائيا من القوات المسلحة؟ وكان من السهل على الطحان دحض هذه التهمة لأنه خدم ضابطا احتياطيا وكان من خريجي دفعة 1968 من كلية ضباط الإحتياط، ليستعيد الطحان الزمام قائلا: كل ما نطلبه هو تقرير رسمي منكم يثبت هذه الحقائق حتى نحاسب المقصرين الذين لم يبلغوكم".

 

فيما بعد أرسلت القوات المسلحة التقرير بالفعل، لكنه كما يقول عبد العظيم حماد في كتابه: " كان مغلوطا ومغالطا ومع ذلك فقد كان بالغ الاهمية والفائدة، لأنه ادعى أن مركز البحث والإغاثة التابع للقوات المسلحة لم يتلق أية إشارات حول الحادث، لا هو ولا أية جهة تابعة للقوات المسلحة، وهو ما ثبت أن كله مخالف للحقيقة، فهذا المركز وحده تلقى خمس إشارات، لأن نظام الإنذار المطبق به يعمل أوتوماتيكيا، والأدهى أن جهاز الإستقبال في المركز أغلق بفعل فاعل بعد الإشارة الخامسة. أما المحزن فهو أن القوات المسلحة لديها مركز آخر تكلف إنشاؤه بمعونة أمريكية 100 مليون دولار تحت مسمى جهاز مراقبة الشواطئ والسفن، لخدمة الملاحة العالمية بين البحرين المتوسط والأحمر والتي تحمل كل عام حوالي 17 ألف سفينة، وكان هذا المركز تسلم قبل حادث العبارة سبعة لنشات إنقاذ سريعة ذاتية الإعتدال، أي أنها تعود إلى وضعها الصحيح ذاتيا إذا تعرضت لأي حادث يجعلها تنقلب في أثناء إبحارها، ولكن هذه اللنشات مثلها مثل غيرها من معدات الإنقاذ الجوي والبحري ظلت واقفة في أماكنها والمصريون الفقراء يصارعون الامواج طوال يومين كاملين حتى لقوا وجه ربهم ليشكوا إليه ظلم حكامهم وقادتهم العسكريين.

 

وبمجرد الخروج من مبنى وزارة الدفاع تطوع رجل الأعمال محمد أبو العينين بتصريح لم يستأذن فيه الطحان بصفته رئيس اللجنة كما سبق الإتفاق بينهما، حيث قال بأن محطة الإستغاثة الدولية التابعة لهيئة اللويدز في الجزائر لم تبعث إلى مصر بإشارة الإستغاثة، وأن مصر سوف تحاسب الجزائر على هذا التفصير، وعلى الفور بعث السفير الجزائري في القاهرة إلى كل الجهات المعنية بخطاب رسمي موثق يفيد تلقي سفارته عدد 16 استغاثة من الجزائر، وأن جميع هذه الإشارات أرسلت إلى الجهات المصرية المعنية، وبهذه الرسالة يبلغ عدد الإشارات المرسلة من السفارة الجزائرية بالقاهرة 17 إشارة".

 

لكن ما هو التفسير الذي يجعل قادة القوات المسلحة يتجاهلون كل هذه الإشارات الموثقة والتي كان يمكن أن تنقذ الكثير من الركاب الذين ظلوا يصارعون الأمواج لساعات، يسأل عبد العظيم حماد كل المختصين والمعنيين، فلا يجد إجابة مقنعة غير الإجابة التالية: "تقول الروايات الرائجة أن القواعد التي وضعها مبارك استلهاما من القذافي لتأمين النظام من الإنقلابات العسكرية كانت هي السبب في عدم قيام القوات المسلحة بدورها في إنقاذ ركاب العبارة، وقد ألمح إلى هذه القواعد الدكتور مصطفى الفقي في برنامجه التليفزيوني (سنوات الفرص الضائعة) قائلا أن سلاح الجيش المصري في مكان وذخيرته في مكان آخر والوقود في مكان ثالث، ولا بد من قرار من القائد العام شخصيا للجمع بين الثلاثة للقيام بأي مهمة، ولما كان حادث العبارة قد وقع بعد منتصف الليل فلم يجرؤ أحد على إيقاظ القائد العام وقائده الأعلى".

...

مقتطفات من ثلاثة مقالات بعنوان (شهادة من مطبخ الدولة الشائخة) نشرتها على موقع مدى مصر بتاريخ نوفمبر 2014.

#فيتامينات_للذاكرة



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق